مشاهدة النسخة كاملة : الفتاوى الميسرة لسماحة السيد السستاني دام ظله .


الطاهرة
28-10-2010, 18:48
الفتاوى الميسرة

العبادات ـ المعاملات

وفق فتاوى سماحة آية الله العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني « دام ظله الوارف »
( رب اشرح لي صدري * ويسّر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي )‏

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين وبعد:‏
فقد حرصت على أن يكون أسلوب كتابتي للفتاوى الميسرة سهلاً بسيطاً، سائداً في التخاطب المعتاد اليوم بين الكتّاب وقارئيهم، مألوفاً، ساعياً قدر الامكان لحل عقدة غموض النص الفقهي واِبهامه على جلِّ قارئيه المحتاجين اِليه العاملين به من غير أهله.
من خلال طريقة عرض مشوّقة تستدرج القارئ وتستميله وتستحثه على الاحاطة بما ينبغي له أن يحيط به من تعاليم دينه القويم.
مختاراً من الاَحكام أكثرها أهمّية وحاجة للمكلفين. يعقبونها اِذا أرادوا المزيد بمراجعة ما هو أوسع
مادة وأكثر تفصيلاً من كتب الفقه الاِسلامي ورسائله العملية الاخرى.
‏ محاولاً هنا وهناك اِعادة وصل اللحمة في قلب القارئ الكريم بين علمي الفقه والاخلاق.. بين العمل الذي يؤدّيه وروح العمل الذي يؤدّيه.‏
مقسماً البحث الى محاور ثلاثة. مخصصاً المحور الاول للعبادات، جاعلاً من الصلاة التي هي «عمود الدين اِن قبلت قبل ما سواها وان ردت ردّ ما سواها » مدار محور العبادات وقلبه.‏
ولاَن «لا صلاة اِلاّ بطهور» فاِن هيكلية البحث تستدعيني وصولاً الى الصلاة أن أبدأ ـ بعد حوارية التقليد طبعاً ـ بما يسلب طهارة الجسد من «نجاسات» على اختلافها، ثم أثنّي فاذكر ما يعيد للجسد نقاءه من «مطهرات» على اختلافها كذلك، حتى اِذا انتهيت من ذلك كله ووصلت اِلى الصلاة وصلتها كما ينبغي أن يكون عليه الواصل، الواقف بين يدي ربَّه متطهراً، نقيّاً مخلصاً.‏
معرجاً بعد الصلاة على ما يتطلب مثلها النقاء والطهارة كالصوم والحج.‏
ثمّ ثنيت فخصصت المحور الثاني للمعاملات المالية من بيع وشراء ووكالة واِجارة وشركة وغيرها.‏
ثم عدت فخصصت المحور الثالث لاَحوال الانسان الخاصة من زواج وطلاق ونذر وعهد ويمين وغيرها.‏
مردفاً اِيّاها بحواريّة الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مختتماً البحث كله بحواريتين عامتين منوّعتين.‏
وطبقاً لهذه الخطّة فسينتظم الموضوعات التسلسل التالي:‏
حوارية التقليد، حواريّة النجاسة، حوارية الطهارة، حواريّة الجنابة، حواريّة الحيض، حواريّة النفاس، حواريّة الاستحاضة، حواريّة الموت، حواريّة الوضوء، حواريّة الغسل، حواريّة التيمم، حواريّة الجبيرة، حواريّة الصلاة، حواريّة الصلاة الثانية، حواريّة الصوم، حواريّة الحج، حواريّة الزكاة، حواريّة الخمس، حواريّة التجارة وما يلحق بها، حواريّة الذباحة والصيد، حواريّة الزواج، حواريّة الطلاق، حواريّة النذر والعهد واليمين، حواريّة الوصية، حواريّة الاِرث، حواريّة الوقف، حواريّة الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم الحواريتان العامّتان المنوّعتان.‏
وقد حظيت (هذه النسخة) بمراجعة وافية من قبل مكتب سماحة آية الله العظمى السيّد على الحسيني السيستاني (مدّ ظله الوارف) في النجف الاَشرف للتأكد من مطابقتها لفتاوى سماحته، وقد اجرى عليها المكتب التصحيحات اللازمة لتصبح هذه النسخة بعدها مطابقة لفتاوى سماحته (مدّ ظله) تماماً.‏
راجياً أن أكون قد حقّقت ما عزمت عليه، شاكراً بامتنان من اعانني على ما نهضت به، خاصاً بالذكر الجميل مكتب سماحة سيدنا في النجف الاَشرف لما بذله من جهدٍ في تدقيق هذه النسخة، سائلاً الله عزّ وجلّ أن يجعلني ممن (أُوتِىَ كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه) وان يجعل عملي خالصاً له وحده (‏يوم لا ينفع مال ولا بنون * اِلاّ من أتى الله بقلبٍ سليم) (ربنا لا تؤاخذنا اِن نسينا أو أخطأنا) (غفرانك ربّنا واليك المصير).‏



والحمد لله رب العالمين
المؤلّف

اِضاءة:‏ الاَحكام الشرعيّة الموضوعة بين قوسين معقوفتين [ ] هي احتياطات وجوبيّة، أنت مخيَّر بين أن تعمل بها، أو أن تقلّد فيها مجتهداً آخر، مع مراعاة الاَعلم فالاَعلم
تـوطـئـة


ها أنذا اليوم أكملت السنة الخامسة عشرة من عمري، لم أدرك حين أفقت من نومي صبيحته أن يومي هذا سيكون مسكوناً بالدهشة، والمفاجأة، والترقّب، والزهو، والانبهار. ممهوراً بالمتعة، والشغف، والمحبة ولذة الاكتشاف، يوماً سينقلني من مرحلة سلفت ويضعني على أعقاب مرحلة أخرى بدأت.‏
‎‎‎‎‎‎‎‎‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏استيقظت مبكراً كعادتي كل يوم، وما أن أنهيت واجباتي اليومية المعتادة ـ تلك التي تفصل بين يقظتي وجلوسي اِلى مائدةِ الافطار الصباحية ـ حتى أبصرت على وجه أبي شيئاً ما مختلفاً عما كنت آلفه منه كل يوم، شيئاً ما جعلني اُخمن أن أمراً يخصّني بات يراوده ويشغله، ويستأثر باهتمامه.‏
فالعينان المفتوحتان أكثر من المعتاد، كما لو كانتا تحدقان في الفراغ، والشفتان المضمومتان الملمومتان بعض الشيء كما لو كانتا تتهيآن لقولٍ مثير تهمُّ أن تفضي الشفة به ثم تمسك، والاَصابع التي تنقر بانتظام وتتابع نقرات وقورة على مائدةِ الافطار: تنبئ بأن القلب ممتلئ َ بعصارة أمر هام، ويوشك لفرض امتلائه أن يفيض.‏
وما أن جلست قبالته على الطرف الثاني من المائدة حتى بادرني، وفي عينيه فرح رزين مكتوم قائلاً:‏
ـ اليوم يا بني ودّعت مرحلة سلفت من عمرك، واستقبلت مرحلة جديدة بدأت...‏‏ اليوم أصبحت في نظر المشرع الاِسلامي رجلاً تام الاَهلية لان تكلَّف...‏ اليوم مَنّ الله عليك فخاطبك بالتكليف، وتلطّف فأمرك ونهاك.‏
وأضاف أبي:‏
ـ كنت حتى البارحة في نظر المشرّع الاِسلامي طفلاً لم تبلغ بعد مرحلة الرجال فتركك وشأنك أمّا اليوم فقد تغيّر كلّ شيء.. أنت اليوم رجل كالرجال، معتَرَف لك بالرجولة والاَهليّة التامّة للخطاب، وحين بلغ بك النضج هذه المرحلة، وأسلمك اليها، منَّ الله عليك فخاطبك بأمره ونهيه.‏

عفواً لم افهم قصدك كيف يمنّ الله عليّ فيأمرني؟ أيكون الامر مِنَّة؟ كيف يكون ذلك؟
ـ دعني أوضح لك الاَمر بمثال حتى تعرف كيف يكون أمره لك مِنَّة عليك... أنت الاَن طالب في المدرسة، تقف مع زملاءٍ لك طلاب، بينكم الذكي، والمواظب، والمجدّ، والملتزم، والواعي، وبينكم غيرهم، تقفون مستعدّين لامرٍ مّا جديد سيفجؤكم، تقفون ويمرّ السيد المدير يستعرضكم، وما أن تلتقي عيناه بعينيك حتى يتريّث، ويتطلّع اِليك برضى أول الامر، ثم يزفّ اِليك ـ مبتسماً ‌ـ بشرى انتقالك لمرحلةٍ طالما حلمت بها، معترفاً لك من خلال ذلك باهليتك التامّة لمرحلتك الجديدة، متوجهاً اِليك مميّزاً لك من بين زملائك، بأمر ما ينمُّ عن اعتراف بأهليتك.‏
‏ ألا تشعر يؤمئذٍ باعتزاز من نوع خاص لاَمره، وحبّ لما أمرك به، مشوب بالاعتداد، والثقة بالنفس، لتوجيهه الخطاب اِليك دون غيرك من أقرانك، متبوع بسعي حثيث لتنفيذ ما أمرك به..‏
كل ذلك والاَمر مدير مدرستك، فكيف سيكون شعورك لو كان الاَمر هو السيد المدير العام؟! بل كيف سيكون الحال لو كان الاَمر هو السيد المفتش العام؟!
كيف سيكون شعورك لو كان الاَمر...‏
‏ ‎‎واستمرّ أبي يرتقي بالاَمر المخاطب رتبة رتبة، ومع كل رتبة يرتقيها يتجلّى لي أكثر فأكثر شيء ما كان خافياً عليَّ من قبل.. كما لو أني أفقت للتوِّ من سباتٍ عميق.‏
‏ وما أن وصل أبي اِلى أمر الله عزّ وجلّ وخطابه اِليَّ، وتكليفه اِيايَ حتى صعقت.‏
‏ الله يخاطبني أنا... يأمرني أنا.. أنا.‏
‏ ـ نعم يا بني.. الله يخاطبك أنت.. أنت ابن خمس عشرة سنة.. ويكلفك أنت.. أنت ابن خمس عشرة سنة.. ويأمرك أنت.. وينهاك أنت.‏
‏ أوَ أستحق أنا كل هذا التكريم.. خالق الخلق كلهم يشرِّفني فيكلّفني، جبار السموات والاَرض يتلطّف فيأمرني وينهاني.. ما أحلى يومي هذا، وما أجمل سنتي هذه.. ما أبهى الرّجولة.‏
‏ ـ عليك يا بني أن تطيع ما أمرك به خالقك فشرفك به.‏
‏ بل سأسعى بشغف عاشقٍ اِلى تطبيق تكاليفه واحكامه الحبيبة، ولكن.‏
ولكن ماذا...؟
ولكن ما هي هذه التكاليف التي كلّفني بها؟ وما هي احكامه التي وجّهها اِليّ ؟
ـ الاحكام الشّرعية على خمسة أنحاء.. واجبات ومحرمات ومستحبّات ومكروهات ومباحات.‏
‏ وما هي الواجبات؟ وما هي المحرمات؟ وما هي المستحبّات؟ والمكروهات؟ والمباحات؟
ـ كلُّ ما تحتّم عليك فعله فهو من الواجبات كالصلاة والصوم، والحجّ، والزكاة، والخمس، والاَمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، وغيرها كثير.‏
‏ وكل ما تحتّم عليك تركه فهو من المحرمات كشرب الخمر، والزّنا، والسرقة، والتبذير، والكذب، وغيرها كثير.‏
‏ وكل ما حسن فعله من دون اِلزام وتثاب عليه ان كان بقصد القربة فهو من المستحبّات، كالصدقة على الفقير، والنّظافة، وحسن الخلق، وقضاء حاجة المؤمن المحتاج، وصلاة الجماعة، واستعمال الطيب، وغيرها كثير.‏
‏ وكل ما حسن تركه والابتعاد والنأي عنه من دون الزام وتثاب على تركه ان كان بقصد القربة فهو من المكروهات، كتأخير زواج الرجل والمرأة، والغلاء في المهر، ورد طلب المؤمن المحتاج اِلى القرض مع القدرة عليه، وغيرها كثير.‏
‏ أمّا ما تركت لك حريّة الاختيار فيه، أن تفعله أو تتركه فهو من المباحات كالاَكل، والشرب، والنوم، والجلوسِ، والسفر، والسياحة، وغيرها كثير.‏
‏ وأنّى لي أن افرز الواجبات عن المستحبات، والمحرّمات عن المكروهات. كيف أعرف أن هذا واجب فافعله واُؤدّيه وألتزم به، وهذا حرام فأجتنبه وأدعه وأتركه وأنأى عنه. كيف أعرف أن...‏
قاطعني أبي مبتسماً، ثم نظر اِليَّ نظرة رحمة واِشفاق وهَمَّ أن يقول شيئاً اِلاّ أنّه أعرض عنه مؤثراً التريث، ثمّ انكفأ فَغَاصَ في تأمّل عميق.‏
‏ وساد لوهلةٍ صمتٌ عميق كثيف كالفراغ لم استطع أن اُخمِّن خلاله ما دار في رأس أبي، غير أنّي كنت أرقب سحابة داكنة معتمة تمرُّ متأنّيةً على جبهته ثمّ تتشطّر فتغطّي بقيّة قسمات وجهه وصولاً اِلى شفتيه اللّتين انفرجتا عن صوت ضعيف، فيه من الرّقِة والعطف الشيء الكثير.‏
‏ ـ ستميّز الواجبات عن المحرّمات، والمستحبّات من المكروهات اِذا استعرضت كتب علم (الفقه الاِسلامي). وستجد أن لبعضها أركاناً وأجزاء وشرائط، ولبعضها حركات خاصّة يجب أن تؤدّى بها، ولبعضها خصوصيات لا يمكن أن تحيد عنها، ولبعضها.. ولبعضها..‏
‏ راجع كتب الفقه الاسلامي وستجد فيها ضالّتك.. ثمّ ستكشف بعد ذلك أنّه علم واسع، غزير، كتبت فيه مئات المجلّدات، وأشبع العلماء مسائله بحثاً، وتمحيصاً، بعمق قلَّ نظيره في علوم اِنسانية أخرى.‏
‏ وهل يجب عليَّ أن ألمَّ بكل هذه الكتب لاَعرف ما يجب عليَّ أن أفعله ؟‏
‏ ـ بل يكفيك أن تراجع أخصرها وأيسرها على الفهم، وستجد أنّها قُسِّمت اِلى قسمين:‏
قسم خاص بالعبادات، وقسم خاص بالمعاملات.‏
‏ وما العبادات؟ وما المعاملات؟
ـ تمهَّل قليلاً، وراجع كتب الفقه الاِسلامي، وستعرف تدريجياً ما أنت الاَن بصدد معرفته.‏

‏ * * *

‏ ورحت أعدو اِلى المكتبة، علّني أعثرُ على كتب الفقه الاِسلامي هذه.. أعدو ويعدو شوقي وحاجتي. وما أن وقعت عيناي عليها حتى أسرتني فرحة غامرة، هزّت كياني كلّه هزّاً عنيفاً، أو هكذا خيّل اِليَّ.‏
‏ ها هي ذي كتب الفقه الاِسلامي، لقد وصلت أخيراً اِلى غايتي..‏
‏ سأقرؤها، وسأجد فيها اِجابات شافية عن أسئلتي.... وسأستريح.‏
‏ وعدت اِلى غرفتي لهفان مسرعاً، مزهواً بما أنجزت، فتحت الباب على عجل، ودخلت الغرفة على عجل، وفتحت كتابي على عجل. وما أن بدأت أقرأ حتى ارتسمت على ملامحي خطوط من غرابة متوحشة أول الاَمر، سرعان ما تحوَّلت اِلى دهشة مكتومة، ثم استقرّت متخذة شكل وجع حارق متوهّج مؤلم.‏
‏ لقد وجدت نفسي أقرأ كثيراً، ولا أفهم شيئاً ذا بال مما قرأت.‏
‏ ترى كيف لي أن اُعالج حيرتي، وحيرتي من نوعٍ خاص غير مألوف.‏
‏ وكابرت، قلت: فلاَواصل القراءة، ومحاولة الفهم، واِعادة القراءة. واِعادة محاولة الفهم، علّني أستفيد.‏
‏ ومرّ الوقت ثقيلاً، بطيئاً، متأنّياً، كان صدري يرزح خلاله تحت ثقل ضاغط، جاثم، لا ينفك يطاردني، ويضيِّق خناقه عليَّ، وبينَ يدي الكتاب وأنا أتلو، ثم أتلو، ثمّ اُعيد تلاوة ما تلوت، ولا أفهم شيئاً.‏
‏ وبدأت سحب الخيبة تتجمّع حولي شيئاً فشيئاً، ثم راحت تتحوّل تدريجياً اِلى ما يشبه سحابة من حزن شفيف تطلع بين عيني.‏
‏ لقد قرأت كثيراً، وعليَّ أن أعترف أنني لم أفهم شيئاً ذا بال مما قرأت.‏
‏ لقد وجدت نفسي أمام كلمات لم تطرق سمعي من قبل.. فلم أعرف ماذا تعني كلمات «النصاب، والبيّنة، والمؤنة، والاَرش، والمسافة الملفّقة، والحول، والدرهم البغلي، والاَبق، والذمّيّ».‏
‏ كما أخذت تتقافز أمام عيني مفردات وتركيبات يبدو أنّها مصطلحات خاصة بعلم لم يسبق لي دراسته، فلم أدر ما المقصود بـ «العلم الاِجمالي، والشبهة المحصورة، والحكم التكليفي، والحكم الوضعي، والشبهة الموضوعة، والاَحوط لزوماً، والتجزّي في الاجتهاد والصدق العرفي، والمناط، والمشقّة النوعيّة».‏
‏ وقرأت بعد ذلك جملاً مسبوكة سبكاً خاصاً، لم أعتده من قبل، وجملاً عالجت قضايا لا وجود لها في حياتي المعاشة اليوم، لا أدري لماذا ذكرت؛ وجملاً فيها من التشقيق والتفريع والعمق والتشطير الدقيق للاحتمالات، تركتني في حيرة من أمرها.‏
‏ فلم أفهم ماذا تعني ـ مثلاً ـ جملة: «اِذا علم البلوغ والتعلق ولم يعلم السابق منهما لم تجب الزكاة، سواءٌ علم تاريخ التعلّق وجهل تاريخ البلوغ، أم علم تاريخ البلوغ وجهل تاريخ التعلّق أو جهل التاريخان، وكذا الحكم في المجنون اِذا كان جنونه سابقاً وطرأ العقل، أمّا اِذا كان عقله سابقاً وطرأ الجنون، فاِن علم تاريخ التعلّق وجبت الزكاة دون بقيّة الصور».‏
‏ ولا جملة: «الظن بالركعات كاليقين، أما الظن بالافعال فكونه كذلك محل اِشكال، فالاَحوط فيما اِذا ظنّ بفعل الجزء في المحل أن يمضي ويعيد الصلاة، وفيما اِذا ظن بعدم الفعل بعد تجاوز المحل أن يرجع ويتداركه ويعيد أيضاً».‏
‏ ولا جملة: «الاَقوى أن التيمّم رافع للحدث رفعاً ناقصاً لا يجزي مع الاختيار، لكن لا تجب فيه نيّة الرفع ولا نيّة الاستباحة للصلاة مثلاً».‏
‏ ولم اعِ المقصود بـ «اِذا توضّا في حال ضيق الوقت عن الوضوء، فاِن قصد أمر الصلاة الاَدائي بطل، واِن قصد أمر غاية أخرى ـ ولو الكون على الطهارة ـ صحّ».‏
‏ ولا بجملة: «يكفي في استمرار القصد بقاء قصد نوع السفر، واِن عدل عن الشخص الخاص».‏
‏ ولا بجملة: «فلو أحدث بالاَصغر أثناء الغسل أتمَّه وتوضّأ، ولكن لا يترك الاحتياط بالاستئناف بقصد ما عليه من التمام أو الاِتمام، ويتوضّأ».‏
‏ ولا بجملة: «مناط الجهر والاخفات الصدق العرفي».‏
‏ وغيرها كثير مما وقعت عيناي عليه، ولم أدرك كنهه.‏
‏ ودارت الدّنيا في عيني.. ثمّ دارت دورة ثانية.‏
ترى: كيف يتسنّى لي أن أعرف حلال الله فآتي به؟ وحرام الله فأجتنبه؟
ورفعت رأسي اِلى السماء، وفي عيني نثيث من عصارة دمع محترق، وتمتمت.‏
‏ اِلهي! أعلم أنك كلّفتني، ولكني لا أعلم بماذا كلّفتني..‏
‏ اِلهي! أنّي لي أن أعرف ما طلبت مني، لاَنجز ما طلبت مني.‏
‏ اللهم أعنِّي على فهم ما أقرأ.‏
‏ اللهم أعن كتب الفقه على الاِفصاح عما تريد قوله، لاَحقِّق ما تريد قوله.‏


‏ * * * * *



‏ وانتظرت أبي على المائدة الليلية مساء اليوم..‏
‎ ‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎وحين حل المساء بدت عيوني متعبة، قلقة، منكسرة الاَجفان أول الاَمر.‏ ثم ما لبثت أن أخذت تومض ببريق كالفضّة امتزج فيه الاَسى بالاصرار على التحدّي.‏
وما أن انتظمت بنا المائدة، وحضر أبي حتى أخذ قلبي يدقّ، وتورّدت وجنتاي، وارتفعت درجة حرارة اُذنيّ كأنّ حُمّي مفاجئة اشعلتهما، وداهمني شعور بالحرج، والخجل، والحيرة، والارتباك، والتردّد، وأنا اُعيد في ذاكرتي وأردد كلمات وجملاً توحي بالعجز عن استيعاب مادة مقروءة.‏
‏ واستنجدت بشجاعتي وبعزمي على الاعتراف بالنقص، وقلت لاَبي:‏‏
لقد راجعت كتب الفقه فاستعصت عليّ، وأبت أن تفتح لي قلبها.. ‏
وما كدت أنهي حرفي الاَخير من كلمتي الاَخيرة، حتى شردت عينا أبي، وغارتا ـ كما يبدو ـ في مستنقع من الماضي عميق، ثم عادتا بعد برهة كمن يعود من سفر شاقٍ ممضّ طويل، ودارتا حول عيني كأنّهما تريدان أن تقولا شيئاً، غير أن شفتيه انفرجتا عن صوت خافت مشوب بحزنٍ عميق:‏
لقد مررت بتجربة شبيهة بتجربتك، عندما كنت في حدود سِنّك.‏
‏ لقد قرأت كتب الفقه فلم أفهم منها شيئاً ذا بال، مثلك تماماً.. غير أنّي لم أمتلك شجاعتك فأعترف بعجزي عن فهمها.‏
‏ لقد حالت تربيتي المحافظة، وحَجَزَ حيائي الشديد، بيني وبين سؤال أبي عن بعض خصوصيات مرحلة المراهقة ثمّ الرجولة، فلم أَكُن أُدرك أن البلوغ قد يتحقق بغير العمر الزمني المحدّد له، اِلى أن.. وقاطعت أبي:‏‏
وهل يتحقّق البلوغ بغير ذلك؟
ـ نعم يا بني، يتحقق البلوغ في الذكر اِذا توفّرت احدى علامات ثلاث: ـ
أوّلها: أن ينهي خمس عشرة سنة قمريّة من عمره.‏
‏ ثانيها: أن يخرج السائل المنوي منه سواء خرج باتِّصال جنسي أم باحتلام، أم بغيرهما.‏
‏ ثالثها: أن ينبت الشعر الخشن على العانة، أقول الشعر الخشن المشابه لشعر الرأس لاَستثني بذلك الشعر الناعم الذي يغطّي ـ عادة ـ أكثر مناطق الجسم كاليدين مثلاً.‏
‏ والعانة ؟
ـ العانة: منطقة تقع أسفل البطن فوق نقطة اتّصال العضو التناسلي بجدار البطن مباشرة.‏
‏ هذه علامات البلوغ للذكر ، أمّا الانثى؟
ـ يتحقق البلوغ في الانثى اِذا أنْهَت تسع سنين قمرية من عمرها.‏
‏ أما وقد أفصحت لك اليوم عن قصوري، وتلكئي، وعجزي عن استيعاب كتب الفقه، فاسمح لي أن أقترح عليك ـ تحت ضغط الحاجة ـ أن تعقد لي جلسات تتناول فيها بالشرح والتبسيط كل ما عسر عليَّ فهمه، مما يتوجَّب عليَّ فهمه والاحاطة به واستبيانه، لتطبيق حكمي الشرعي، صحيحاً كما شرعه الله سبحانه وتعالى لي، وأمرني به.‏
‏ ويا حبّذا لو كانت جلساتنا تنهج نهج الحوار والمساءلة.‏
‏ ـ كما تحب.‏
‏ ولكن بماذا سنبدأ حواريّتنا الاولى؟
ـ سنبدؤها بـ «التقليد» فهو الاَساس الذي سيحدّد لنا شكل تقاطيع وملامح ما سنطبِّقه من فقهنا.‏
‏ اتفقنا.‏


‏ * * * * *



«حِواريّة التقليد»



قال أبي ـ وهو يبدأ حواريّة التقليد: ـ‏
ـ دعني أشرح لك أوّلاً معنى التقليد.‏
‏ التقليد: أن ترجع اِلى فقيه لتطبق فتواه، فتفعل ما انتهى رأيه اِلى فعله، وتترك ما انتهى رأيه اِلى تركه، من دون تفكير، واِعادة نظر، وتمحيص، فكأنّك وضعت عملك في رقبته «كالقلادة» محمّلاً اياه مسؤولية عملك أمام الله.‏
‏ ولماذا نقلِّد؟
ـ عرفتَ فيما مضى أن الشارع المقدس قد أمرك، ونهاك.. أمرك بواجبات يتحتّم عليك أن تؤدّيها، ونهاك عن محرّمات يتحتّم عليك أن تمتنع عنها، ولكن بماذا أمرك، وعن ماذا نهاك؟ بعض ما أمرك به واضح في الشريعة تستطيع ـ ربّما ـ من خلال ما ربّتك عليه بيئتك الملتزمة أن تشخّصه، وبعض ما نهاك عنه واضح كذلك تستطيع ـ ربّما ـ من خلال تنشئتك المحافظة أن تميّزه. والكثير الكثير ما بين هذه وتلك من الواجبات والمحرّمات، ستبقى مجهولة لك وللكثيرين من أمثالك غائبةً أو غائمة.‏
‏ أضاف أبي: ‏
‏ ـ أنت تعرف أن الشريعة الاسلامية قد ألمَّت بجميع جوانب حياتك المختلفة، فوضعت لكل واقعة منها حكماً، فكيف ستعرف حكمك الشرعي وأنت تمارس نشاطاتك الحياتية المختلفة، كيف ستعرف أن هذا الفعل يحلّه الشارع المقدَّس فتباشره، وان هذا العمل يحرمه الشارع المقدّس فتنأَى عنه وتجانبه.‏
‏ ترى هل يمكنك أن ترجع في كل صغيرة وكبيرة اِلى الاَدلّة الشرعيّة لتستخرج منها حكمك الشرعي؟
ولم لا!!‏
ـ لقد بعدت الشقة يا بني بين عصرك، وعصر التشريع، وقد أضفى هذا البعد؛ مع ضياع كثير من النصوص الشرعيّة، وتغير لغة وأساليب وأنماط التعبير، ووجود الوضّاعين ـ الذين اختلقوا أحاديث كثيرة وسربوها مع أحاديثنا المعتبرة ـ صعوبات ومعوقات عسَّرت عمليّة استخراج الحكم الشرعي.‏
‏ ثم اضافت مشكلة وثاقة ناقلي الروايات لذلك عقدةً أخرى في طريق الساعين لاستخراج الحكم الشرعي.‏
‏ ثمّ لنفترض أنّك استطعت أن تتحقّق بشكل ما من وثاقة رواة النصّ وصدقهم، ودقّتهم فيما ينقلون، وضبطهم؛ وأنّك استطعت أن تختزل الزمن لتضبط نبض اِيقاع المفردات في دلالتها على معانيها، فهل ستستطيع أن تهضم علماً عميقاً، واسعاً، متشعّباً يحتاج اِلي مقدّمات طويلة، وسبر أغوار عميقة، لتحصل منه بعد ذلك على ما أنت بصدد معرفته، والبحث عنه واستيبانه.‏
‏ وكيف العمل اِذاً..؟‏
ـ ترجع اِلى المتخصّصين في هذا العلم أي (الفقهاء)، فتأخذ أحكامك منهم.‏. «تقلّدهم». ليس هذا في مجال علم الفقه فقط، بل في كل علم. لقد أفرزت الحضارة الحديثة مبدأ التخصّص في العلوم، حيث أصبح لكل علم رجاله ومتخصّصوه يُرجع اليهم كلّما طرأت حاجة ما لشأنٍ من شؤون ذلك العلم.‏
واستطرد أبي قائلاً:‏‏
ـ لنأخذ مثلاً لذلك من علم الطب.. فلو مرضت ـ عافاك الله ـ فماذا ستفعل؟
أراجع الطبيب، وأعرض عليه حالتي المرضيّة ليشخّص المرض وليصف لي الدواء المناسب بعد ذلك.‏
‏ ـ ولماذا لا تشخِّص أنت بنفسك مرضك وتصف الدواء؟
لست طبيباً.‏
‏ ـ كذلك الحال في علم الفقه. أنت محتاج اِلى مراجعة الفقيه المتخصِّص لمعرفة أمر الله ونهيه، أو لعرض مشكلتك الشرعية عليه، كاحتياجك اِلى مراجعة الطبيب المتخصِّص، لمعرفة أمرٍ طبّي ما، أو لعرض حالتك المرضية عليه.‏
‏ فكما أنّك محتاج اِلى «تقليد» الطبيب في مجال اختصاصه، أنتَ محتاج اِلى «تقليد» الفقيه في مجال اختصاصه.‏
‏ وكما أنّك ستبحث عن طبيب فاضل، عالم في مجال اختصاصه ولا سيّما اِذا كان مرضك خطيراً، فأنت ملزم بالبحث عن فقيه بارع في مجال اختصاصه «لتقلّده» وتأخذ منه حكمك الشرعي كلّما استدعتك الظروف المعاشة لاستيضاح حكم شرعي ما، فيها.‏
‏ وكيف أعرف أن هذا الرجل فقيه؟ أو أنّه أعلم الفقهاء وأفضلهم؟
قال أبي مجيباً:‏‏
ـ دعني أسألك.. كيف تعرف أن هذا الطبيب فاضل أو أنّه أفضل الاَطبّاء في مجال اختصاصه لتراجعه، وتسلّمه جسدك، يفعل به ما يراه مناسباً لعلاجه؟
قلت له:‏‏
أعرف ذلك من سؤال المهتمّين بشؤون الطب، العارفين به، ممَّن لهم علم، ومعرفة، ودراية، و«خبرة» وتجربة فيه، أو أعرفه لشهرته بين الناس و«شيوع» وانتشار وذيوع اسمه في هذا الحقل العلمي.‏
‏ ـ بالضبط.. وكذلك تعرف الفقيه، أو الفقيه الاَعلم.‏
‏ تسأل شخصاً ملتزماً بالواجبات، وتاركاً للمحرّمات، ثقةً، تتوفّر فيه القدرة، والمعرفة، والعلم والعدالة و«الخبرة» على تمييز المستوي العلمي للاَشخاص في مجال الاختصاص.‏
‏ أو «يشيع» ويشتهر ويذيع بين الناس، فقاهة شخص، أو أعلميته بين سائر الفقهاء، بحيث تجعلك تلك الشهرة الواسعة وذلك الذيوع والانتشار، و«الشيوع» متأكداً وواثقاً من فقاهته أو أعلميّته.‏
‏ وهل هناك شروط اُخرى فيمن يجب علينا تقليده، بعد أن نبلغ مبلغ الرجال، عدا شرط الفقاهة؟
ـ أن يكون مقلَّدك: رجلاً، بالغاً، عاقلاً، مؤمناً، عادلاً، حيّاً غير ميّت، طاهر المولد ـ أي أن تكون ولادته قد تمّت وفق مقاييس وضوابط شرعيّة ـ وألاّ يكون كثير الخطأ والنسيان والغفلة.‏
‏ حسناً ها أنذا ذا قد بلغت مبلغ الرجال، وقد عرفت منك شيئاً عن التقليد فماذا يجب عليَّ ان أفعل الاَن؟
ـ تقلّد أعلم فقهاء عصرك، وتعمل بما يفتي به في شؤونك المختلفة.. في أحكام وضوئك ـ مثلاً ـ وغسلك، وتيمّمك، وصلاتك، وصومك، وحجّك، وخمسك، وزكاتك، وغيرها. كما تقلّده في معاملاتك.. في أحكام بيعك ـ مثلاً ـ وشرائك، وحوالتك، وزواجك، وزراعتك، واِجارتك، ورهنك، ووصيتك، وهبتك، ووقفك و.. و..
‏ ورحت أعدد مع أبي.‏.
وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وايمانك بالله، وانبيائه ورسله و..‏
ـ كلا.. الايمان بالله وتوحيده، ونبوّة نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) واِمامة الاَئمّة الاِثنى عشر (عليهم السلام)، والمعاد.. هذه أمور لا يجوز التقليد فيها فهي من أصول الدين، ولا يجوز التقليد في اُصول الدين بل يجب أن يعتقد كل مسلم بها اعتقاداً جازماً لا شك فيه، ولا شبهة ولا ضبابيّة ولا التواء، واصلاً اِلى ايمان قاطع بالله، باحثاً عنه بجهوده، مسخّراً ما منحه الله من طاقات فكريّة فيه منتهياً من خلال ذلك كله اِلى قناعة تامّة راسخة لا تتزعزع به..‏
‏ طيب.. الا يحق لي أن أقلّد فقيهاً مع وجود فقيه أعلم منه في مجال اختصاصه؟
ـ يمكنك ذلك شرط أن لا تعلم بوجود اختلاف بين فتاوى مقلَّدك وفتاوى الاَعلم في مسائلك التي تحتاجها لتعمل بها.‏
‏ لو قلّدت الاَعلم، ولم تكن له فتوى في مسألة ما تخصّني؟ أو كانت له فتوى ولم يسعني استعلامها؟
ـ ترجع اِلى الاَعلم من بعده أي من يتلوه في العلم من الفقهاء.‏
‏ واذا كان الباقون متساوين في العلم فماذا افعل؟‏
‏ ـ ترجع اِلى من كان أورع من غيره، أي أكثر تثبتاً وحيطة في الرأي الذي يتخذه والفتوى التي يصدرها.‏
‏ واذا لم يكن بعضهم أورع من بعض؟
ـ يمكنك أن تطبق عملك على فتوى أيٌّ منهم اِلاّ في بعض الحالات المعينة حيث يجب فيها ان تعمل بالاحتياط ولا يسعني في هذا المقام أن اشرحها لك.‏
‏ حسناً.. أستطيع حين أراجع الطبيب أن أعرف رأيه في حالتي الصحّية لو استدعت صحّتي مراجعته فكيف أستطيع أن أعرف فتوى مقلَّدي في مسائلي الشرعية؟ كيف أصل اِلى فتاواه لاَطبِّقها؟ هل اُراجعه في كل مسألة؟
ـ تستطيع معرفة فتاواه.. بسؤاله مباشرة عنها، أو بسؤال من تثق بنقله ومعرفته وأمانته في نقل تلك الفتاوى، أو بمراجعة كتبه الفقهية كرسالته العملية مع الاطمئنان بصحّتها.‏
‏ اِذاً اطلب منك وانت الثقة الامين أن تعينني على معرفة فتاوى مقلّدي.‏
‏ ابتسم أبي بوقار رزين، واعتدل في جلسته بينما راحت عيناه توميَ بوميض موعد جلسة قادمة.‏
‏ قلت: نبدأ بالصلاة.‏
‏ ـ قال: نبدأ بالصلاة.‏
‏ وأضاف:‏‏
ـ غير أن الصلاة تتطلّب طهارة الانسان من كل ما يدنِّس طهارته.‏
‏ وما الّذي يدنِّس طهارة الانسان؟
ـ تدنس طهارة الانسان:‏‏
‏ ‎‏‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‎‎‎‎‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ 1 ـ ‏‏ اُمور مادية تقع في نطاق عمل الحواس كالنجاسات.‏
‏ ‏ 2 ـ واُمور معنويّة غير مدركة بالحواس لو «حدثت» بأحد أسبابها من جنابة أو حيض أو استحاضة أو نفاس أو مسِّ ميّت أو نوم أو خروج بول أو غائط أو ريح، للزم ازالتها بالوضوء أو الغسل أو التيمم.‏
‏ وتستدعينا هيكليّة البحث وصولاً اِلى الصلاة أن نبدأ حوارنا «بالنجاسات»، فنتعرّف عليها أوّلاً، ثم نتعرّف بعد ذلك على «مطهراتها»، لنضمن طهارة الجسد من كل ما يسلب طهارته، ويخدش نقاءه.‏
‏ ثم نثنّي فنتحاور بما لو «حدث» لوجب «غسله بالوضوء» أو «مسحه بالتيمّم» سواء أحدث من بول أم غائط أم ريح أم نوم أم استحاضة قليلة أم غيرها.‏
‏ ونستأنف، فنتجاذب أطراف الحديث بما لو «حدث» لوجب «غسله بالغسل» أو «مسحه بالتيمّم» سواء أحدث من جنابة أم حيض أم استحاضة أم نفاس أم مسّ ميّت.‏
‏ رافعين من طريقنا كل ما يعترض أو يعيق فرصة التقرّب لله عزّ وجلّ بالصلاة، فائزين بعد ذلك بلذّة الوقوف بين يديه مكبّرين مهلّلين حامدين موحّدين منعّمين بولع ذكره ودعائه راجين أن يجعلنا ممّن ترسَّخت اشجار الشوق اِليه في حدائق صدورهم، وأخذت لوعة محبّته بمجامع قلوبهم.‏
‏ متناولين بعد الصلاة ما يتطلّب مثلها الطهارة كالصوم والحج وغيرها.‏
‏ اذن سنبدأ بالنجاسات أولاً؟.‏
ـ نعم سنبدأ بها اولاً يوم غدٍ ان شاء الله.‏
‏ ان شاء الله.‏


* * * * *

المصدر .... منتديات شبكة الدهر

الطاهرة
28-10-2010, 18:48
والحمد لله رب العالمين
المؤلّف

اِضاءة:‏ الاَحكام الشرعيّة الموضوعة بين قوسين معقوفتين [ ] هي احتياطات وجوبيّة، أنت مخيَّر بين أن تعمل بها، أو أن تقلّد فيها مجتهداً آخر، مع مراعاة الاَعلم فالاَعلم
تـوطـئـة


ها أنذا اليوم أكملت السنة الخامسة عشرة من عمري، لم أدرك حين أفقت من نومي صبيحته أن يومي هذا سيكون مسكوناً بالدهشة، والمفاجأة، والترقّب، والزهو، والانبهار. ممهوراً بالمتعة، والشغف، والمحبة ولذة الاكتشاف، يوماً سينقلني من مرحلة سلفت ويضعني على أعقاب مرحلة أخرى بدأت.‏
‎‎‎‎‎‎‎‎‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏استيقظت مبكراً كعادتي كل يوم، وما أن أنهيت واجباتي اليومية المعتادة ـ تلك التي تفصل بين يقظتي وجلوسي اِلى مائدةِ الافطار الصباحية ـ حتى أبصرت على وجه أبي شيئاً ما مختلفاً عما كنت آلفه منه كل يوم، شيئاً ما جعلني اُخمن أن أمراً يخصّني بات يراوده ويشغله، ويستأثر باهتمامه.‏
فالعينان المفتوحتان أكثر من المعتاد، كما لو كانتا تحدقان في الفراغ، والشفتان المضمومتان الملمومتان بعض الشيء كما لو كانتا تتهيآن لقولٍ مثير تهمُّ أن تفضي الشفة به ثم تمسك، والاَصابع التي تنقر بانتظام وتتابع نقرات وقورة على مائدةِ الافطار: تنبئ بأن القلب ممتلئ َ بعصارة أمر هام، ويوشك لفرض امتلائه أن يفيض.‏
وما أن جلست قبالته على الطرف الثاني من المائدة حتى بادرني، وفي عينيه فرح رزين مكتوم قائلاً:‏
ـ اليوم يا بني ودّعت مرحلة سلفت من عمرك، واستقبلت مرحلة جديدة بدأت...‏‏ اليوم أصبحت في نظر المشرع الاِسلامي رجلاً تام الاَهلية لان تكلَّف...‏ اليوم مَنّ الله عليك فخاطبك بالتكليف، وتلطّف فأمرك ونهاك.‏
وأضاف أبي:‏
ـ كنت حتى البارحة في نظر المشرّع الاِسلامي طفلاً لم تبلغ بعد مرحلة الرجال فتركك وشأنك أمّا اليوم فقد تغيّر كلّ شيء.. أنت اليوم رجل كالرجال، معتَرَف لك بالرجولة والاَهليّة التامّة للخطاب، وحين بلغ بك النضج هذه المرحلة، وأسلمك اليها، منَّ الله عليك فخاطبك بأمره ونهيه.‏

عفواً لم افهم قصدك كيف يمنّ الله عليّ فيأمرني؟ أيكون الامر مِنَّة؟ كيف يكون ذلك؟
ـ دعني أوضح لك الاَمر بمثال حتى تعرف كيف يكون أمره لك مِنَّة عليك... أنت الاَن طالب في المدرسة، تقف مع زملاءٍ لك طلاب، بينكم الذكي، والمواظب، والمجدّ، والملتزم، والواعي، وبينكم غيرهم، تقفون مستعدّين لامرٍ مّا جديد سيفجؤكم، تقفون ويمرّ السيد المدير يستعرضكم، وما أن تلتقي عيناه بعينيك حتى يتريّث، ويتطلّع اِليك برضى أول الامر، ثم يزفّ اِليك ـ مبتسماً ‌ـ بشرى انتقالك لمرحلةٍ طالما حلمت بها، معترفاً لك من خلال ذلك باهليتك التامّة لمرحلتك الجديدة، متوجهاً اِليك مميّزاً لك من بين زملائك، بأمر ما ينمُّ عن اعتراف بأهليتك.‏
‏ ألا تشعر يؤمئذٍ باعتزاز من نوع خاص لاَمره، وحبّ لما أمرك به، مشوب بالاعتداد، والثقة بالنفس، لتوجيهه الخطاب اِليك دون غيرك من أقرانك، متبوع بسعي حثيث لتنفيذ ما أمرك به..‏
كل ذلك والاَمر مدير مدرستك، فكيف سيكون شعورك لو كان الاَمر هو السيد المدير العام؟! بل كيف سيكون الحال لو كان الاَمر هو السيد المفتش العام؟!
كيف سيكون شعورك لو كان الاَمر...‏
‏ ‎‎واستمرّ أبي يرتقي بالاَمر المخاطب رتبة رتبة، ومع كل رتبة يرتقيها يتجلّى لي أكثر فأكثر شيء ما كان خافياً عليَّ من قبل.. كما لو أني أفقت للتوِّ من سباتٍ عميق.‏
‏ وما أن وصل أبي اِلى أمر الله عزّ وجلّ وخطابه اِليَّ، وتكليفه اِيايَ حتى صعقت.‏
‏ الله يخاطبني أنا... يأمرني أنا.. أنا.‏
‏ ـ نعم يا بني.. الله يخاطبك أنت.. أنت ابن خمس عشرة سنة.. ويكلفك أنت.. أنت ابن خمس عشرة سنة.. ويأمرك أنت.. وينهاك أنت.‏
‏ أوَ أستحق أنا كل هذا التكريم.. خالق الخلق كلهم يشرِّفني فيكلّفني، جبار السموات والاَرض يتلطّف فيأمرني وينهاني.. ما أحلى يومي هذا، وما أجمل سنتي هذه.. ما أبهى الرّجولة.‏
‏ ـ عليك يا بني أن تطيع ما أمرك به خالقك فشرفك به.‏
‏ بل سأسعى بشغف عاشقٍ اِلى تطبيق تكاليفه واحكامه الحبيبة، ولكن.‏
ولكن ماذا...؟
ولكن ما هي هذه التكاليف التي كلّفني بها؟ وما هي احكامه التي وجّهها اِليّ ؟
ـ الاحكام الشّرعية على خمسة أنحاء.. واجبات ومحرمات ومستحبّات ومكروهات ومباحات.‏
‏ وما هي الواجبات؟ وما هي المحرمات؟ وما هي المستحبّات؟ والمكروهات؟ والمباحات؟
ـ كلُّ ما تحتّم عليك فعله فهو من الواجبات كالصلاة والصوم، والحجّ، والزكاة، والخمس، والاَمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، وغيرها كثير.‏
‏ وكل ما تحتّم عليك تركه فهو من المحرمات كشرب الخمر، والزّنا، والسرقة، والتبذير، والكذب، وغيرها كثير.‏
‏ وكل ما حسن فعله من دون اِلزام وتثاب عليه ان كان بقصد القربة فهو من المستحبّات، كالصدقة على الفقير، والنّظافة، وحسن الخلق، وقضاء حاجة المؤمن المحتاج، وصلاة الجماعة، واستعمال الطيب، وغيرها كثير.‏
‏ وكل ما حسن تركه والابتعاد والنأي عنه من دون الزام وتثاب على تركه ان كان بقصد القربة فهو من المكروهات، كتأخير زواج الرجل والمرأة، والغلاء في المهر، ورد طلب المؤمن المحتاج اِلى القرض مع القدرة عليه، وغيرها كثير.‏
‏ أمّا ما تركت لك حريّة الاختيار فيه، أن تفعله أو تتركه فهو من المباحات كالاَكل، والشرب، والنوم، والجلوسِ، والسفر، والسياحة، وغيرها كثير.‏
‏ وأنّى لي أن افرز الواجبات عن المستحبات، والمحرّمات عن المكروهات. كيف أعرف أن هذا واجب فافعله واُؤدّيه وألتزم به، وهذا حرام فأجتنبه وأدعه وأتركه وأنأى عنه. كيف أعرف أن...‏
قاطعني أبي مبتسماً، ثم نظر اِليَّ نظرة رحمة واِشفاق وهَمَّ أن يقول شيئاً اِلاّ أنّه أعرض عنه مؤثراً التريث، ثمّ انكفأ فَغَاصَ في تأمّل عميق.‏
‏ وساد لوهلةٍ صمتٌ عميق كثيف كالفراغ لم استطع أن اُخمِّن خلاله ما دار في رأس أبي، غير أنّي كنت أرقب سحابة داكنة معتمة تمرُّ متأنّيةً على جبهته ثمّ تتشطّر فتغطّي بقيّة قسمات وجهه وصولاً اِلى شفتيه اللّتين انفرجتا عن صوت ضعيف، فيه من الرّقِة والعطف الشيء الكثير.‏
‏ ـ ستميّز الواجبات عن المحرّمات، والمستحبّات من المكروهات اِذا استعرضت كتب علم (الفقه الاِسلامي). وستجد أن لبعضها أركاناً وأجزاء وشرائط، ولبعضها حركات خاصّة يجب أن تؤدّى بها، ولبعضها خصوصيات لا يمكن أن تحيد عنها، ولبعضها.. ولبعضها..‏
‏ راجع كتب الفقه الاسلامي وستجد فيها ضالّتك.. ثمّ ستكشف بعد ذلك أنّه علم واسع، غزير، كتبت فيه مئات المجلّدات، وأشبع العلماء مسائله بحثاً، وتمحيصاً، بعمق قلَّ نظيره في علوم اِنسانية أخرى.‏
‏ وهل يجب عليَّ أن ألمَّ بكل هذه الكتب لاَعرف ما يجب عليَّ أن أفعله ؟‏
‏ ـ بل يكفيك أن تراجع أخصرها وأيسرها على الفهم، وستجد أنّها قُسِّمت اِلى قسمين:‏
قسم خاص بالعبادات، وقسم خاص بالمعاملات.‏
‏ وما العبادات؟ وما المعاملات؟
ـ تمهَّل قليلاً، وراجع كتب الفقه الاِسلامي، وستعرف تدريجياً ما أنت الاَن بصدد معرفته.‏

‏ * * *

‏ ورحت أعدو اِلى المكتبة، علّني أعثرُ على كتب الفقه الاِسلامي هذه.. أعدو ويعدو شوقي وحاجتي. وما أن وقعت عيناي عليها حتى أسرتني فرحة غامرة، هزّت كياني كلّه هزّاً عنيفاً، أو هكذا خيّل اِليَّ.‏
‏ ها هي ذي كتب الفقه الاِسلامي، لقد وصلت أخيراً اِلى غايتي..‏
‏ سأقرؤها، وسأجد فيها اِجابات شافية عن أسئلتي.... وسأستريح.‏
‏ وعدت اِلى غرفتي لهفان مسرعاً، مزهواً بما أنجزت، فتحت الباب على عجل، ودخلت الغرفة على عجل، وفتحت كتابي على عجل. وما أن بدأت أقرأ حتى ارتسمت على ملامحي خطوط من غرابة متوحشة أول الاَمر، سرعان ما تحوَّلت اِلى دهشة مكتومة، ثم استقرّت متخذة شكل وجع حارق متوهّج مؤلم.‏
‏ لقد وجدت نفسي أقرأ كثيراً، ولا أفهم شيئاً ذا بال مما قرأت.‏
‏ ترى كيف لي أن اُعالج حيرتي، وحيرتي من نوعٍ خاص غير مألوف.‏
‏ وكابرت، قلت: فلاَواصل القراءة، ومحاولة الفهم، واِعادة القراءة. واِعادة محاولة الفهم، علّني أستفيد.‏
‏ ومرّ الوقت ثقيلاً، بطيئاً، متأنّياً، كان صدري يرزح خلاله تحت ثقل ضاغط، جاثم، لا ينفك يطاردني، ويضيِّق خناقه عليَّ، وبينَ يدي الكتاب وأنا أتلو، ثم أتلو، ثمّ اُعيد تلاوة ما تلوت، ولا أفهم شيئاً.‏
‏ وبدأت سحب الخيبة تتجمّع حولي شيئاً فشيئاً، ثم راحت تتحوّل تدريجياً اِلى ما يشبه سحابة من حزن شفيف تطلع بين عيني.‏
‏ لقد قرأت كثيراً، وعليَّ أن أعترف أنني لم أفهم شيئاً ذا بال مما قرأت.‏
‏ لقد وجدت نفسي أمام كلمات لم تطرق سمعي من قبل.. فلم أعرف ماذا تعني كلمات «النصاب، والبيّنة، والمؤنة، والاَرش، والمسافة الملفّقة، والحول، والدرهم البغلي، والاَبق، والذمّيّ».‏
‏ كما أخذت تتقافز أمام عيني مفردات وتركيبات يبدو أنّها مصطلحات خاصة بعلم لم يسبق لي دراسته، فلم أدر ما المقصود بـ «العلم الاِجمالي، والشبهة المحصورة، والحكم التكليفي، والحكم الوضعي، والشبهة الموضوعة، والاَحوط لزوماً، والتجزّي في الاجتهاد والصدق العرفي، والمناط، والمشقّة النوعيّة».‏
‏ وقرأت بعد ذلك جملاً مسبوكة سبكاً خاصاً، لم أعتده من قبل، وجملاً عالجت قضايا لا وجود لها في حياتي المعاشة اليوم، لا أدري لماذا ذكرت؛ وجملاً فيها من التشقيق والتفريع والعمق والتشطير الدقيق للاحتمالات، تركتني في حيرة من أمرها.‏
‏ فلم أفهم ماذا تعني ـ مثلاً ـ جملة: «اِذا علم البلوغ والتعلق ولم يعلم السابق منهما لم تجب الزكاة، سواءٌ علم تاريخ التعلّق وجهل تاريخ البلوغ، أم علم تاريخ البلوغ وجهل تاريخ التعلّق أو جهل التاريخان، وكذا الحكم في المجنون اِذا كان جنونه سابقاً وطرأ العقل، أمّا اِذا كان عقله سابقاً وطرأ الجنون، فاِن علم تاريخ التعلّق وجبت الزكاة دون بقيّة الصور».‏
‏ ولا جملة: «الظن بالركعات كاليقين، أما الظن بالافعال فكونه كذلك محل اِشكال، فالاَحوط فيما اِذا ظنّ بفعل الجزء في المحل أن يمضي ويعيد الصلاة، وفيما اِذا ظن بعدم الفعل بعد تجاوز المحل أن يرجع ويتداركه ويعيد أيضاً».‏
‏ ولا جملة: «الاَقوى أن التيمّم رافع للحدث رفعاً ناقصاً لا يجزي مع الاختيار، لكن لا تجب فيه نيّة الرفع ولا نيّة الاستباحة للصلاة مثلاً».‏
‏ ولم اعِ المقصود بـ «اِذا توضّا في حال ضيق الوقت عن الوضوء، فاِن قصد أمر الصلاة الاَدائي بطل، واِن قصد أمر غاية أخرى ـ ولو الكون على الطهارة ـ صحّ».‏
‏ ولا بجملة: «يكفي في استمرار القصد بقاء قصد نوع السفر، واِن عدل عن الشخص الخاص».‏
‏ ولا بجملة: «فلو أحدث بالاَصغر أثناء الغسل أتمَّه وتوضّأ، ولكن لا يترك الاحتياط بالاستئناف بقصد ما عليه من التمام أو الاِتمام، ويتوضّأ».‏
‏ ولا بجملة: «مناط الجهر والاخفات الصدق العرفي».‏
‏ وغيرها كثير مما وقعت عيناي عليه، ولم أدرك كنهه.‏
‏ ودارت الدّنيا في عيني.. ثمّ دارت دورة ثانية.‏
ترى: كيف يتسنّى لي أن أعرف حلال الله فآتي به؟ وحرام الله فأجتنبه؟
ورفعت رأسي اِلى السماء، وفي عيني نثيث من عصارة دمع محترق، وتمتمت.‏
‏ اِلهي! أعلم أنك كلّفتني، ولكني لا أعلم بماذا كلّفتني..‏
‏ اِلهي! أنّي لي أن أعرف ما طلبت مني، لاَنجز ما طلبت مني.‏
‏ اللهم أعنِّي على فهم ما أقرأ.‏
‏ اللهم أعن كتب الفقه على الاِفصاح عما تريد قوله، لاَحقِّق ما تريد قوله.‏


‏ * * * * *



‏ وانتظرت أبي على المائدة الليلية مساء اليوم..‏
‎ ‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎وحين حل المساء بدت عيوني متعبة، قلقة، منكسرة الاَجفان أول الاَمر.‏ ثم ما لبثت أن أخذت تومض ببريق كالفضّة امتزج فيه الاَسى بالاصرار على التحدّي.‏
وما أن انتظمت بنا المائدة، وحضر أبي حتى أخذ قلبي يدقّ، وتورّدت وجنتاي، وارتفعت درجة حرارة اُذنيّ كأنّ حُمّي مفاجئة اشعلتهما، وداهمني شعور بالحرج، والخجل، والحيرة، والارتباك، والتردّد، وأنا اُعيد في ذاكرتي وأردد كلمات وجملاً توحي بالعجز عن استيعاب مادة مقروءة.‏
‏ واستنجدت بشجاعتي وبعزمي على الاعتراف بالنقص، وقلت لاَبي:‏‏
لقد راجعت كتب الفقه فاستعصت عليّ، وأبت أن تفتح لي قلبها.. ‏
وما كدت أنهي حرفي الاَخير من كلمتي الاَخيرة، حتى شردت عينا أبي، وغارتا ـ كما يبدو ـ في مستنقع من الماضي عميق، ثم عادتا بعد برهة كمن يعود من سفر شاقٍ ممضّ طويل، ودارتا حول عيني كأنّهما تريدان أن تقولا شيئاً، غير أن شفتيه انفرجتا عن صوت خافت مشوب بحزنٍ عميق:‏
لقد مررت بتجربة شبيهة بتجربتك، عندما كنت في حدود سِنّك.‏
‏ لقد قرأت كتب الفقه فلم أفهم منها شيئاً ذا بال، مثلك تماماً.. غير أنّي لم أمتلك شجاعتك فأعترف بعجزي عن فهمها.‏
‏ لقد حالت تربيتي المحافظة، وحَجَزَ حيائي الشديد، بيني وبين سؤال أبي عن بعض خصوصيات مرحلة المراهقة ثمّ الرجولة، فلم أَكُن أُدرك أن البلوغ قد يتحقق بغير العمر الزمني المحدّد له، اِلى أن.. وقاطعت أبي:‏‏
وهل يتحقّق البلوغ بغير ذلك؟
ـ نعم يا بني، يتحقق البلوغ في الذكر اِذا توفّرت احدى علامات ثلاث: ـ
أوّلها: أن ينهي خمس عشرة سنة قمريّة من عمره.‏
‏ ثانيها: أن يخرج السائل المنوي منه سواء خرج باتِّصال جنسي أم باحتلام، أم بغيرهما.‏
‏ ثالثها: أن ينبت الشعر الخشن على العانة، أقول الشعر الخشن المشابه لشعر الرأس لاَستثني بذلك الشعر الناعم الذي يغطّي ـ عادة ـ أكثر مناطق الجسم كاليدين مثلاً.‏
‏ والعانة ؟
ـ العانة: منطقة تقع أسفل البطن فوق نقطة اتّصال العضو التناسلي بجدار البطن مباشرة.‏
‏ هذه علامات البلوغ للذكر ، أمّا الانثى؟
ـ يتحقق البلوغ في الانثى اِذا أنْهَت تسع سنين قمرية من عمرها.‏
‏ أما وقد أفصحت لك اليوم عن قصوري، وتلكئي، وعجزي عن استيعاب كتب الفقه، فاسمح لي أن أقترح عليك ـ تحت ضغط الحاجة ـ أن تعقد لي جلسات تتناول فيها بالشرح والتبسيط كل ما عسر عليَّ فهمه، مما يتوجَّب عليَّ فهمه والاحاطة به واستبيانه، لتطبيق حكمي الشرعي، صحيحاً كما شرعه الله سبحانه وتعالى لي، وأمرني به.‏
‏ ويا حبّذا لو كانت جلساتنا تنهج نهج الحوار والمساءلة.‏
‏ ـ كما تحب.‏
‏ ولكن بماذا سنبدأ حواريّتنا الاولى؟
ـ سنبدؤها بـ «التقليد» فهو الاَساس الذي سيحدّد لنا شكل تقاطيع وملامح ما سنطبِّقه من فقهنا.‏
‏ اتفقنا.‏


‏ * * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 18:49
«حِواريّة التقليد»



قال أبي ـ وهو يبدأ حواريّة التقليد: ـ‏
ـ دعني أشرح لك أوّلاً معنى التقليد.‏
‏ التقليد: أن ترجع اِلى فقيه لتطبق فتواه، فتفعل ما انتهى رأيه اِلى فعله، وتترك ما انتهى رأيه اِلى تركه، من دون تفكير، واِعادة نظر، وتمحيص، فكأنّك وضعت عملك في رقبته «كالقلادة» محمّلاً اياه مسؤولية عملك أمام الله.‏
‏ ولماذا نقلِّد؟
ـ عرفتَ فيما مضى أن الشارع المقدس قد أمرك، ونهاك.. أمرك بواجبات يتحتّم عليك أن تؤدّيها، ونهاك عن محرّمات يتحتّم عليك أن تمتنع عنها، ولكن بماذا أمرك، وعن ماذا نهاك؟ بعض ما أمرك به واضح في الشريعة تستطيع ـ ربّما ـ من خلال ما ربّتك عليه بيئتك الملتزمة أن تشخّصه، وبعض ما نهاك عنه واضح كذلك تستطيع ـ ربّما ـ من خلال تنشئتك المحافظة أن تميّزه. والكثير الكثير ما بين هذه وتلك من الواجبات والمحرّمات، ستبقى مجهولة لك وللكثيرين من أمثالك غائبةً أو غائمة.‏
‏ أضاف أبي: ‏
‏ ـ أنت تعرف أن الشريعة الاسلامية قد ألمَّت بجميع جوانب حياتك المختلفة، فوضعت لكل واقعة منها حكماً، فكيف ستعرف حكمك الشرعي وأنت تمارس نشاطاتك الحياتية المختلفة، كيف ستعرف أن هذا الفعل يحلّه الشارع المقدَّس فتباشره، وان هذا العمل يحرمه الشارع المقدّس فتنأَى عنه وتجانبه.‏
‏ ترى هل يمكنك أن ترجع في كل صغيرة وكبيرة اِلى الاَدلّة الشرعيّة لتستخرج منها حكمك الشرعي؟
ولم لا!!‏
ـ لقد بعدت الشقة يا بني بين عصرك، وعصر التشريع، وقد أضفى هذا البعد؛ مع ضياع كثير من النصوص الشرعيّة، وتغير لغة وأساليب وأنماط التعبير، ووجود الوضّاعين ـ الذين اختلقوا أحاديث كثيرة وسربوها مع أحاديثنا المعتبرة ـ صعوبات ومعوقات عسَّرت عمليّة استخراج الحكم الشرعي.‏
‏ ثم اضافت مشكلة وثاقة ناقلي الروايات لذلك عقدةً أخرى في طريق الساعين لاستخراج الحكم الشرعي.‏
‏ ثمّ لنفترض أنّك استطعت أن تتحقّق بشكل ما من وثاقة رواة النصّ وصدقهم، ودقّتهم فيما ينقلون، وضبطهم؛ وأنّك استطعت أن تختزل الزمن لتضبط نبض اِيقاع المفردات في دلالتها على معانيها، فهل ستستطيع أن تهضم علماً عميقاً، واسعاً، متشعّباً يحتاج اِلي مقدّمات طويلة، وسبر أغوار عميقة، لتحصل منه بعد ذلك على ما أنت بصدد معرفته، والبحث عنه واستيبانه.‏
‏ وكيف العمل اِذاً..؟‏
ـ ترجع اِلى المتخصّصين في هذا العلم أي (الفقهاء)، فتأخذ أحكامك منهم.‏. «تقلّدهم». ليس هذا في مجال علم الفقه فقط، بل في كل علم. لقد أفرزت الحضارة الحديثة مبدأ التخصّص في العلوم، حيث أصبح لكل علم رجاله ومتخصّصوه يُرجع اليهم كلّما طرأت حاجة ما لشأنٍ من شؤون ذلك العلم.‏
واستطرد أبي قائلاً:‏‏
ـ لنأخذ مثلاً لذلك من علم الطب.. فلو مرضت ـ عافاك الله ـ فماذا ستفعل؟
أراجع الطبيب، وأعرض عليه حالتي المرضيّة ليشخّص المرض وليصف لي الدواء المناسب بعد ذلك.‏
‏ ـ ولماذا لا تشخِّص أنت بنفسك مرضك وتصف الدواء؟
لست طبيباً.‏
‏ ـ كذلك الحال في علم الفقه. أنت محتاج اِلى مراجعة الفقيه المتخصِّص لمعرفة أمر الله ونهيه، أو لعرض مشكلتك الشرعية عليه، كاحتياجك اِلى مراجعة الطبيب المتخصِّص، لمعرفة أمرٍ طبّي ما، أو لعرض حالتك المرضية عليه.‏
‏ فكما أنّك محتاج اِلى «تقليد» الطبيب في مجال اختصاصه، أنتَ محتاج اِلى «تقليد» الفقيه في مجال اختصاصه.‏
‏ وكما أنّك ستبحث عن طبيب فاضل، عالم في مجال اختصاصه ولا سيّما اِذا كان مرضك خطيراً، فأنت ملزم بالبحث عن فقيه بارع في مجال اختصاصه «لتقلّده» وتأخذ منه حكمك الشرعي كلّما استدعتك الظروف المعاشة لاستيضاح حكم شرعي ما، فيها.‏
‏ وكيف أعرف أن هذا الرجل فقيه؟ أو أنّه أعلم الفقهاء وأفضلهم؟
قال أبي مجيباً:‏‏
ـ دعني أسألك.. كيف تعرف أن هذا الطبيب فاضل أو أنّه أفضل الاَطبّاء في مجال اختصاصه لتراجعه، وتسلّمه جسدك، يفعل به ما يراه مناسباً لعلاجه؟
قلت له:‏‏
أعرف ذلك من سؤال المهتمّين بشؤون الطب، العارفين به، ممَّن لهم علم، ومعرفة، ودراية، و«خبرة» وتجربة فيه، أو أعرفه لشهرته بين الناس و«شيوع» وانتشار وذيوع اسمه في هذا الحقل العلمي.‏
‏ ـ بالضبط.. وكذلك تعرف الفقيه، أو الفقيه الاَعلم.‏
‏ تسأل شخصاً ملتزماً بالواجبات، وتاركاً للمحرّمات، ثقةً، تتوفّر فيه القدرة، والمعرفة، والعلم والعدالة و«الخبرة» على تمييز المستوي العلمي للاَشخاص في مجال الاختصاص.‏
‏ أو «يشيع» ويشتهر ويذيع بين الناس، فقاهة شخص، أو أعلميته بين سائر الفقهاء، بحيث تجعلك تلك الشهرة الواسعة وذلك الذيوع والانتشار، و«الشيوع» متأكداً وواثقاً من فقاهته أو أعلميّته.‏
‏ وهل هناك شروط اُخرى فيمن يجب علينا تقليده، بعد أن نبلغ مبلغ الرجال، عدا شرط الفقاهة؟
ـ أن يكون مقلَّدك: رجلاً، بالغاً، عاقلاً، مؤمناً، عادلاً، حيّاً غير ميّت، طاهر المولد ـ أي أن تكون ولادته قد تمّت وفق مقاييس وضوابط شرعيّة ـ وألاّ يكون كثير الخطأ والنسيان والغفلة.‏
‏ حسناً ها أنذا ذا قد بلغت مبلغ الرجال، وقد عرفت منك شيئاً عن التقليد فماذا يجب عليَّ ان أفعل الاَن؟
ـ تقلّد أعلم فقهاء عصرك، وتعمل بما يفتي به في شؤونك المختلفة.. في أحكام وضوئك ـ مثلاً ـ وغسلك، وتيمّمك، وصلاتك، وصومك، وحجّك، وخمسك، وزكاتك، وغيرها. كما تقلّده في معاملاتك.. في أحكام بيعك ـ مثلاً ـ وشرائك، وحوالتك، وزواجك، وزراعتك، واِجارتك، ورهنك، ووصيتك، وهبتك، ووقفك و.. و..
‏ ورحت أعدد مع أبي.‏.
وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وايمانك بالله، وانبيائه ورسله و..‏
ـ كلا.. الايمان بالله وتوحيده، ونبوّة نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) واِمامة الاَئمّة الاِثنى عشر (عليهم السلام)، والمعاد.. هذه أمور لا يجوز التقليد فيها فهي من أصول الدين، ولا يجوز التقليد في اُصول الدين بل يجب أن يعتقد كل مسلم بها اعتقاداً جازماً لا شك فيه، ولا شبهة ولا ضبابيّة ولا التواء، واصلاً اِلى ايمان قاطع بالله، باحثاً عنه بجهوده، مسخّراً ما منحه الله من طاقات فكريّة فيه منتهياً من خلال ذلك كله اِلى قناعة تامّة راسخة لا تتزعزع به..‏
‏ طيب.. الا يحق لي أن أقلّد فقيهاً مع وجود فقيه أعلم منه في مجال اختصاصه؟
ـ يمكنك ذلك شرط أن لا تعلم بوجود اختلاف بين فتاوى مقلَّدك وفتاوى الاَعلم في مسائلك التي تحتاجها لتعمل بها.‏
‏ لو قلّدت الاَعلم، ولم تكن له فتوى في مسألة ما تخصّني؟ أو كانت له فتوى ولم يسعني استعلامها؟
ـ ترجع اِلى الاَعلم من بعده أي من يتلوه في العلم من الفقهاء.‏
‏ واذا كان الباقون متساوين في العلم فماذا افعل؟‏
‏ ـ ترجع اِلى من كان أورع من غيره، أي أكثر تثبتاً وحيطة في الرأي الذي يتخذه والفتوى التي يصدرها.‏
‏ واذا لم يكن بعضهم أورع من بعض؟
ـ يمكنك أن تطبق عملك على فتوى أيٌّ منهم اِلاّ في بعض الحالات المعينة حيث يجب فيها ان تعمل بالاحتياط ولا يسعني في هذا المقام أن اشرحها لك.‏
‏ حسناً.. أستطيع حين أراجع الطبيب أن أعرف رأيه في حالتي الصحّية لو استدعت صحّتي مراجعته فكيف أستطيع أن أعرف فتوى مقلَّدي في مسائلي الشرعية؟ كيف أصل اِلى فتاواه لاَطبِّقها؟ هل اُراجعه في كل مسألة؟
ـ تستطيع معرفة فتاواه.. بسؤاله مباشرة عنها، أو بسؤال من تثق بنقله ومعرفته وأمانته في نقل تلك الفتاوى، أو بمراجعة كتبه الفقهية كرسالته العملية مع الاطمئنان بصحّتها.‏
‏ اِذاً اطلب منك وانت الثقة الامين أن تعينني على معرفة فتاوى مقلّدي.‏
‏ ابتسم أبي بوقار رزين، واعتدل في جلسته بينما راحت عيناه توميَ بوميض موعد جلسة قادمة.‏
‏ قلت: نبدأ بالصلاة.‏
‏ ـ قال: نبدأ بالصلاة.‏
‏ وأضاف:‏‏
ـ غير أن الصلاة تتطلّب طهارة الانسان من كل ما يدنِّس طهارته.‏
‏ وما الّذي يدنِّس طهارة الانسان؟
ـ تدنس طهارة الانسان:‏‏
‏ ‎‏‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‎‎‎‎‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ 1 ـ ‏‏ اُمور مادية تقع في نطاق عمل الحواس كالنجاسات.‏
‏ ‏ 2 ـ واُمور معنويّة غير مدركة بالحواس لو «حدثت» بأحد أسبابها من جنابة أو حيض أو استحاضة أو نفاس أو مسِّ ميّت أو نوم أو خروج بول أو غائط أو ريح، للزم ازالتها بالوضوء أو الغسل أو التيمم.‏
‏ وتستدعينا هيكليّة البحث وصولاً اِلى الصلاة أن نبدأ حوارنا «بالنجاسات»، فنتعرّف عليها أوّلاً، ثم نتعرّف بعد ذلك على «مطهراتها»، لنضمن طهارة الجسد من كل ما يسلب طهارته، ويخدش نقاءه.‏
‏ ثم نثنّي فنتحاور بما لو «حدث» لوجب «غسله بالوضوء» أو «مسحه بالتيمّم» سواء أحدث من بول أم غائط أم ريح أم نوم أم استحاضة قليلة أم غيرها.‏
‏ ونستأنف، فنتجاذب أطراف الحديث بما لو «حدث» لوجب «غسله بالغسل» أو «مسحه بالتيمّم» سواء أحدث من جنابة أم حيض أم استحاضة أم نفاس أم مسّ ميّت.‏
‏ رافعين من طريقنا كل ما يعترض أو يعيق فرصة التقرّب لله عزّ وجلّ بالصلاة، فائزين بعد ذلك بلذّة الوقوف بين يديه مكبّرين مهلّلين حامدين موحّدين منعّمين بولع ذكره ودعائه راجين أن يجعلنا ممّن ترسَّخت اشجار الشوق اِليه في حدائق صدورهم، وأخذت لوعة محبّته بمجامع قلوبهم.‏
‏ متناولين بعد الصلاة ما يتطلّب مثلها الطهارة كالصوم والحج وغيرها.‏
‏ اذن سنبدأ بالنجاسات أولاً؟.‏
ـ نعم سنبدأ بها اولاً يوم غدٍ ان شاء الله.‏
‏ ان شاء الله.‏


* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 18:50
«حواريّة النَّجاسة» ‏


بدأ أبي حواره وفي عينيه بريق من حزم رصين قائلاً:‏
دعني اضع أمامك قاعدة عامّة ذات أثر كبير في حياتك وهي «كُلُّ شيء طاهر». كلُّ شيء.. البحار، والامطار، والانهار، والاشجار، والصحارى والجبال، والشوارع والعمارات والبيوت والاَجهزة والاَدوات، والملابس المختلفة واِخوانك المسلمون.. و.. و.. كلُّ شيء طاهر..‏
كُلُّ شيء حتّى يتنجّس، اِلاّ..‏
اِلاّ ماذا؟
ـ اِلاّ ما كان نجساً بطبيعته، بتكوينه، بذاته، «بعينه».‏
‏‏‏ وما الذي يكون نجساً بطبيعته، بذاته؟
ـ عشرة أشياء سأعدّدها لك على شكل نقاط متسلسلة:‏
‏«‏1، 2» ان وغائطه.‏ وبول وغائط كُلُّ حيوان يحرم أكل لحمه، اِذا كانت لهذا الحيوان نفس سائلة كالقطة [وكذا بول ما ليست له نفس سائلة اِذا كان ذا لحم].‏
‏ ‏‏‏ وما النفس السائلة؟
ـ مصطلح سيمرّ عليك أكثر من مرّة في هذا الحوار، يحسن أن نلقي عليه بعض الضوء.‏
ونقول: لهذا الحيوان نفس سائلة.. اِذا اندفع الدم منه بقوّة عند ذبحه. لوجود شريان عنده كالدجاج.‏
ونقول: ليس لهذا الحيوان نفس سائلة.. اِذا سال الدم منه عند ذبحه بفتور، وهدوء، وأناة لعدم وجود شريان عنده كالسّمك.‏
‏«3» من الحيوان ذي النفس السائلة واِن كان حلالاً أكله، وكذلك أجزاؤها الحيّة المقطوعة منها.‏
‏‏‏ وما هي الميتة؟
ـ كل ما مات من دون أن يذبح على الطريقة الشرعيّة الاسلامية.‏
‏‏‏ مثلاً؟
ـ الحيوان الّذي يموت لمرض ـ مثلاً ـ أو بحادث، أو يذبح بطريقةٍ غير شرعيّة، هذه كلها من الميتة؟
‏‏‏ واذا مات الانسان فهل ينجس بدنه؟
ـ نعم اِلاّ الشهيد ومن اغتسل لاجراء الحدّ عليه أو القصاص منه.‏
‏‏‏ وهل يبقى غيرهما نجساً؟
ـ لا بل يطهر بدن الميت المسلم بالاَغسال الثلاثة التي سأشرحها لك في حواريّة قادمة.‏
‏«4» انسان، ومني كل حيوان ذي نفس سائلة [وان كان هذا الحيوان مأكول اللحم].‏
‏«5» الخارج من جسد الانسان، ومن جسد كل حيوان ذي نفس سائلة.‏
‏‏‏ ودم الحيوان الذي ليس له نفس سائلة؟
ـ طاهر كدم السمك.‏
‏«6» الكلب البري بكل اجزاء جسده، حياً وميتاً.‏
‏«7» الخنزير البري بكل اجزاء جسده، حياً وميتاً.‏
‏‏‏ والكلب والخنزير البحريان..؟
ـ طاهران.‏
‏«8» الخمر [ويلحق بها الفقاع].‏
‏«9» الكافر حياً وميتاً غير المسيحي واليهودي والمجوسي.‏
‏«10» عرق الحيوان الجلال، وهو الحيوان الذي تعوَّد اكل عذرة الانسان.‏
هذه الاشياء العشرة نجسة بطبيعتها، وتنتقل النجاسة منها اِلى كل ما لاقاها ومسّها واحتكّ بها مع وجود البلل والرطوبة.‏
‏‏‏ واذا لم يوجد بلل ورطوبة بينهما؟
ـ اِذا لم يكن هناك بلل ورطوبة فلا تنتقل النجاسة؛ لانها لا تنتقل في حالة الجفاف ولا في حالة وجود النداوة المحضة أبداً.‏
‏‏‏ هل بول أو غائط الحيوانات التي يحل اكلها كالبقر، والغنم، والدجاج، والطيور بانواعها المختلفة، والعصافير، والزرازير طاهر أو نجس...؟
ـ طاهر.‏
‏‏‏ ومخلفات الخفاش...؟
ـ طاهرة.‏
‏‏‏ والريش من الميتة، والوبر، والصوف، والاظافر، والقرون، والعظام، والاسنان، والمناقير، والمخالب..؟
ـ كلها طاهرة.‏
‏‏‏ واللحم الذي نشتريه لنأكله، فنلاحظ عليه دماً؟
ـ هذا الدم طاهر.. وكل دم يبقى متخلّفاً في الذبيحة بعد ذبحها بطريقة شرعية، طاهر غير نجس.‏
‏‏‏ وفضلات الجرذ والفأر..؟
ـ نجسة غير طاهرة. ولو فكرت قليلاً فيما عددت لك من نقاط، لاستطعت أن تجيب عن هذا التساؤل بنفسك.. نعم لاَجبت عنه بنفسك، ذلك أن لها شرياناً يتدفق منه الدم عند الذبح.‏
وعاد لعيني أبي ذلك البريق الرصين الّذي لمحته في أوّل حوارنا هذا فحدَّق بي، ثم اردف قائلاً.‏
ـ لقد بدأت معك حواريتي هذه بقاعدة عامة ذات أثر كبير في حياتك، وسأختتمها بقواعد عامة هي الاَخرى ذات أثر كبير في حياتك.‏
القاعدة الاولى: كلّ شيء كان طاهراً فيما مضى ثم تشك، هل تنجس بعد ذلك أو بقي على طهارته السابقة.. فهو طاهر.‏
‏‏‏ اِضرب لي مثلاً على ذلك.‏
ـ شرشف نومك مثلاً، كان طاهراً سابقاً، وتشك الاَن، هل لاقتهُ نجاسة ما فنجسته أو بقي على طهارته السابقة؟ تقول: شرشف نومي طاهر.‏
القاعدة الثانية: كلّ شيء كان نجساً فيما مضى ثم تشكّ، هل طهرته بعد ذلك أم بقي على نجاسته السابقة؟ فهو نجس.‏
‏‏‏ مثلاً؟
ـ يدك مثلاً كانت نجسة، أنت متأكّد من ذلك قبل الاَن، وشككت بعد ذلك، هل طهرتها من نجاستها السابقة، أم لم تطهرها منها؟
تقول: يدي نجسة.‏
القاعدة الثالثة: كلُّ شيء لا تعلم حالته السابقة، أنجساً كان هو قبل الاَن أم طاهراً؟ فهو الاَن طاهر.‏
‏‏‏ مثلاً؟
ـ سائل في كأس تجهل حالته السابقة لا تدري أنجساً كان فيما مضى أم طاهراً تقول: هذا السائل طاهر.‏
القاعدة الرابعة: كل شيء تشك، هل اصابته نجاسة فتنجس بها أو اخطأته فلم تصبه، عندئذ لا يجب عليك الفحص والتحري والتدقيق لتتأكد من طهارته. بل تقول هو طاهر، من دون حاجة اِلى فحص واستكشاف، حتى ولو كان الفحص سهلاً يسيراً عليك.‏
‏‏‏ مثلاً؟
ـ ثوبك كان طاهراً أنت متأكّد من ذلك قبل الاَن، وشككت الاَن هل أصابه بول فتنجّس به أو بقي على طهارته السابقة؟
عندئذ.. لا يجب عليك فحص ثوبك، والبحث عن أثر البول فيه، حتّى لو كان ذلك البحث والفحص سهلاً يسيراً عليك، بل تقول: ثوبي طاهر.‏‏

الطاهرة
28-10-2010, 18:50
«حواريّة الطهارة»



قبل أن يحضر أبي جلسة حوارنا هذه، كنت مستغرقاً في تأمّل عميق، محاولاً تطبيق المعلومات النظرية.. تلك التي سلفت في «حواريّة النجاسة» على واقع حياتي اليوميّة المعاشة، مصححاً من خلال ذلك موروثاتي الخاطئة عن النجاسة، منتظراً بشغف وترقّب أن ألحظ في جلسة اليوم كيف ستستعيد الاشياء طهارتها الاولى ونقاءها الجميل بعد أن صافحتها يد النجاسة فلوّثتها.‏
وما أن حضر أبي حتّى بدأته:‏
‏‏‏ قلت لي أمس اِن الاشياء الطاهرة تفقد طهارتها لو لاقت النجاسة. تُرى كيف ستستعيد تلك الاَشياء طهارتها المفقودة؟
ـ اكثر ما يعيد للاَشياء المتنجّسة طهارتها السابقة المسلوبة «الماء» أن تغتسل من أدرانها بالماء، أو أن تغسل به، لذلك فسنبدأ بـ..‏
المطهّر الاَول: الماء.‏
أضاف أبي.‏
ـ الماء: مطلق ومضاف.‏
‏‏‏ وما الماء المطلق؟
ـ الماء المطلق.. ذلك الّذي نشربه نحن، وتشربه الحيوانات ويسقى به الزرع..‏ ماء المحيطات والبحار والانهار والاَبار والجداول والامطار، ماء الانابيب الّذي يصلنا عبر خزانات المياه المنتشرة في المدن والقرى والنواحي، ويبقى الماء مطلقاً حتى لو اختلط مع قليل من الطين أو الرمل كمياه الشطوط والانهار.‏‏
‏‏‏ والماء المضاف..؟
ـ الماء المضاف تعرفه بسهولة من اضافة لفظ آخر اِلى الماء كلّما نطقت به، فتقول: ماء الورد، ماء الرمان، ماء العنب، ماء الجزر ماء البطيخ، وماء مساحيق الغسيل، وهو كما تلاحظ من الاَمثلة ليس مما يعنينا أمره هنا، فنحن نتحّدث عن الماء ذاك الذى نطهر به ونشربه، نتحدث عن الماء لا عن ماء الرمان وماء العنب مثلاً.‏
ثم ان الماء أو الماء المطلق على قسمين: معتصم وغير معتصم.‏
‏‏‏ ماء معتصم!! ماذا تعني؟
ـ الماء المعتصم هو الماء الذي لا يتنجّس بملاقاة النجاسة الاّ اِذا تأثّر بها لونه أو طعمه أو رائحته، والماء غير المعتصم هو الماء الذي يتنجّس بمجرد ملاقاته للنجاسة وان لم تتأثر بها احدى صفاته الثلاث‏.‏
‏‏‏ وما هي المياه المعتصمة؟
ـ هي:‏
‏1 ـ الماء الكثير: وهو ما بلغ قدر الكُر أي ما كان مكعّبه 36 شبراً، كماء الاِسالة (الصنبور) ذاك الّذي يصل اِلى بيوتنا من خزّانات المياه الكبيرة المنتشرة في المدن أو من محطّات ضخّ المياه، وماء خزاناتنا الموضوعة على سطوح منازلنا اِذا كانت بحجم الكر، وماء خزاناتنا الصغيرة اِذا اتّصل بها ماء الاسالة (الصنبور) ما لم ينقطع.‏
‏2 ـ ماء البئر.‏
‏3 ـ الماء الجاري: كمياه الانهار والروافد والجداول والعيون.‏
‏4 ـ ماء المطر اثناء هطوله.‏
هذه هي المياه المعتصمة.‏
‏‏‏ وما هي المياة غير المعتصمة؟
ـ هي مياه الاحواض الصّغيرة والاواني والقناني والكؤوس ونحوها من المياه الراكدة غير ماء البئر. التي يقل مقدارها عن الكر ويصطلح عليه بـ (الماء القليل) وقد عرفت انّها تتنجّس بمجرد ملاقاتها للنجاسة.‏
‏‏‏ والماء المضاف؟
ـ حكمه حكم الماء القليل يتنجّس بملاقاته للنّجاسة سواء أكانت كمّيته كبيرة أم قليلة كالشاي مثلاً، وتلحق بالماء المضاف السوائل الاخرى كالحليب والنفط ومحاليل الادوية وغيرها وأنّها تتنجّس بمجرد ملاقاتها للنّجاسة.‏
ثمّ أردف أبي قائلاً:‏
كل ماء قليل اتصل به الماء الكثير صار كثيراً فيكون معتصماً ما لم ينقطع عنه، فخزّان الماء الصغير اذا جرى عليه اُنبوب الاِسالة صار كثيراً، وماء القدر الموضوع في المغسلة اذا فتحت عليه اُنبوب الماء المتّصل بالكُر، فاتصل ماء القدر بماء الانبوب صار ماء القدر كثيراً، كل ذلك، مادام الاتصال موجوداً وهكذا..‏
‏‏‏ حسناً.. ماذا لو وقعت قطرات من الدم في خزان ماء راكد بحجم كر..؟
ـ لا يتنجّس اِلاّ اذا كثرت القطرات فتغيّر لون ماء الكر فاصفرّ بتأثير لون الدم.‏
‏‏‏ ولو وقعت في اِناء صغير؟
ـ لنجَّست الاناء.‏
‏ ‏‏‏ ولو فتحنا عليه ماء الاسالة فعاد الماء اِلى صفائه؟
ـ لطهر ماء الاناء [ولكنه يعود فيتنجس مرّة اخرى اذا انقطع عنه ماء الاسالة لما سيمرّ عليك من ان الاناء اذا تنجس لم يطهر اِلاّ بغسله ثلاث مرات].‏
‏‏‏ لو صببنا من ماء الابريق على شيء نجس، فهل يتنجّس ماء الابريق؟
ـ كلا، لاَن النجاسة لا تتسلّق اِلى عمود الماء السا‏‏‏‏قط من الابريق، فلا عمود الماء يتنجّس ولا ماء الابريق.‏
‏‏‏ وكيف يطهّر ماء المطر الاشياء؟
ـ اذا تقاطر عليها. سواء أكان المتنجّس أرضاً، ام ثياباً وأفرشة بعد ان ينفذ منها. أم اِناء، أم ما شاكل ذلك وشابهه بشرط أن يصدق عرفاً على النازل أنه مطر لا أن يكون مجموع ما نزل من السماء قطرات قليلة لا يصدق عليها المطر.‏
‏‏‏ وهل يكفي في طهارتها تقاطر المطر عليها مرة واحدة؟
ـ نعم يكفي الا في البدن والثوب المتنجّس بالبول فانه يلزم فيهما التعدد [وكذا في الاناء].‏
‏‏‏ وهل يطهّر المطر الماء المتنجّس؟
ـ نعم اذا امتزج معه.‏
‏‏‏ وكيف نطهّر بالماء القليل أو الكثير الاَشياء المتنجّسة؟
ـ نطهّر كل شيء متنجّس.. كل شيء بغسله بالماء قليلاً كان أو كثيراً مرة واحدة ولكن يلزم في الغسل بالماء القليل أن ينفصل ماء التطهير عن الشيء المتنجّس.‏
‏‏‏ وهل الاشياء المتنجّسة كلّها تطهر على هذا النحو؟
ـ نعم عدا ما يأتي:‏
‏ (1) ـ الاَواني المتنجّسة بالخمر كالقناني والكؤوس وغيرها نغسلها بالماء ثلاث مرّات.‏
‏ (2) ـ الاَواني اذا مات فيها الجرذ، أو ولغ فيها الخنزير فاِنّنا نغسلها سبع مرّات.‏
‏ (3) ـ الاشياء المتنجّسة ببول الصبي الرضيع الذي لم يتغذ بعد بالطعام وكذلك الصبيّة، فانّنا نصبُّ الماء عليها بمقدار ما يحيط بها، ولا حاجة اِلى أكثر من ذلك. فلا حاجة اِلى العصر اِذا كان المتنجّس ثوباً أو نحوه.‏
‏ (4) ـ الاواني اذا ولغ فيها الكلب أو لطعها بلسانه تمسح بالتراب أولاً ثم تغسل بالماء مرّتين وان وقع فيها لعاب فمه أو باشرها بسائر اعضائه [لزم مسحها بالتراب أولاً ثم غسلها بالماء ثلاث مرّات].‏
‏‏‏ وما ولوغ الكلب؟
ـ شربه ما في الاناء باطراف لسانه.‏
‏(5) ـ الملابس المتنجّسة بالبول، نغسلها بالماء الجاري مرّةً واحدة أو نغسلها بماء الكر أو ماء الحنفيّات مرّتين أو تغسلها بالماء القليل مرّتين أيضاً ونعصرها، أما الملابس المتنجّسة بغير البول. فنغسلها مرة واحدة بالماء القليل ونعصرها أو نغسلها بالماء الكثير من دون حاجةٍ اِلى العصر.‏
‏ (6) ـ البدن المتنجّس بالبول نغسله كما في الفقرة المتقدّمة واذا كان الغسل بالماء القليل لزم انفصال ماء التطهير عن البدن على النحو المتعارف.‏
‏ (7) ـ باطن الاِناء، اِذا تنجّس بغير الخمر، أو ولوغ الكلب أو لطعه أو وقوع لعابه أو مباشرته بسائر اعضائه أو موت الجرذ، أو ولوغ الخنزير، فانّنا نطهّره بغسله بالماء القليل ثلاث مرّات أو بالماء الكثير أو الجاري أو المطهر [ثلاث مرّات أيضا].‏
‏‏‏ وظاهر الاِناء..؟
ـ يطهر بغسله مرةً واحدة، حتّى بالماء القليل.‏
‏‏‏ وكيف اُطهر كفّي المتنجّسة وعندي ماء قليل؟
ـ اِذا لم تكن متنجسة بالبول فصبّ عليها الماء مرة واحدة، فاِن انفصل ماء التطهير عن كفّك فقد طهر كفك.‏
المطهر الثاني: الشمس.‏
‏‏‏ وماذا تطهّر الشمس؟.‏
ـ تطهّر الارض وما يستقرّ عليها من الابنية والحيطان، ويلحق بها في ذلك الحصر والبواري عدا ما تشتمل عليه من الخيوط [ولا تلحق بها الاَبواب، والاَخشاب، والاَوتاد، والاَشجار وأوراقها، والنباتات، والثّمار قبل قطافها وغير ذلك من الاشياء الثّابتة على الارض].‏
‏‏‏ كيف تطهّر الشمس الارض والبناء؟
ـ بشروقها عليها حتّى تجف بتأثير أشعّتها مع زوال عين النجاسة عنها.‏
‏‏‏ واذا كانت الارض النجسة جافة، وأردنا تطهيرها بالشمس؟
ـ صببنا عليها الماء حتى اذا جففتها الشمس طهرت.‏
‏‏‏ واذا تنجّست الارض بالبول وأشرقت عليها الشمس فجفت؟
ـ طهرت الاَرض اذا لم يبق عليها جرم البول.‏
‏‏‏ الحصى والتراب، والطين، والاَحجار المعدودة جزء من الاَرض اذا تنجّست بالبول فجفّفتها الشمس؟
ـ طهرت كذلك.‏
‏‏‏ والمسمار النابت في الاَرض، أو في البناء..؟
ـ [ليس حكمه حكم الاَرض، فلا يطهر بالشمس].‏
المطهّر الثالث: زوال عين النجاسة عن بواطن الانسان غير المحضة وعن جسد الحيوان.‏
‏‏‏ اِضرب لي مثلاً على ذلك.‏
ـ زوال الدم عن باطن الفم، أو باطن الاَنف، أو باطن الاَُذن، زوال لعين النجاسة.‏
فبمجرّد ان يزول الدّم يطهر الفم، والاَنف، والاَذن والعين وهكذا من دون حاجة اِلى تطهيرها بالماء.‏
‏‏‏ وجسد الحيوان..؟
ـ كذلك جسد الحيوان، فبمجرّد أن يزول الدم عن منقار الدجاجة يطهر منقارها، وبمجرّد أن يزول الدّم عن فم القطّة يطهر فمها، وهكذا.‏
‏‏‏ وهل تتنجّس الابرة ـ اِبرة الدواء ـ اِذا زرقت داخل جسم الانسان أو الحيوان، فلاقت الدم داخل الجسم؟
ـ كلا، لا تتنجّس اذا خرجت الابرة من داخل الجسم وهي غير ملوّثة بالدم فملاقاة النجس داخل الجسم لا تحقّق النجاسة.‏
المطهّر الرابع: الاَرض.. كل ما يسمّى أرضاً مطهرة كالحجر، والرمل والتراب وما فرش بالطابوق أو الاسمنت لا بالقير ونحوه ويشترط في الاَرض أن تكون [يابسة] وطاهرة.‏
‏‏‏ وكيف أعرف أنها طاهرة؟
ـ ما دمت لا تعرف أنّها قد تنجّست فهي طاهرة، ومن ثمَّ فهي مطهرة.‏
‏‏‏ وماذا تطهّر الارض؟
ـ تطهّر باطن القدم، والحذاء، بالمشي عليها أو المسح بها بشرط أن تزول عن القدم والحذاء بسبب المشي أو المسح النجاسةُ العالقة بهما هذا اذا كانت النجاسة قد حصلت من الاَرض النجسة سواء بالمشي عليها أم بغيره [وامّا اذا كانت قد حصلت من غيرها فلا تكون الاَرض مطهرة له حينئذ].‏
المطهّر الخامس: التبعيّة.‏
‏‏‏ اِضرب لي مثلاً على التبعيّة.‏
ـ الكافر المحكوم بالنجاسة مثلاً اِذا أسلم طهر، وطهر «تبعاً له» طفله الصغير الذي كان نجساً تبعاً لاَبيه. والجد الكافر، والجدة، والاَم اذا اسلموا طهروا، وطهر «تبعاً لهم» طفلهم الصغير الذى كان نجسا تبعا لنجاستهم، كل ذلك فيما اذا كان الصغير مع من اسلم بأن يكون تحت كفالته ورعايته ولا يكون معه كافر اقرب منه اِليه.‏
والخمر اذا انقلت خلاّ طهر، وطهر «تبعاً له» اِناؤه الموضوع فيه.‏
والميّت اذا غسّل الاَغسال الثلاثة طهر. وطهرت «تبعاً له» يد الغاسل، والسدة التي غسل عليها، وثيابه التي غسل فيها.‏
والثوب المتنجّس اذا غسلته بالماء القليل ـ مثلاً ـ طهر، وطهرت «تبعاً له» اليد التي غسلته.‏
المطهّر السادس: الاِسلام.‏
‏‏‏ وكيف يطهر الاسلام؟ ومن يطهر؟
يطهّر الاسلام الكافر المحكوم بالنجاسة بعد أن يُسلم، فيطهر هو ويطهر تبعاً له شعره، وأظافره، وغير ذلك من أجزاء جسده التي كانت نجسة لكفره.‏
المطهّر السابع: غيبة المسلم البالغ أو الصبي المميز.‏
‏‏‏ وما غيبة المسلم؟
ـ أن تفارقك صورته، فلم تعد تراه عينك.‏
‏‏‏ واِذا غاب؟
ـ اِذا غاب طهر، وطهرت معه أشياؤه وادواته التي في حيازته كثيابه. وفراشه، وأوانيه وأمتعته، وغيرها اذا احتملتَ تطهيره لها.‏
‏‏‏ اِضرب لي مثلاً على ذلك.‏.‏
ـ ثوب اخيك مثلاً كان نجساً وهو يعلم بذلك أو لا يعلم ولكنك أنت تعلم بذلك سواءٌ أكان ملتزماً بأحكامه الشرعيّة أو غير ملتزم بها.. ثم غاب عنك أخوك، وعاد ثانية واحتملتَ أنه طهر ثوبه عندئذ تقول: ثوب أخي طاهر.‏
تقول ذلك دون حاجة اِلى سؤاله.‏
المطهّر الثامن: الانتقال.‏
‏‏‏ مثلاً.‏
ـ دم الانسان ـ مثلاً ـ ذاك الذي يتغذّى عليه البق والبرغوث والقمّل من الحشرات التي لا دم لها عرفاً، اِذا شربه الحيوان فاستقرّ في جوفه، ثم قتلت الحيوان، فصبغ ذلك الدم جسدك أو ثبابك، فهو دم طاهر.‏
المطهّر التاسع: الاستحالة.‏
‏‏‏ وما الاستحالة؟
ـ الاستحالة: تبدل شيء اِلى شيء آخر مختلف عنه، وتحوله اِليه لا مجرد تبدل اسمه أو صفته أو تفرق اجزائه.‏
‏‏‏ اِضرب لي مثلاً على ذلك؟
ـ الخشب المتنجس ـ مثلاً ـ اِذا احترق وصار رماداً، فالرماد طاهر. ومخلّفات الحيوان اذا استعملت وقوداً للنار، فرمادها في التنور طاهر، وهكذا..‏
المطهّر العاشر: خروج الدم بالمقدار الطبيعي من الحيوان المذكّى بطريقة شرعية عندئذٍ سنحكم بطهارة الدم الباقي داخله.‏
المطهّر الحادي عشر: انقلاب الخمر خلاًّ، ذلك أن الخل أثناء تكوّنه يتخّمّر في مرحلة ما أحياناً فيتنجّس ثم ينقلب بعد ذلك اِلى خلّ فيطهر.‏
المطهّر الثاني عشر: استبراء الحيوان الجلاّل:‏
فاِن الحيوان المأكول اللحم اذا تعوّد أكل عذرة الانسان حرم أكل لحمه وشرب لبنه وأصبح بوله ومدفوعه وعرق جسمه نجساً.‏
‏‏‏ كيف يتمّ استبراء الحيوان الجلاّل؟
ـ يتمّ ذلك بمنعه عن أكل النجاسة لمدة لا يسمى بعد مضيِّها حيواناً جلالاً بل يصبح حيواناً عاديّاً.‏
‏‏‏ وعندئذ؟
ـ عندئذٍ بعد استبرائه نحكم بطهارة لحمه ولبنه وكل ما تقدّم.‏

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 18:51
« حواريّة الجنابة »


سبقني على غير العادة أبي هذا اليوم اِلى جلسة الحوار هذه .
وحين حضرت لم يلحظ أبي أول الاَمر حضوري.. كان صامتاً، متأمّلاً مطرقاً برأسه اِلى الاَرض. مرخياً عينيه في قلبه، تاركاً ـ كما يبدو ـ لمشاعره حريّة التسلّل خارج جدران الغرفة المفضضة ببياض الاَسئلة وبراءة قلب الطفل.
وما أن لمحني حتّى عاد لعينيه حزمهما الجميل الهادئ ، فرنا اِليَّ قائلاً:‏
سأبدأ حواري بمقدّمة تسلمني اِلى فحوى حديث اليوم.. اِلى حواريّة الجنابة.‏ ثم أردف:‏
ـ حدّثتك في «حواريّة النجاسة» عن النجاسات، تلك التي تسلب من أجسادنا وأجسام الاَشياء طهارتها الاَولى التي كانت عليها.‏
ثم حدّثتك في «حواريّة الطهارة» عن المطهّرات، تلك التي تعيد مرّة اُخرى لاَجسادنا وأجسام الاَشياء طهارتها المغصوبة.‏
ولو رجعت اِلى «النجاسات» لوجدت أنّها أشياء مادّية طارئة على الجسد، منه، أو من غيره.‏
اِنّ هناك اُموراً معنوية غير محسوسة، لو «حدثت» لسلبت من الانسان طهارته، ولاحتاج بعدئذٍ اِلى ما يعيد له طهارته المسلوبة ونقاءه الجميل المفقود.‏
ذلك «الحدث» على نحوين.. أكبر وأصغر.‏
فالحدث الاَكبر: الجنابة والحيض والنّفاس والاستحاضة الكثيرة ومسّ الميّت والموت.‏
والحدث الاصغر: كالبول والغائط والريح والنوم والاستحاضة القليلة وغيرها.‏
والحدث الاَكبر «يغسله الغسل» أو «يمسحه التيمّم».‏
والحدث الاَصغر «يغسله الوضوء» أو «يمسحه التيمّم».‏
وستتناول حوارياتنا القادمة هذه الاُمور أمراً أمراً مبتدئين اليوم بـ«الجنابة».‏
قلت لاَبي:
‏ بماذا تتحقّق الجنابة؟
قال:‏
تتحقّق بأحد أمرين:‏
أولاً: خروج السائل المنوي، سواء أخرج بممارسة جنسيّة، أم باحتلام، أم بعادة سريّة، أم بغير ذلك.‏
‏ ‏‏ وما هي صفات السائل المنوي؟
ـ سائل لزج كثيف، رائحته كرائحة العجين المختمر، حليبي اللّون يميل لون أحياناً اِلى الصفرة أو الخضرة، يخرج في الغالب عند بلوغ الشهوة الجنسيّة ذروتها مصحوباً بالدفق وملحوقاً بارتخاء وفتور للجسد.‏
‏‏‏ واِذا شككت بأن هذا السائل اللزج الخارج هل هو سائل منوي أو هو غيره من السوائل الاخرى؟
ـ سأعطيك علامات ثلاث: اذا اجتمعت ثلاثتهن فهو سائل منوي.‏
هذه العلامات هي: الشهوة، والدفق. وارتخاء الجسد أو فتوره.‏
وفي المريض تكفي الشهوة.‏
‏‏‏ ولو تحقّقت واحدة منهنّ أو اثنتان..؟
ـ قل انّه ليس سائلاً منويّاً، سوى المريض كما ذكرت قبل قليل.‏
‏‏‏ وهل للمرأة سائل منوي كالرجل؟
ـ نعم السائل الخارج من مهبلها عندما تبلغ الشهوة الجنسية ذروتها بحكم السائل المنوي في الرجل سواء في حال النوم أو في حال اليقظة.‏
ثانياً: الاتصال الجنسي ولو لم يؤدّ اِلى نزول السائل المنوي. ويكفي في تحقّق الاتصال الجنسي دخول رأس العضو التناسلي الذكري «الحشفة» في فرج الانثى أو شرجها.‏
‏‏‏ واِذا خرج السائل المنوي أو تحقّق الاتصال الجنسي؟
ـ تحقّقت الجنابة، للفاعل والمفعول به من غير فرق بين الكبير والصغير، والعاقل والمجنون والحيّ والميّت.‏
‏‏‏ واذا تحقّقت الجنابة..؟
ـ وجب عليك الغسل لتصلّي ـ مثلاً ـ أو لتطوف في حجّك. فان الصلاة والطواف تتوقّف صحتهما على الغسل، وسأشرح لك في «حواريّة الغسل» التي ستأتي، كيف تغتسل.‏
ثمّ اِنّه حرمت عليك ما دمت جُنباً أمور:‏
‏ (1) ـ مسّ كتابة القرآن الكريم.‏
‏ (2) ـ مسّ لفظ الجلالة «الله» [وأسماء الله وصفاته الخاصة به كـ «الخالق»].‏
‏ (3) ـ قراءة آية السجدة من كل سورة من سور العزائم الاربع وهي «اقرأ، والنجم، والسجدة، وفصّلت».‏
‏ (4) ـ دخول المساجد او المكث فيها، أو أخذ شيء منها أو وضع شيء فيها [وان كان من خارجها أو في حال الاجتياز فيها].‏
ويجوز للجنب اجتيازها كالدخول من باب والخروج من باب آخر اِلاّ المسجدين الشريفين «المسجد الحرام بمكّة» و«المسجد النبويّ بالمدينة»، [وتلحق المراقد المقدّسة للمعصومين عليهم السلام بالمساجد].‏
‏‏‏ وهل يلحق الصحن والرواق اذا لم يكن مسجداً بالمسجد فيحرم دخولهما؟
ـ كلا لا يلحقان به.‏
‏‏‏ قبل أن نودع حواريّة الجنابة أحبّ أن أسألك وأخجل.‏
ـ سل ما شئت دون خجل فلا حياء في الدّين، أقولها دائماً.. دائماً.‏
‏‏‏ أحياناً بعد أن أُثار جنسيّاً اشاهد نقطة لزجة لسائلٍ أبيض شفّاف تخرج من القضيب.‏
ـ نعم هذا السائل طاهر لا ينجس الملابس ولا الجسد، ولا يجب عليك الغسل ولا الوضوء اذا خرج، وهناك سائل آخر يخرج بعد البول أحياناً، اِنّه كذلك طاهر ولا يجب عليك الغسل اذا خرج.‏
‏‏‏ والعادة السرّية؟
ـ العادة السرّية محرّمة يجب عليك اجتنابها وقد نزّلها الاِمام الصادق عليه السلام في بعض النصوص المرويّة عنه منزلة الزّنا!!

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 18:52
«حوارية الحيض»


جلس أبي على مقعده المعد له في غرفة الحوار هذا اليوم، وعلي شفتيه ابتسامة عريضة جعلتني اُخمن ان امراً غير مألوف يراوده، جلس ليقول:‏
ـ ساُحدثك اليوم عن الحيض.‏
لم أكن أعرف قبل اليوم ماذا يعني الحيض، وان كنت أذكر اني قد سمعت هذه اللفظة من قبل.. غير ان ما اثار فضولي لمعرفتها.. اني سمعتها تلفظ منهن على استحياء.. تلفظ همساً رقيقاً عاجلاً كأن في الكلمة ما يُخجل.. وبمجرد ما تيقنت ان الحديث عن الحيض قد بدأ. خجلت ورحت اداري خجلي فسألت نفسي: لماذا يهيئ الخجل نفسه ليحضر معي.. والحّ عليّ هذا التساؤل.. ثم تطاول فاستحكم، ترى لماذا يهيئ الخجل نفسه ليحضر هنا.‏
واستحوذت عليَّ الفكرة وأسرتني.. لماذا الخجل ولِمَ؟ اِذا كان الحيض امرأ مخجلاً حقاً فكيف سيحدثني عنه أبي هذا اليوم، ثم.. لماذا يحدثني عن أمر مخجل يحسن ان لا يتحدث به أحد.‏
واستذكرت.. فموضوع حوارياتنا كلها يدور حول احكام شرعية، فلا بد أن يكون الحيض موضوعاً يتناوله بالبحث الفقه الاسلامي، واذا كان الامر كذلك؟ فما معنى ان نخجل من الحديث في امر يذكره القرآن الكريم، ويتناوله النبي الكريم محمّد صلّى الله عليه وآله ويتحدث عن احكامه المعصومين عليهم السلام لاصحابهم، ثم بعد ذلك ما معني ان نخجل من أمر يجب أن نحيط باحكامه لنطبقها أو لنجيب من يسأل عنها.‏
وأفقت على صوت أبي يقول:‏
ـ سبب الحيض، خروج دم الحيض، وهو دم تعتاد عليه النساء وتعرفه، يخرج في فترات منتظمة كل شهر تقريباً ويوصف بانه «أحمر» أو مائل اِلى «السواد» و«حار» و«يخرج بحرقة ودفق».‏
‏‏‏ وهل هناك عمر معين للنساء اللاتي يأتيهن الحيض..؟
ـ نعم، ان تكون قد أكملت تسع سنوات قمرية من عمرها، وان لا تكون قد بلغت ستين عاماً قمرياً وهو سن اليأس.‏
‏‏‏ اِذن بين 9 ـ 60 سنة؟
ـ نعم، فكل دم تراه الفتاة قبل بلوغها تسع سنوات ولو بلحظة ليس بدم حيض وكل دم تراه المرأة بعد بلوغها ستين سنة لا تكون له احكامه.‏
‏‏‏ وكم يوماً يستمر نزول دم الحيض؟
ـ أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام تتوسطهما ليلتان، واكثره عشرة أيام.‏
‏‏‏ واذا استمر اقل من ثلاثة أيام وانقطع؟
ـ ليس هذا الدم دم حيض.‏
‏‏‏ واذا زاد على عشرة أيام؟
ـ الحيض لا يزيد على عشرة أيام.‏
‏‏‏ واذا انهت المرأة أيام الحيض وطهرت، ثم عاد فنزل الدم ثانية بعد تسعة أيام مثلاً؟
ـ ليس هذا الدم النازل دم حيض لاَن الفترة الفاصلة بين حيضة وحيضة يجب أن لا تقل عن عشرة أيام دائماً.‏
‏‏‏ متى تعدّ المرأة نفسها حائضاً؟
ـ اذا جاءها الدم في وقت عادتها الوقتية أو قبل وقت عادتها بزمن قليل كيوم أو يومين.‏
‏‏‏ وكيف تكون المرأة ذات عادة وقتية؟
ـ اذا نزل منها دم الحيض مرتين في زمان خاص من شهرين فصاعداً.‏
‏‏‏ واذا لم تكن المرأة ذات عادة وقتية كالفتاة التي يأتيها الدم لاَول مرة أو المضطربة تلك التي لم تستقر لها عادة فمتى تعد نفسها حائضاً؟
ـ تعد نفسها حائضاً اذا تحقق أحد أمرين:‏
‏ 1 ـ اذا كان الدم حاوياً علي صفات دم الحيض وهي الحمرة أو السواد والحرارة والخروج بحرقة ودفق.‏
‏ 2 ـ اذا رأت الدم وأطمأنت باستمرار نزوله اِلي ثلاثة أيام فما زاد.‏
‏‏‏ اذا عدت نفسها حائضاً لاحد الامور المتقدّمة وتركت الصلاة ولكن الدم انقطع قبل اكمال ثلاثة أيام فعلمت أنه لم يكن بدم حيض فماذا تصنع؟
ـ تقضي ما فاتها من الصلاة في تلك الفترة.‏
‏‏‏ اذا استمر الدم النازل عشرة أيام أو أقل متجاوزاً أيام عادتها؟
ـ تعتبر حائضاً طوال فترة نزول الدم وان فقد بعضه صفات دم الحيض.‏
‏‏‏ واِذا استمر الدم أزيد من عشرة أيام وكانت ذات عادة محددة وقتاً وعدداً؟
ـ تعتبر حائضاً في خصوص أيام عادتها لا ما تقدم عليها ولا ما تأخر عنها.‏
‏‏‏ ذات العادة اذا لم تر الدم في وقت عادتها ونزل منها الدم بعد الوقت واستمر لازيد من عشرة أيام وكان بعضه يحمل صفات الحيض وبعضه لا يحمل صفاته فأي منهما حيض؟
ـ الاول منهما، ولكن تراعي في العدد عدد العادة السابقة، فاذا كان ما يحمل صفة الحيض اقل من عدد العادة اكملت العدد باِضافة بعض ما ليس بصفة الحيض، واذا كان ما بصفة الحيض اكثر من عدد العادة تجعل خصوص مقدار عادتها حيضاً.‏
‏‏‏ اذا استمر الدم أزيد من عشرة ايام ولم تكن ذات عادة أصلاً كالمبتدئة والمضطربة والمتحيرة فكيف تميز دم الحيض عن سواه؟
ـ باختلاف الصفة فاذا كان مقدار من الدم النازل تحمل صفات دم الحيض وكان ما بين ثلاثة أيام اِلي عشرة أيام تجعله حيضاً وما سواه دم استحاضة ذاك الذي أحدّثك عن أحكامه في حوارية قادمة.‏
‏‏‏ واذا شكت المرأة في انقطاع دم الحيض؟ اي: شكت بانها طهرت أو لا زالت حائضاً؟
ـ وجب عليها الفحص.‏
‏‏‏ وكيف تفحص؟
ـ ان تدخل قطنة في موضع الدم وتتركها برهة ثم تخرجها فان كانت بيضاء نقية فهي طاهرة وعليها أن تغتسل وتأتي بعبادتها كالصلاة والصوم مثلاً... وان كانت مغموسة بالدم أو مخضبة فهي لا زالت حائضاً.‏
‏‏‏ واِذا علمت المرأة انها حائض؟ فماذا تفعل؟ وماذا تترك؟
ـ أحكام المرأة حال الحيض ما يأتي:‏
‏ 1 ـ لا تصح منها الصلاة.. لا الصلاة الواجبة ولا المستحبة.‏
‏ 2 ـ لا تقضي ما يفوتها من صلوات اثناء الحيض.‏
‏ 3 ـ لا يصح منها الصوم.‏
‏ 4 ـ تقضي ما يفوتها من صوم في رمضان اثناء فترة الحيض، [وكذلك الصوم المنذور في وقت معين].‏
‏ 5 ـ لا يصح منها الطواف في الحج.. واجباً كان أو مستحباً.‏
‏ 6 ـ لا يصح طلاقها وهي حائض اِلاّ في موارد مستثناة.‏
‏ 7 ـ يحرم الاتصال الجنسي في القبل بها أيام الدم، ويجوز بعد انقطاعه وقبل الغسل [بعد غسل الفرج].‏
‏ 8 ـ يحرم عليها كل ما حرم على المجنب «راجع حوارية الجنابة».‏
‏ 9 ـ يجب عليها أن تغتسل للصلاة اذا انتهت فترة الحيض «وسأشرح لك كيف تغتسل في حوارية الغسل الاَتية».‏


* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 18:52
«حواريّة النّفاس»

قال أبي: سأحدّثك اليوم عن النّفاس.‏
‏‏‏ وما النفاس؟
ـ دم تراه المرأة عند الولادة أو بعدها بسبب الولادة ونسمّي المرأة عندئذٍ بالنُفَساء.‏
‏‏‏ وكم يستمرّ النفاس؟
ـ اكثر النفاس عشرة أيام.‏
‏‏‏ وأقلّه..؟
ـ لا حدَّ لاَقلِّه، فقد يكون دقيقة وقد يكون أقل من ذلك.‏
‏‏‏ وهل يختلف النفاس بين امرأة وأخرى؟
ـ النفساء ثلاثة أقسام لكل منها حكم خاص بها.‏
الاول: من لا يتجاوز نزف الدم عندها عشرة أيّام.‏
‏‏‏ وما حكمها؟
ـ تعتبر فترة نزول الدم كلها نفاساً.‏
الثاني: من يتجاوز نزف دمها عشرة أيّام، ولها عادة عدديّة في الحيض محدّدة كأن تكون عادتها في الحيض خمسة ايام من كل شهر.‏
‏‏‏ وما حكمها؟
ـ ان تعتبر مدّة عادتها نفاساً، خمسة أيام في مثالنا السابق.‏
‏‏‏ والاَيّام الباقية؟
ـ تعتبرها استحاضة.‏
الثالث: من يتجاوز نزف دمها عشرة أيّام، وليس لها عادة عدديّة في الحيض محدّدة.‏
‏‏‏ ما حكمها؟
ـ حكمها أن تعتبر مدّة نفاسها عشرة أيّام.‏
‏‏‏ اذا كانت النفساء ذات عادة في الحيض محدّدة، وتجاوز نزف دمها عدد أيّام عادتها. وهي لا تدري هل سينقطع نزف الدم قبل عشرة أيّام، أو سيستمر اِلى ما بعد العشرة؟
ـ يمكنها أن تترك العبادة اِلي تمام عشرة أيّام، فان انقطع نزف الدم اعتبرت المدّة كلها نفاساً، واِن تجاوز الدم اليوم العاشر تغتسل وتعمل عمل المستحاضة.‏
‏‏‏ وتلك المدة الفاصلة بين نهاية عادتها وتمام العشرة، تلك التي تركت فيها العبادة؟
ـ تعتبرها استحاضة، وتقضي ما فاتها فيها من عبادة.‏
‏‏‏ اذا انقطع نزف الدم في اليوم الاول ثم عاد لينقطع مرّة أخرى في اليوم العاشر مثلاً أو في أيِّ يوم كان قبله..؟
ـ كان النزف الاَوّل والنزف الثاني كلاهما نفاساً.‏
‏‏‏ وفترة النقاء الفاصلة بينهما؟
ـ [حكمها أن تجمع فيها بين أعمال الطاهرة من النّفاس وما تتركه النفساء].‏
‏‏‏ اذا انقطع نزف الدم ثم عاد، ثم انقطع، ثم عاد، وهكذا، ولكنه لم يتجاوز بمجموعه عشرة أيّام؟
ـ كانت أيّام الدم كلها نفاساً وامّا أيّام النقاء [فتجمع فيها بين اعمال الطاهرة وتروك النفساء].‏
‏‏‏ اذا أتمّت النفساء نفاسها، ثمّ رأت الدّم بعد ذلك؟
ـ كل دم تراه النفساء بعد اِتمام نفاسها واِلى عشرة أيّام لاحقة فهو استحاضة، سواءٌ أكان الدّم بصفات دم الحيض أم لم يكن، وسواء أكان في أيّام عادتها أم لم يكن.‏
‏‏‏ وماذا يترتّب على النفساء من أحكام.‏
ـ يترتّب عليها كل ما ترتّب على الحائض من أحكام سواءٌ أكانت واجبات أم مستحبات أم مكروهات أم محرمات [حتّى حرمة قراءة آية السجدة من سور العزائم، ودخول مسجدي مكّة والمدينة ولو علي نحو الاجتياز، ودخول المساجد الاَخرى بغير اجتياز، ووضع شيء في المساجد] راجع حواريّة الحيض.‏


* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 18:52
«حواريّة الاستحاضة»

جلس أبي جلسته المعتادة مزداناً به مكانه المخصّص له كل يوم، وبدأ فأضفى على حوار اليوم اسم «الاستحاضة».‏
وما أن أتمت كلمة الاستحاضة تكوينها اللفظي واستوت كجسدٍ من كلام حتى خطر في ذهني ان حروف الكلمة هي حروف كلمة الحيض، مصاغة منها، أو محورة عنها واِذ استولى عليَّ هذا الخاطر برق في ذهني خيط من دم راعف، وأخذ يتشكّل متخذاً هيئة امرأة.‏
‏‏‏ فقلت: وهل الاستحاضة من مختصّات النساء؟
قال: نعم.‏
‏‏‏ قلت: وهل هي نضح دموي..؟
قال: نعم.. ولكن..‏
ولكن ماذا؟
ـ لكن شرط أن لا يكون دم حيض، ولا نفاس، ولا جرح، ولا قرح ولا افتضاض بكارة.‏
قلت: معنى هذا أن الاستحاضة هي كل دم لا يكون حيضاً ولا نفاساً ولا جرحاً ولا قرحاً ولا دم تمزق غشاء البكارة.‏
قال: نعم.‏
قلت: هذه دماء عديدة.‏
قال: بعضها دليل خصوبة المرأة وشبابها. ألا ترى انّها حين تشيخ وينقطع عنها دم الحيض لا تنجب.‏
قلت: دم الجروح والقروح والنفاس معروف عادة. ولكن كيف تعرف المرأة أن هذا الدم دم استحاضة. وليس دم حيض.‏
قال: تذكَّر مواصفات دم الحيض؟
قلت: نعم، فهو دم أحمر أو أسود، يخرج بحرقة، وحرارة.‏
قال: غالباً ما تكون مواصفات دم الاستحاضة مخالفة لمواصفات دم الحيض، فدم الاستحاضة غالباً اصفر اللون، ورقيق، ويخرج بلا لذعٍ ولا حرقة.‏
قلت: وكيف تشخص المرأة أن هذا الدم ليس دم تمزّق غشاء البكارة اِذا صادف ذلك يوم الزواج؟
قال: دم تمزّق غشاء البكارة يحيط بالقطنة، ويطوِّقها كهلال من دم، بينما قد تنغمس القطنة بدم الاستحاضة، وقد يزيد فيتجاوزها اِلى ما ربطتها به؟
‏‏‏ اذن دم الاستحاضة قد يستوعب القطنة بخضابة؟
ـ نعم، وقد لا يستوعبها، فالاستحاضة علي ثلاثة أقسام:‏
استحاضة كثيرة: اِذا انغمست القطنة بالدم وزاد، فتجاوزها اِلى ما ربطتها به ولوّثه.‏
واستحاضة متوسطة: اِذا انغمست القطنة بالدم، ولكنّه توقف عندها فلم يتجاوز اِلى ما ربطتها به.‏
واستحاضة قليلة: اِذا لوَّن الدّم القطنة ولم يغمسها، لقلته.‏
‏‏‏ وما حكم كل منها؟
ـ في الاستحاضة الكثيرة، يجب علي المرأة أن تغتسل ثلاثة اغسال، غسلاً لصلاة الصبح، وغسلاً لصلاتي الظهر والعصر اِذا جمعتهما وغسلاً لصلاتي المغرب والعشاء اِذا جمعتهما.‏
‏‏‏ واذا فرّقت بينهما؟
ـ اغتسلت لكل صلاة.‏
وهل هذا حكمها في مطلق الاَحوال؟
ـ لا، بل هذا حكمها فيما اِذا كان الدم صبيباً لا ينقطع بروزه على القطنة وامّا اِذا كان بروزه عليها متقطعاً بحيث تتمكن من الاغتسال والاتيان بصلاة واحدة أو أزيد قبل بروز الدم عليها مرّة اخرى [فعليها تجديد الغسل كلما برز الدم، فلو اغتسلت وصلت الظهر ثمّ برز الدم على القطنة قبل صلاة العصر أو في اثنائها وجب عليها الاغتسال لها] ولو كان الفصل بين البروزين بمقدارٍ تتمكّن فيه من الاتيان بصلاتين أو عدة صلوات جاز لها ذلك من دون حاجةٍ الى تجديد الغسل.‏
هذا في الاستحاضة الكثيرة.‏
وفي الاستحاضة المتوسطة يجب عليها ان تتوضأ لكل صلاة [وتغتسل في كل يوم مرّة واحدة قبل وضوءاتها].‏
‏‏‏ اضرب لي مثلاً علي ذلك.‏
ـ قبل صلاة الفجر ـ مثلاً ـ اكتشفت المرأة انها مستحاضة فاختبرت نفسها فكانت استحاضتها متوسطة [تغتسل] ثم تتوضأ لصلاة الفجر ويكفيها غسلها هذا لكل صلوات ذلك اليوم مع وضوء لكل صلاة، فان حلّ اليوم الثاني [اغتسلت] ثم توضأت وهكذا لو توالت بتلك الصفة فلم تنقص ولم تزد.‏
وفي الاستحاضة القليلة: يجب عليها فقط ان تتوضأ لكل صلاة واجبة كانت أم مستحبة.‏
‏‏‏ وهل تتبدل استحاضة المرأة من قسم الى قسم؟
ـ نعم قد تتبدّل فتتحول القليلة الى كثيرة، والكثيرة اِلى قليلة، وهكذا.‏
‏‏‏ وكيف تعرف المرأة بتحوّل استحاضتها؟
ـ [عليها أن تختبر نفسها قبل الصلاة لتعرف ذلك]، ثمّ لتعمل وفق ما تقتضيه نتيجة الاختبار. فاذا تبيّن أنها استحاضة قليلة عملت بما تمليه عليها أحكام الاستحاضة القليلة. واِن تبين أنّها استحاضة متوسطة عملت بما تمليه عليها أحكام الاستحاضة المتوسطة وهكذا.‏
‏‏‏ والقطنة المنقوعة بالدم والشداد وما ربطتها به اِذا لاقى الدّم؟
ـ يحسُن بها ان تبدلهما أو تطهرهما لكل صلاة اِذا كانت استحاضتها قليلة أو متوسطة واما اِذا كانت كثيرة [فيلزمها ذلك ان امكنها] وتتحفظ من خروج الدم للفترة من نهاية الغسل اِلى نهاية الصلاة، اِذا لم يضر بحالها تحفّظها.‏
‏‏‏ وهل عليها أن تسرع اِلى الصلاة بعد الاتيان بما عليها من الطهارة؟
ـ [نعم].‏
ـ وماذا يترتّب على الاستحاضة من أحكام؟
ـ أوّلاً: يجب على المستحاضة أن تتطهّر بعد انقطاع الدم للصلاة الاَتية بالوضوء اِن كانت استحاضتها قليلة أو متوسطة وبالغسل اِن كانت استحاضتها كثيرة.‏
ثانياً: يحرم على المستحاضة بأقسامها الثلاثة مسّ كتابة القرآن الكريم قبل تحصيل طهارتها ويجوز بعده قبل اتمام صلاتها.‏
ثالثاً: يجوز طلاق المستحاضة أثناء الاستحاضة.‏
رابعاً: لا يترتب على الاستحاضة ما كان يترتّب على الحيض: من حرمة الاتصال الجنسي، وحرمة دخول المساجد، والمكث فيها، ووضع شيء فيها، وقراءة آيات السجدة.‏
خامساً: يصحّ الصوم في الاستحاضة القليلة والمتوسطّة واِن لم تأت المستحاضة بما يجب عليها للصلاة من الوضوء أو الغسل. واما المستحاضة استحاضة كثيرة فذهب جمع من الفقهاء رضوان الله عليهم اِلى ان صحة صومها تتوقّف على اتيانها بما يجب عليها من غسل الليلة السابقة على يوم الصوم ومن اغسال نهارية. ولكن الاَصحّ أنّه لا يتوقف على ذلك صحة صومها.‏
سادساً: لا يجب على المستحاضة الكثيرة الوضوء مع الاَغسال ويجب على المستحاضة المتوسطة الوضوء بعد الغسل [الواجب عليها].‏

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 18:53
«حواريّة الموت»




لا أكتمكم أني ساعة بدأ أبي حواره عن الموت كنت متوتّراً، مستفّز الاعصاب، مستنفراً، قلقاً، مشدوداً شداً عنيفاً الى وجه أبي ونبرات صوته وانحناءاتها وهو يتحدث عن الموت ببطء حذر، ينمُّ عن توجس محسوب‏‏‏.‏‏‏‏‏‏‏‏‏‎‏‏
‏‏‏‏‏ لا أكتمكم كذلك أني كلما تفوَّه أبي بكلمة «الموت» ـ تلك الكلمة المخيفة المرعبة المجهولة ـ أحسست بتسارع غير طبيعي لنبض بات لفرط خوفي مما أصغي اِليه يصبغ وجهي وأذنيّ على غير قصد مني بلون قاتم وينثر فوق جبهتي وأنفي حبات مكتنزة من عرق محموم‏‏‏ .
واِذ اكتسبت نبرة صوت أبي الخفيضة وشاحاً رماديّاً من توجس حذر وهو يسرد التفاصيل عن «الموت والميّت» راحت وتائر خوفي وقلقي تتصاعد شيئاً فشيئاً حتي فضحتني‏‏ .
‏ ثمّ زادت، فضيقت عليّ بعد افتضاح أمري فرجة بوابة الاعتراف‏‏ .
‏ وحين لاحظ أبي امارات الخوف على تضاريس وجهي وحدقات عينيَّ طاغية مستحكمة سألني.‏‏ .
‏ ـ أأنت خائف..؟‏
‏ ‏‏ وكيف لا أخاف!‏ .
‏ ـ أخاف أنت من الموت أم من الميت؟‏
‏ ‏‏ واِذ كنتُ أخاف من الميت أكثر ممّا أخاف من الموت قلت:‏‏ .
‏ من الميت‏‏.
‏ لقد كان خوفاً مرعباً ذاك الذي اعترفت به اليوم. فلم أكن قد شاهدت طيلة عمري شخصاً يحتضر أو يموت، بل لم أكن قد سمعت قبل يومي هذا سرداً عمّا ينبغي عليّ أن أفعله وأمامي من يحتضر أو يموت‏‏ .
‏ كنت قبل هذا اليوم حين اشاهد جنازة محمولة تنتابني حالة اكتئاب مضجر، وضيق موجّع، حتي لاُحولُ بصري عنها لاَقطع خيط الذّاكرة من أن يسترسل‏‏ .
‏ ‏‏ نعم أخاف من الميّت‏‏ .
‏ قتلها مرة أخرى لاُعيد تثبيت قناعتي‏‏ .
‏ ـ أتخاف من الميت أكثر مما تخاف من الموت وما بعد الموت؟‏
‏ قال أبي وأضاف: أتخاف من كان قبل لحظة موته حياً مثلك يأكل ويشرب، ويبكي ويضحك، ويتنزه ويحلم، وينام‏‏ .
‏ ثمّ..ثمّ هجم عليه ما لو هجم على كل حيّ لصرعه‏‏ .
‏ لماذا لا تكون واقعياً أكثر، فتخاف من الموت أكثر مما تخاف من الميت؟‏
‏ أسألت نفسك أين ذهبت كل تلك الامم السالفة وأجيالها المتعاقبة يوم «اصبحت مساكنهم أجداثاً، وأموالهم ميراثاً، لا يعرفون من آثارهم، ولا يحفلون من بكاهم، ولا يجيبون من دعاهم»‏‏ .
‏ فكم.. و (كم تركوا من جنات وعيون * وزورع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوماً آخرين)‏‏ .
‏ ثمّ أين ذهب من تعرف ممن ذهب؟‏
‏ أين آباؤك السابقون، واجدادك الماضون.. أين فلان.. أين فلان.. أين فلان..؟! لقد «استبدلوا بظهر الاَرض بطناً، وبالسعة ضيقاً، وبالاَهل غربة، وبالنّور ظلمة»‏‏ .
‏ ثمّ أنشد أبي:‏
‏‏
كلنا في غفلة والموت يغـدو ويـروح‏
‏ نح على نفسك يا مسكيـن ان كنت تنوح‏
‏ لست بالباقي ولو عمّرت ما عمـرّ نـوح‏

وران صمت كثيف على وجهه كانت الدّقائق تمر فيه ثقيلة بطيئة متأنّية كمن يعيد ترتيب صورة ما في ذهنه، أو يعيد تجميع شيء متناثر هنا وهناك في ذاكرته حتّى قطع صوته حبل ذلك الصمت قائلاً:‏‏
‏ رحمك الله يا أبا الحسن يومَ قلت قبل ساعة موتك: «أنا بالاَمس صاحبكم، وأنا اليوم عبرة لكم، وغداً مفارقكم، ليعظكم هدوِّي، وخفوت اِطراقي، وسكون أطرافي، فانّه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ والقول المسموع »
‏ ويوم قلت يا سيدي:‏‏ .
‏ «واعلموا أنّه ليس لهذا الجلد الرّقيق صبر على النار، فارحموا نفوسكم فانّكم قد جربتموها في مصائب الدنيا‏‏ .
‏ أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه، والعثرة تدميه، والرمضاء تحرقه؟ فكيف اِذا كان بين طابقين من نار ضجيع حجر وقرين شيطان؟‏
‏ أعلمتم أن مالكاً اِذا غضب على النار حطّم بعضها بعضاً لغضبه، واذا زجرها توثّبت بين أبوابها جزعاً من زجرته»؟!‏ .
‏ وأردف أبي:‏‏
‏ آن لك وقد تكلفت أن تخاف الموت لهول ما بعد الموت (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد). (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد)‏‏.
‏ وليكن الميّت أو المحتضر مذكراً لك بما سيؤول اِليه مصيرك.. لا مخيفاً مرعباً لك‏.
‏ قالها أبي وصمت ومنذ قالها بدأت أعيد النظر بترتيب مخاوفي من جديد بتأمل واعٍ الى أن قطع أبي عليَّ تأمُّلاتي مؤكِّداً:‏.
‏ اِذا صادف أن حضرت محتضراً مسلماً فدع مخاوفك جانباً [ووجِّهه الى القبلة]‏.
‏ ‏‏ وكيف اوجِّهه؟
‏ ـ ضعه على قفاه واجعل باطن رجليه الى القبلة‏.
‏ ‏‏ معنى هذا أن أمدِّد رجليه باتجاه القبلة‏.
‏ ـ بالضبط سواء أكان المحتضر رجلاً أم امرأة، كبيراً أم صغيراً‏.
‏ ويستحب أن تلقّنه الشهادتين. والاقرار بالنبي صلّى الله عليه وآله والاَئمة عليهم السلام وتقرأ عنده سورة «الصافات» ليسهّل عليه النزع ويكره أن يحضر المحتضر مجنب أو حائض. وأن يمس حال النزع‏.
‏ ‏‏ واذا مات؟
‏ ـ اِذا مات يستحب أن تغمض عينيه، وتغلق فمه، وتمد يديه الى جانبيه، وساقيه، وتغطيه بثوب، وتقرأ عنده القرآن وتضيء البيت الذي كان يسكنه وتخبر المؤمنين بموته ليحضروا جنازته، ويستحب الاسراع في تجهيزه اِلاّ أن تشتبه بموته وتشك فيه‏.
‏ ‏‏ واذا اشتبهت بموته؟
‏ ـ عندئذ يجب تأخيره حتى تتأكّد من موته، فاذا تأكّدت وجب تغسيله رجلاً كان أو امرأة، صغيراً كان أو كبيراً‏.
‏ ‏‏ والسقط..؟
‏ ـ حتى السقط اِذا أتمِّ أربعة أشهر [بل وان لم يتمّها اِذا كان مستوي الخلقة] ولكن لا تجب الصلاة عليه ولا تستحب‏.
‏ ‏‏ ومن يغسل الميت؟
‏ ـ يغسِّل الذكرَ الذكرُ وتغسِّل الاُنثى الاُنثى، اِلاّ في الزوج والزوجة فيجوز لكل منهما تغسيل الاَخر وكذا الصبي المميّز سواء الذكر والانثى فانّه يجوز تغسيله للذكر والانثى وهكذا المحرم فانه يجوز له ان يغسل محرمه غير المماثل له [فيما اِذا لم يوجد المماثل]‏.
‏ ‏‏ وكيف يغسّل الميت؟
‏ ـ يغسّل ثلاثة أغسال‏.
‏ الاَوّل: بماء السدر‏.
‏ والثاني: بماء الكافور‏.
‏ والثالث: بالماء الخالص‏.
‏ [علي أن يكون الغسل ترتيبياً] بأن تغسل الرأس والرقبة أوّلاً، ثمّ الجانب الاَيمن، ثمّ الجانب الاَيسر وأن يكون الماء المستعمل في الغسل طاهراً غير نجس، ومباحاً غير مغصوب، ومطلقاً غير مضاف، وأن يكون السدر، والكافور مباحين أيضاً‏.
‏ ‏‏ وهل تخلع ملابس الميت أثناء الغسل؟
‏ ـ يجوز تغسيله بملابسه ولعله أفضل مما لو كان مجرّداً منها‏.
‏ ‏‏ وكيف يكون الماء مطلقاً وتجب اِضافة السدر أو الكافور اِليه؟
‏ ـ يضاف اِليه من السدر والكافور بمقدار لا يحوله الى ماء مضاف‏.
‏ ‏‏ واذا تنجّس جسد الميّت بنجاسة خارجية أو بنجاسة من الميّت أثناء الغسل؟
‏ ـ وجب تطهير ما تنجّس منه. ولا تجب اِعادة الغسل‏.
‏ ‏‏ وبعد الانتهاء من تغسيل الميت؟
‏ ـ يجب تحنيطه وتكفينه‏.
‏ ‏‏ وما التحنيط؟
‏ ـ امساس مواضع السجود السبعة بالكافور المسحوق المحتفظ برائحته، والمباح غير المغصوب، والطاهر غير النجس [وان لم يوجب تنجس بدن الميت] ويفضل ان يتم التحنيط بالمسح بالكف ابتداءً من الجبهة‏.
‏ ‏‏ وبقية مواضع السجود الاخرى؟
‏ ـ لا ترتيب بينها‏.
‏ ‏‏ وكيف يكفن الميت.
‏ ـ يجب تكفين الميت بقطع ثلاث:
‏‏ 1 ـ المئزر [ويجب ان يستر ما بين السرة والركبة]‏.
‏ ‏ 2 ـ القميص [ويجب أن يستر المسافة ما بين الكتفين الى نصف الساق].
‏ ‏ 3 ـ الازار: ويجب ان يغطي جميع الجسد [على أن يكون طولاً بحيث يمكن أن يشدّ طرفاه العلوي والسفلي].
‏ ‏‏ وعرضاً؟
‏ ـ وعرضاً [بحيث يقع أحد جانبيه على الاَخر].
‏ ‏‏ وهل هناك شروط أخري لهذه القطع؟
‏ ـ نعم يشترط أن يكون بمجموعها ساترة لبدن الميت، وان لا تكون مغصوبة، ولا من الحرير الخالص، [ولا من المذهّب، ولا من اجزاء الحيوان الذي لا يؤكل لحمه] ولا نجساً اِلاّ في حالة الاضطرار فيجوز التكفين بغير المغصوب من المذكورات حينئذٍ‏.
‏ ‏‏ واذا تعذرت القطع الثلاث؟
‏ ـ يكفن الميت بما يتيسر منها‏.
‏ ‏‏ وماذا بعد تغسيل الميت وتحنيطه وتكفينه؟
‏ ـ تجب الصلاة عليه وان كان طفلاً قد عقل الصلاة كأن يكون ابن ست سنوات‏.
‏ ‏‏ وكيف يُصلّى عليه؟
‏ ـ الصلاة على الميت تختلف عن الصلاة اليومية فهي خمس تكبيرات لا قراءة سورة فيها ولا ركوع، ولا سجود، ولا تشهد، ولا تسليم بل يدعو المصليّ للميّت عقيب احدى التكبيرات الاَربع الاُول وامّا في البقيّة فيتخيّر بين الصلاة علىالنبي صلّىالله عليه وآله والدّعاءَ للمؤمنين وتمجيد الله تعالى.
‏ ‏‏ اذكر لي صورة موجزة لها‏.
‏ ـ يُكبِّر التكبيرة الاولىويتشهَّد الشهادتين، ثم يُكبِّر التكبيرة الثانية ويُصلّي على النبي محمّد صلّى الله عليه وسلّم وآله عليهم السلام، ثم يكبِّر التكبيرة الثالثة ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ثم يكبِّر التكبيرة الرابعة ويدعو للميّت ثمّ يكبِّر التكبيرة الخامسة وينصرف‏.
‏ ‏‏ وهل هناك أشياء معتبرة في الصلاة على الميت؟
‏ ـ نعم، يعتبر فيها أمور:‏.
‏‏ 1 ـ النيّة، مع تعيين الميّت بنحو يرفع الابهام‏.
‏ ‏ 2 ـ القيام، مع القدرة عَليه‏.
‏ ‏ 3 ـ أن تكون بعد غسل الميّت وتحنيطه وتكفينه‏.
‏ ‏ 4 ـ أن يستقبل المصلّي القبلة في حال الاختيار‏.
‏ ‏ 5 ـ أن يكون الميّت أمام المصلِّي‏.
‏ ‏ 6 ـ أن يكون رأس الميّت على يمين المصلي ورجلاه الى يساره‏.
‏ ‏ 7 ـ أن يوضع الميّت على ظهره عند الصلاة عليه‏.
‏ ‏ 8 ـ أن لا يكون حائل بين الميّت والمصلي كالستر والجدار ولا يضرّ الستر بمثل النعش أو الميت الاَخر‏.
‏ ‏ 9 ـ أن لا يفصل بين الميت والمُصلي بُعدٌ مفرط، وأن لا يعلو أحدهما على الاَخر علوّاً مفرطاً، ولا يضرّ الفصل مع اتصال الصفوف في الصلاة جماعة أو مع تعدّد الجنائز اذا صلّىعليها دفعة واحدة‏.
‏ ‏ 10 ـ ان يأذن ولي الميت كأبيه أو ابنه مثلاً المصلي باداء الصلاة‏.
‏ ‏11 ـ أن يوالي المصلّي بين التكبيرات والادعية والاذكار‏.
‏ ‏‏ لماذا لم تذكر شرط طهارة المصليّ كأن يكون على وضوء أو غسل أو تيمّم؟
‏ ـ لاَنها غير واجبة في هذه الصلاة‏.
‏ ‏‏ واذا انتهت الصلاة؟
‏ ـ يجب دفن الميّت ويكفي فيه مواراته في الارض مع تحقّق امرين:‏.
‏ الاول: حفظه من الحيوانات المفترسة مع احتمال وجودها في المكان‏.
‏ والثاني: اخفاء رائحته من النّاس مع احتمال وجود من يتأذي بها في المكان.‏
‏ ويوضع على جانبه الاَيمن في قبره مع توجيه وجهه الى القبلة‏.
‏ ‏‏ وهل من شروطٍ لمكان الدفن؟
‏ ـ نعم.‏.
‏‏ 1 ـ أن يكون المكان مباحاً غير مغصوب، وغير موقوف لجهة خاصّة كالمدارس والحسينيّات وامثالها مع الاضرار بالعين الموقوفة أو المزاحمة لجهة الوقف [بل وان لم يكن مضراً أو مزاحماً].
‏ ‏ 2 ـ ألاّ يستلزم هتك حرمة الميّت المسلم بالدفن فيه كالمواضع القذرة والمزابل‏.
‏ ‏ 3 ـ أن لا يدفن في مقابر الكفار‏.
‏ ‏‏ وبعد الدفن؟
‏ ـ روي عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «لا يأتي على الميّت أشدّ من أول ليلة، فارحموا موتاكم بالصدقة، فاِن لم تجدوا فليصل أحدكم ركعتين له، يقرأ في الاولى بعد الحمد آية الكرسي، وفي الثانية بعد الحمد سورة القدر عشر مرات، يقول بعد السلام «اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد وابعث ثوابها الى قبر فلان» ويسمّي الميّت‏.
‏ ‏‏ ذكرت لي في حوارية سابقة غسلاً أسميته غسل مسِّ الميت‏.
‏ ـ نعم، يجب الغُسل على من مسَّ بدن الميت بعد أن يبرد وقبل اِتمام تغسيله مسلماً كان الميّت أو كافراً‏.
‏ ‏‏ مع وجود البلل؟
‏ ـ معه وبدونه، سواء أكان مسَّ الميّت اضطراريّاً أم اختيارياً‏.
‏ ‏‏ وماذا يترتّب على من مسَّ الميّت؟
‏ ـ يترتب عليه:‏
‏‏ 1 ـ وجوب الغُسل لما يشترط في صحّته الطهارة كالصلاة، فاذا أراد أن يصلّي يجب عليه أن يغتسل أوّلاً‏.
‏ ‏ 2 ـ حرمة مسِّ كتابة القرآن الكريم، وكلّ ما حرم على المحدث مسُّه‏.
‏ ـ سكت أبي هنيئة ثمّ قال:‏
‏ ـ اذا توفّي الزّوج وجب على زوجته العدة مهما كان عمر الزّوجة، بما في ذلك غير المدخول بها وتعتدّ الزّوجة غير الحامل أربعة أشهر وعشر أيّام ويلزمها ان كانت بالغة عاقلة ان تترك في مدة العدّة الزّينة في الجسد والملابس حيث يحرم عليها لبس الملابس التي تعتبر ملابس زينة كالملابس الحمراء مثلاً وغيرها، كما يحرم عليها لبس الحلي والاكتحال واستعمال الطيب والخضاب والحمرة بينما يحق للمعتدة تنظيف الجسد والملابس وتقليم الاظافر والاستحمام والخروج من البيت وخاصّه لاَداء حق أو قضاء حاجة أو فعل طاعة أو ضرورة‏.
‏ ‏‏ والزوجة الحامل؟
‏ ـ أما الزوجة الحامل اذا توفّي عنها زوجها فحكمها أن تبقى معتدّة حتى تضع حملها وتلد، ثم تنظر فاِن كان قد مضى على وفاة زوجها عندما ولدت ‏ أربعة أشهر وعشرة أيّام فقد انتهت عدّتها واِن لم تكن قد مضت هذه المدّة تستمّر في عدّتها حتى تبلغ هذه المدّة‏.


* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 18:53
«حواريّة الوضوء»

عن الوضوء سأحدّثك اليوم ـ قال أبي ـ ، وسأحدثك بعده عن الغسل والتيمّم‏. فقلت في نفسي: نحن اِذن على باب أول مطهِّر لجسد سلب منه «حدثٌ ما» طهارته‏.
‏ ورحت استذكر على عجل نماذج مما «يحدث» فيسلب طهارة جسدٍ كان متنعماً قبل ذلك بنقائه مكسوّاً ببياض طهارته‏.
‏ وحين تم لي ذلك التذكر، وطاوع ذاك الاسترجاع، عدت فسألت نفسي. تُرى لماذا أتطهّر بالوضوء؟ ثمّ عنّ لي أن أنقل هذا التساؤل الى أبي مادام هو أمامي الاَن‏.
‏ ‏‏ ولماذا نتوضّأ؟
‏ ـ حتى نصلّي.. مثلاً‏.
‏ حتى نطوف حول بيت الله الحرام في الحج أو العمرة، مثلاً‏.
‏ حتى يجوز لنا مسّ كتابة القرآن الكريم [واسمائه تعالى وصفاته الخاصّة به «كالرّحمن والخالق»]، مثلاً‏.
‏ ‏‏ أتوضّأ بالماء طبعاً.. ولكن هل من شروط في الماء الذي أتوضّأ به؟
‏ ـ نعم‏.
‏‏ 1 ـ أن يكون الماء طاهراً، وأعضاء وضوئك كلّها طاهرة. ويكفي أن يكون غَسلُها للوضوء تطهيراً لها فيما لو كان الماء معتصماً‏.
‏ ‏ 2 ـ أن يكون مباحاً غير مغصوب، وكذلك المكان الذي تتوضّأ فيه‏.
‏ وينبغي أن تعرف أن المقصود من اشتراط اباحة المكان انّه اذا انحصر الوضوء بالمكان المغصوب سقط عنك وجوب الوضوء، وعليك أن تتيمّم لكنّك لو خالفت وتوضأت في المكان المغصوب صحّ وضوؤك وان كنت آثماً‏.
‏‏ 3 ـ أن يكون مطلقاً غير مضاف، كماء الاسالة، وماء الكأس الذي تشربه، لا ماء الرمّان ـ مثلاً ـ.
‏ ‏‏ وكيف أتوَضّأ..؟
‏ ـ بعد أن تنوي الوضوء تقرّباً الى الله تعالى تبدأ: ـ
‏ أوّلاً: تغسل وجهك من منبت الشّعر أعلى الجبهة الى الذّقن طولاً، وما دارت عليه الابهام والاِصبع الوسطى عرضاً. فاذا فتحت كفّك على سعتها ووضعتها على وجهك فكل ما استوعبته كفّك ما بين طرف الابهام وطرف اصبعك الوسطى فهو ما تغسله من عرض وجهك‏.
‏ مع ملاحظة [أن تغسل وجهك مبتدئاً من أعلاه الى أسفله] من دون حاجة الى تخليل الشعر الكثيف‏.
‏ ثانياً: تغسل يديك من المرفق الى أطراف الاصابع مبتدئاً باليد اليمنى ثمّ اليسرى غاسلاً من أعلى المرفق ونازلاً الى أطراف أصابعك منتهياً بأصابعك دائماً‏.
‏ ‏‏ وما المرفق؟
‏ ـ مجمع عظمي العضد والذراع‏.
‏ ثالثاً: تمسح مقدّم رأسك ويرجّح أن يكون بباطن كفّك اليمنى وأن تبدأ المسح من الاَعلى الى الاَسفل ويجزيك أن تمسح على الشعر المختص بالمقدّم ولا يجب المسح على البشرة‏.
‏ رابعاً: تمسح رجليك ما بين أطراف الاَصابع ومفصل الساق ويرجّح ان تمسح رجلك اليمنى بنداوة كفّك اليمنى ورجلك اليُسرى بنداوة كفّك اليسرى ولا يجوز المسح بماء جديد [كما لا يجوز تقديم الرجل اليسرى على اليمنى في المسح].
‏ ولاحظ في وضوئك ما يلي:‏
‏ أ ـ الترتيب، تغسل وجهك قبل يدك اليمنى، ويدك اليمنى قبل يدك اليُسرى، وتمسح رأسك قبل مسح رجليك‏.
‏ ب ـ الموالاة: ويُقصد بها التتابع العرفي بين أفعال الوضوء، ويكفي في الحالات الطارئة، كنفاد الماء أو النسيان ان يكون الشروع في غَسل العضو اللاحق أو مسحه قبل أن تجف الاعضاء السابقة عليه فان جفّت جميعها بطل الوضوء، وتجدر الاشارة الى أنّه لا يضرّ الجفاف لو كان مسببه الرّياح أو الحرّ أو التجفيف اذا كان التتابع العرفي متحقّقاً‏.
‏ جـ ـ المباشرة، بأن تتوضّأ بنفسك اِن أمكنك ذلك‏.
‏ ‏‏ واذا لم يمكنّي ذلك؟
‏ ـ اذا لم تستطع، يمكن أن يوضئك غيرك، فيرفع يدك ويغسل بها وجهك، ثمّ يغسل بها يديك، ويمسح بكفِّك اليمنى رأسك، ثم بكفيك رجليك بنداوة يديك‏.
‏ د ـ أن لا يكون هناك حائل يمنع وصول ماء الوضوء الى البشرة كالصبغ والصمغ وطلاء الاَظافر للنساء وغيرها، علماً بأن الدسومة لا تضر ولا تحجب‏.
‏ هـ ـ أن لا يكون هناك سبب يمنعك من استعمال الماء كالمرض، واِلاّ وجب عليك التيمّم بدلاً من الوضوء‏.
‏ ‏‏ اذا توضأت ثم جاء وقت صلاة اُخرى فهل عليّ أن أجدّد الوضوء؟
‏ ـ لا ما لم ينتقض وضوؤك‏.
‏ ‏‏ وكيف ومتى ينتقض وضوئي؟
‏ ـ نواقض الوضوء ونواسخه سبعة: خروج البول، والغائط، والريح، والنّوم، وكل ما يزيل العقل كالاغماء والسكر والاستحاضة القليلة والمتوسطة «راجع حواريّة الاستحاضة»، والجنابة‏.
‏ ثم لمعت عينا أبي فحدست أن قاعدة ما أو قواعد بدأت تلملم خيوطها في ذهنه فصدَّق الواقع حدسي‏.
‏ هاهو ذا أبي يقول: سأختتم حواريّتي بقواعد عامة عن الوضوء تنفعك.‏.
‏ القاعدة الاولى: كل من توضّأ ثمّ شك بعد ذلك هل انتقض وزال وضوؤه بأحد النواقض السبعة الماضية أو بقي على طهارته، فهو باق على طهارته. على وضوئه‏.
‏ ‏‏ مثلاً.؟
‏ ـ توضّأت صباحاً أنت متأكّد من ذلك الاَن، وحين حلّ وقت صلاة الظهر أردت أن تصلّي، فشككت هل دخلتَ المرافق بعد وضوئك فانتقض وضوؤك أم لم تدخلها فبقيت على طهارتك، حينئذٍ تقول: أنا متوضئ، وتُصلي‏.
‏ القاعدة الثانية: كل من لم يتوضّأ أو توضّأ وانتقض وزال وضوؤه. ثمّ شك بعد ذلك هل توضّأ ثانية أو لم يتوضّأ؟ فهو غير متوضّئَ‏.
‏ ‏‏ مثلاً.؟
‏ ـ استيقظت من نومك صباحاً، وحين حلّ وقت صلاة الظهر أردت أن تصلي، فداهمك الشَّكّ، تُرى هل توضّأت بعد استيقاظي من نومي أو لم أتوضّأ؛ حينئذٍ تقول اِنّي غير متوضئ فتتوضّأ وتصلّي‏.
‏ القاعدة الثالثة: كل من توضّأ وانتهى من وضوئه، ثم شكّ في صحة وضوئه بعد فراغه منه، فوضوؤه صحيح‏.
‏ ‏‏ مثلاً.؟
‏ ـ توضّأت مثلاً وانتهيت من وضوئك، ثمّ شككت بعد ذلك، تُرى هل غسلت وجهي أم لم أغسله؟ أو هل غسلي لوجهي كان صحيحاً أم لا؟ حينئذٍ تقول: وضوئي صحيح‏.
‏ ‏‏ واذا شككت في مسح الرجل اليُسرى؟
‏ ـ تعيد مسحها اِلاّ اذا كنت قد دخلت في عمل آخر بدأت بالصلاة مثلاً أو حدث الشك بعد فوت الموالاة فانك لا تعتني بالشك حينئذٍ‏.

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 18:54
«حواريّة الغُسْل»‏






ها نحن اليوم سنتحاور في الغسل، وسأخرج عمّا قليل بعد نهاية محاورتي هذه، مزهواً بما تعلمته اليوم، تيّاهاً بما حصلت عليه، متباهياً فرحاً بما اوتيته، فتطهير الجسد من أدرانه يستهويني، وربما أضفى عليه حبّي للماء، وولهي به، وعشقي له، طعماً اِضافياً آخر، ونكهة محبّبة لم تكن لولا الماء لترد أو تكون، فانا عاشق للماء قديم، أحببته مذ كنت طفلاً، أتراشق به مع أمي، وكلّما سنحت لي فرصة اللعب به والغطس فيه، والتسلي بضربه برفق على صفحَة وجهه، والفرح بمداعبته.‏
واِذ تهيّأت لي فرصة تعلّم السباحة ـ والسباحة مستحبّة كما قال لي أبي ـ كنت أظمأ للماء كلّما أُبعدتُ عنه قسراً، ظمأً ربّما قارب ظمأ سمكة ولهى أُبعدت بفضاضة عن صدر حبيبها الماء قسْوةً وغلظة وشراسة وعسفاً.‏
نعم أنا كَلِف بالماء، مولع به، منذ اكتشفت أنّه المطهر والمنظف ـ والنظافة من الايمان ـ أغسل به جسدي، وبه أغتسل.‏
وسيشرح لي أبي هذا اليوم كيف أغتسل.‏
الغسل ـ قال أبي ـ قسمان: ارتماسي وترتيبي.‏
‏‏ وما الارتماسي؟
ـ أن تغمس جسدك بالماء دفعة واحدة، هذه صورة مبسّطة لمعناه وسيتجلّى لك مفهومه بصورةٍ اعمق في مرحلةٍ أُخرى.‏
‏‏ والترتيبي؟
ـ أن تغسل تمام رأسك ورقبتك وشيئاً مما يتصل بها من البدن أوّلاً، ولا تنس غسل اُذنيك (ما كان منهما ظاهراً دون الباطن) ثمّ تغسل جسمك مبتدئاً بجانبك الاَيمن وبعضاً ممّا يتصل به من الرقبة وبعضاً من الجانب الايسر، ثم تَثني فتغسل جانبك الاَيسر وشيئاً ممّا يتّصل به من الرقبة وشيئاً من الجانب الاَيمن.‏
ويجوز أن تغسل البدن بعد الرأس والرقبة دفعة واحدة ولا تقسمه الى أيمن وأيسر.‏
‏‏ وهل للغسل من شروط؟
ـ يشترط فيه ما اشترط في الوضوء من النّية، وطهارة الماء واِباحته واطلاقه، وطهارة أعضاء الجسد، وترتيب غَسل الاَعضاء، وأن يباشر المغتسل غُسله بنفسه اِن أمكنه وأن لا يكون هناك مانع من استعمال الماء شرعاً كالمرض «راجع حواريّة الوضوء».‏
ـ ولكنّه يختلف عن الوضوء في أمرين أود أن تركّز عليهما:‏
‏‏ وما هما؟
ـ الاَوّل: لا يشترط في غسل كل عضوٍ هنا أن يكون غسله من الاَعلى الى الاَسفل كما كان في الوضوء.‏
ـ الثاني: لا يشترط في الغسل الموالاة والتتابع كما كان في الوضوء، فيمكنك أن تغسل الرأس والرّقبة، ثمّ تغسل بقيّة جسدك بعد فترة حتى لو جفَّ رأسك، كما أنّك في الوضوء حين تغسل وجهك وتمرّ على شعر حاجبيك مثلاً تغسل ظاهرهما، وحين تمسح رأسك تمسح ظاهر الشَعر منه، بينما يجب في الغُسل أن توصل الماء الى بشرة الرأس، وكذلك في شعر الحاجبين والشارب واللحية، ثمّ اِنّه..‏
‏‏ ثمّ ماذا؟
ـ ثمّ ان غسل الجنابة يغني عن الوضوء..‏
‏‏ معنى هذا أني اذا اغتسلت للصلاة فلا أتوضأ بعد الغسل.‏
ـ نعم، تصلّي بغسلك رأساً بلا وضوء. كما أنّه اذا اجتمعت عليك أغسال متعدّدة كغسل الجنابة والجمعة مثلاً جاز لك أن تغتسل غُسْلاً واحداً بقصد الجميع ولك أن تنوي خصوص غسل الجنابة فيغنيك عن غيره [نعم في خصوص غسل الجمعة لابدّ من نيّته ولو اجمالاً فلا يُغني عنه غسل آخر].‏
‏‏ واذا احتاجت المرأة الى غسل الجنابة وغسل الحيض والجمعة مثلاً؟
ـ يمكنها أن تغتسل غسلاً واحداً بنيّة الجميع، أو تنوي غسل الجنابة فيكفيها ذلك عن غيره عدا غسل الجمعة كما عرفت.‏
أضاف أبي:‏
سأذكر لك ملاحظات تنفعك في غسلك.‏
‏ 1 ـ تأكّد من أنّك أزلت كلّ أثرٍ للسائل المنوي كان على جسدك قبل أن تبدأ بالغُسل.‏
‏ 2 ـ تدخل المرافق لتتبول قبل أن تبدأ بالغسل لتُخرج بقايا السائل المنوي مع البول.‏
‏ 3 ـ يجب أن تزيل كل حاجب أو حائل يمنع وصول الماء الى البشرة كالصمغ مثلاً أما اذا تعذّر أو تعسَّر عليك اِزالته فانتقل الى التيمّم أما اذا كان الحاجب في مواضع التيمّم [فاجمع بين الغُسل والتيمّم].‏
4 ـ كل شك يعتريك في صحّة غَسل عضو بعد الانتهاء من غسله لا ترتب عليه اثراً ولا تعره اي اهتمام.‏
ولو اعتراك شك في غَسل تمام الرّأس والرّقبة وانت تغسل بقيّة جسدك [لزمك العود لتتدارك غسل المقدار المشكوك].‏
‏‏ غسل الجنابة، والحيض والنفاس والاستحاضة، والموت، ومسّ الميّت، هذه كلّها أغسال واجبة سبق أن حدّثتني عنها، ولكنّه مر عليّ في الحوار غسل أسميته أنت «غسل الجمعة» فهل هناك أغسال أخرى لم تذكرها لي؟
ـ نعم؛ هناك أغسال اُخرى كثيرة، ولكنّها مستحبّة غير واجبة سأعدّد لك بعضها: ‏
أ ـ غسل الجمعة وهو مستحبّ مؤكّد ووقته من طلوع الفجر الى الغروب والاَفضل الاتيان به قبل الزوال.‏
ب ـ غسل الاحرام.‏
حـ ـ غسل يومي العيدين «الفطر والاَضحى»، ووقتهما من طلوع الفجر الى الغروب والاَفضل الاتيان به قبل صلاة العيد.‏
د ـ غسل اليوم الثامن والتاسع من شهر ذي الحّجة الحرام وأفضله في اليوم التّاسع أن يكون عند الزوال.‏
هـ ـ غسل الليلة الاولى وليلة السابع عشر وليلة التاسع عشر وليلة الحادي والعشرين وليلة الثالث والعشرين وليلة الرابع والعشرين من شهر رمضان المبارك.‏
و ـ غسل الاستخارة.‏
ز ـ غسل الاستسقاء.‏
جـ ـ غسل دخول مكّة.‏
ط ـ غسل زيارة الكعبة الشريفة.‏
ي ـ غسل دخول مسجد النبّي صلّى الله عليه وسلّم.‏
وهذه الاَغسال كلها تغني عن الوضوء.‏
وهناك غيرها كثير مما لا يسع المجال في هذه العجالة لذكرها بعضها يغني عن الوضوء وهي التي ثبت استحبابها شرعاً وبعضها لا يغني وهي التي لم يثبت استحبابها بدليل معتبر وانما نأتي بها برجاء المطلوبية.‏
‏‏ بقي أن أسألك سؤالي الاخير وهو: اذا لم استبريَ بالبول بعد الجنابة، فلم أبل، واغتسلت وانتهى كل شيء، ثمّ خرج سائل منوي بعد ذلك ولو قطرة؟
ـ يجب عليك الغُسل ثانية حتى ولو خرج السائل المنوي بدون شهوة وبدون مداعبة.‏
كما يجب عليك الغسل ثانية اذا علمت أن هذا الذي خرج الاَن هو مني ولو في غير الصورة المتقدِّمة.‏

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 18:54
«حواريّة التيمّم»

حين قال أبي سنتحدّث يوماً عن التيمّم، أحسست أن هذه الكلمة ليست غريبة عليَّ بل هي أليفة ودافئة. غير أني ساعتها لم أستطع تحديد سبب هذا الدفء، ومنشأ تلك العذوبة. وسرّ نكهة ذاك العطر.‏
وما أن حلَّ يوم الحوار حتى اكتشفت علَّة تلك الالفة المحببّة، فلفظة «التيمّم» سبق أن قرأتها وسمعتها وأنا اُتلو القرآن الكريم، أو أستمع اليه مقروءً بصوت أحد مقرئيه المشهورين فقد عوّدني أبي أن أقرأ كل يوم من كتاب الله العزيز ما يتيسّر لي قراءته، وقد درجت على هذه المنوال كل يوم تقريباً..‏
أقرأه فيتطيّب بتلاوته فمي، وقلبي، ورئتيَّ، وذاكرتي.‏
وأتدبّره فأعيد على هداه ترتيب قناعاتي وأولويّاتي، وأقوِّم وفق نهجه أبجديّات سلوكي، وتصرّفاتي في مجتمعي، ومع أفراد أسرتي، ومعارفي، واِخواني وأصدقائي.‏
ولكّني رغم اكتشافي لالفة تلك المفردة وطيبها، اِلاّ أنّي لم أتمكّن من استحضار الاَية القرآنية الكريمة التي تضمّنتها ولا استذكار اسم السورة التي وردت فيها، ولذلك فقد بدأت حواري اليوم بالسؤال التّالي:‏
‏‏ أبي.. لقد حاولت استحضار اسم السورة التي وردت فيها لفظة «التيمّم» فلم تسعفني ذاكرتي.‏
ـ اِنّها سورة «النساء» قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: (واِن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النِّساء فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيّباً فامسحوا بوجوهكم وايديكم اِن الله كان عفوّاً غفورا) .‏
لقد بينت الاَية الكريمة ـ كما تلاحظ ـ متى، وبماذا، وكيف نتيمّم، ولنبدأ بهنّ واحدة واحدة.‏
‏‏ ومتى يا أبي أتيمّم؟
ـ تتيمّم عوضاً عن الغسل، أو الوضوء، وبدلاً عنهما في مواضع منها: ـ
‏ 1 ـ اذا لم تجد من الماء ما يكفيك للغسل أو الوضوء كل في محله.‏
‏ 2 ـ اذا وجدت الماء، ولكنّه لم يتيسّر لك الوصول اِليه للعجز عنه تكويناً بشلل في أطرافك مثلاً ـ لا قدر الله ـ أو لتوقفه على ارتكاب عمل محرم كالتصرّف في اِناء مغصوب يوجد فيه الماء المباح أو لخوفك على نفسك أو عرضك أو مالك.‏
‏ 3 ـ اذا خفت العطش على نفسك أو على أيِّ شخص آخر يرتبط بك ويكون من شأنك التحفّظ عليه والاهتمام بشأنه، بل حتى الحيوان الذي يهمّك أمره، ولم يكن عندك من الماء ما يكفي لرفع العطش والطهارة المائيّة معاً.‏
‏ 4 ـ اذا ضاق الوقت بحيث لا يتّسع لزمن غُسلك أو وضوئك مع اداء الصلاة بتمامها في الوقت.‏
‏ 5 ـ اذا كان تحصيل الماء للغُسل أو الوضوء أو استعماله فيهما مستلزماً للحرج والمشقّة بحد يصعب عليك تحمّله، كما اذا توقّف تحصيله على الاستيهاب الموجب للذّل والهوان، أو كان الماء متغيراً مما يتنفّر منه طبعك فتجد حرجاً ومشقّة شديدة في استعماله.‏
‏ 6 ـ اذا كنت مكلّفاً بواجب يتعيّن عليك صرف الماء فيه، كاِزالة النّجاسة عن المسجد.‏
‏ 7 ـ اذا خفت على نفسك الضرر من استعمال الماء في الغسل أو الوضوء، لان استعماله يسبب مرضاً، أو يطوّره ويُعقِّده أو يطيل أمد شفائه ولم يكن المورد من موارد المسح على «الجبيرة».‏
‏‏ وما الجبيرة..؟
ـ سأحدِّثك عنها تفصيلاً في حواريّتنا القادمة.‏
‏‏ عرفت الاَن متى أتيمّم. ولكن بماذا أتيمّم؟
ـ تتيّمم بوجه الاَرض من تراب أو رمل، أو حجر، أو حصى، أو ما شاكل شرط أن يكون ما تتيمّم به طاهراً، [نظيفاً] وغير مغصوب.‏
‏‏ وكيف أتيمّم؟
ـ سأتيمّم أمامك لتتعلم.. قال أبي ذلك وبدأ.. فخلع خاتماً كان في يده، وضرب بباطن كفيه [معاً] على الاَرض ضربة واحدة، ثمّ ضمّهما ليمسح بهما المنطقة الفاصلة بين حدّ شعر الرّأس، وطرف الاَنف الاَعلى، ماسحاً بباطن كفيه جبهته [وجبينه] من قصاص الشعر الى الحاجبين وحين وصل بالمسح الى طرف الاَنف الاَعلى توقّف، ورفع كفّيه عن طرف أنفه ثمّ مسح بباطن كفه الاَيسر تمام ظاهر كفّه الاَيمن من الزّند الى أطراف الاَصابع، ومسح بعد ذلك بباطن كفه الاَيمن تمام ظاهر كفّه الاَيسر من الزّند الى اطراف الاَصابع.‏
‏‏ ابهذهِ البساطة والسّرعة ينتهي التيمم؟
ـ نعم، وليس التيمّم وحده فقط بهذه السهولة واليسر.‏
قال تعالى: (يريد الله بكم اليُسر ولا يريد بكمُ العُسر).‏
‏‏ وهل للتيمّم من شروط؟
ـ نعم:‏
‏ 1 ـ أن تكون معذوراً لا تستطيع الغسل أو الوضوء كما مرّ سابقاً.‏
‏ 2 ـ أن تنوي التيمّم قربة لله تعالى.‏
‏ 3 ـ أن يكون ما تتيمّم به طاهراً، [نظيفاً]، وغير مغصوب، ولا ممزوجاً بغيره ممّا لا يصحّ التيمّم به كرماد الخشب مثلاً اِلاّ اِذا كان المزيج مستهلكاً.‏
‏ 4 ـ [ان يعلق شيء ممّا تتيمم به بيديك فلا يجزي التيمّم على الحجر الاَملس الّذي لا غبار عليه].‏
‏ 5 ـ [أن يكون مسحك الجبهة من الاَعلى الى الاسفل].‏
‏6 ـ أن لا تتيمم اِلاّ مع اليأس من زوال العذر قبل انتهاء الوقت اذا كان تيممك للصلاة أو أي واجب آخر له وقت محدّد.‏
‏ 7 ـ أن تباشر التيمّم بنفسك قدر الاِمكان.‏
‏ 8 ـ أن تتابع المسح فلا تفصل بين أفعال التيمّم بما يخل بهيئته عرفاً.‏
‏ 9 ـ أن لا يكون هناك فاصل أو حائل بين ما تمسح به وما تمسحه، أي بين كفّك وجبهتك مثلاً.‏
‏ 10 ـ أن تمسح جبهتك قبل كفّك اليمنى، وكفّك اليمنى قبل اليسرى.‏
‏‏ اذا كنت معذوراً من استعمال الماء للغسل أو الوضوء بسبب مرضي فتيمّمت وصلّيت، ثم راجعت الطبيب فسمح لي باستعمال الماء وكان هناك وقت للصلاة؟
ـ صلاتك صحيحة ولا يجب عليك اعادتها اذا كان تيمّمك مشروعاً كأن تكون قد تيمّمت مع يأسك من زوال عذرك في الوقت.‏
‏‏ اذا منعني الطبيب من استعمال الماء عدّة أيّام لمرض، فتمّمت وصلّيت، ثم سمح لي باستعمال الماء بعد شفائي، فهل أعيد صلوات الاَيّام الماضية التي صلّيتها بالتيمّم؟
ـ كلا. لا تعدها.‏
‏‏ اذا تيمّمت بعد دخول وقت الصلاة وصلّيت، ثم حلّ وقت صلاة أخرى ولم يرتفع العذر، فهل أتيمّم مرة أخرى لهذه الصلاة؟
ـ كلا، لا حاجة لاِعادة التيمّم مادام العذر موجوداً وكنت لا تترقّب زوال عذرك، أنت محتفظ بعدُ بتيمّمك.‏
‏‏ اذا تيمّمت بدلاً من غسل الجنابة فهل أتوضّأ للصلاة؟
ـ كلا، فهو يغنيك عن الغسل والوضوء معاً.‏
‏‏ واذا تيمّمت للغسل ثم دخلت الى المرافق مثلاً أو نمتُ، فهل اتيمم مرة اخرى للوضوء أو اتيمم للغسل؟
ـ توضأ ان استطعت واِلاّ فتيمّم بدلاً من الوضوء.‏
‏‏ اذا شككت في مسح الجبهة أو مسح الكفّ اليُمنى وأنا أمسح الكفّ اليُسرى؟
ـ لا تعر شكّك هذا أيَّ اهتمام.‏
‏‏ واذا شككت فيهما بعد انتهائي من التيمّم؟
ـ كذلك لا تعر شكّك هذا أي اهتمام.‏


* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 18:55
حواريّة الجبيرة»


قلت لاَبي ـ وقد حضرت ساعة الحوار ـ: ذكرت لي أمس «الجبيرة» وأرجأت الحديث عنها الى اليوم.‏
ـ نعم، فاذا وضعت على جرح أو قرح أو كسر، لفافة أو ما شابهها، فقد صنعتَ «جبيرة».‏
‏‏ قد عرفت الجرح والكسر ولكن ما هو القرح؟
ـ القروح هي الدماميل التي تكون في البدن.‏
‏‏ وكيف اغتسل أو أتوضّأ أو أتيمّم مع وجود الجبيرة؟
ـ اذا أمكنك رفع الجبيرة بدون ضرر أو حرج فارفعها، واغسل أو اسمح تحتها ما يجب عليك غسله أو مسحه كلٌ بحسبه.‏
‏‏ واذا لم يمكن رفع الجبيرة لضررٍ أو حرج؟
ـ اِغسل ما حول الجبيرة ممّا يمكنك غسله من البشرة، وامسح على الجبيرة عوضاً عن الجزء المغطّى بالجبيرة سواءاً كان مما يغسل قبل الجبيرة كما لو كانت الجبيرة على ذراع اليد أو ممّا يمسح كما لو كانت على الرجل، ولا حظ ما يأتي:‏
‏ 1 ـ أن يكون ظاهر الجبيرة ـ ذاك الّذي تمسح عليه بيدك المبلولة ـ طاهراً، ولا يهمّك نجاسة باطن الجبيرة الملاصق للجرح.‏
‏ 2 ـ [ان لا تكون الجبيرة مغصوبة].‏
‏ 3 ـ أن يكون حجم الجبيرة بالمقدار المعتاد والمتعارف والطبيعي لحجم الجرح أو الكسر.‏
‏‏ واِذا كان حجم الجبيرة أكبر من حجم الجرح.‏
ـ ارفع المقدار الزائد واغسل ما تحته أو امسحه كل في مورده.‏
‏‏ واذا لم يمكنّي رفعه أو كان فيه ضرر على الموضع المصاب.‏
ـ لا ترفعه، وتوضأ بالمسح على الجبيرة.‏
‏‏ واذا كان رفع المقدار الزائد حرجياً أو كان مضراً بالموضع السليم دون الموضع المصاب.‏
ـ تيمم بدلاً عن الوضوء اذا لم تكن الجبيرة في مواضع التيمم [واِلا فاجمع بينهما].‏
‏‏ اذا استوعبت الجبيرة تمام وجهي، أو تمام اِحدى يدي أو رجلي.‏
فكيف أصنع في الوضوء؟
ـ تتوضّأ بالمسح على الجبيرة.‏
‏‏ واذا استوعبت جميع الاعضاء أو معظمها؟
ـ [اجمع بين الوضوء مع المسح على الجبيرة، وبين التيمّم].‏
‏‏ واذا كان في وجهي أو يدي جرح أو قرح مكشوف بدون لفاف، ولكن الطبيب منعني من ايصال الماء اليه فكيف أتوضأ؟
ـ اغسل ما حوله واترك غسل الموضع المصاب.‏
‏‏ واذا كان في وجهي أو يدي كسر مكشوف يضره الماء ولا جرح فيه فكيف اتوضّأ؟
ـ انتقل من الوضوء الى التيمّم.‏
‏‏ واذا كان الجرح المكشوف الذي يضره الماء في احد مواضع المسح، كما اذا كان في الرجل أو الرأس، فكيف أمسح في الوضوء؟
ـ انتقل الى التيمّم.‏
‏‏ واذا أردت الغسل، وكان في جسدي جرح أو قرح مكشوف؟
ـ اترك غسل الجرح أو القرح واغسل ما حوله، أو انتقل الى التيمّم، فلك الخيار في ذلك.‏
‏‏ واذا كان في جسدي كسر مكشوف فكيف اغتسل؟
ـ تيممم بدل الغسل.

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 18:57
«حواريّة الصَّلاة»


القسم الاول : ‏من المقدمة الى القنوت ‏.

القسم الثاني ‏: ‏ من مبطلات الصلاة الى الجمع بين الصلاتين.

القسم الاول :‏
ها نحن الاَن قد وصلنا في حوارنا الى الصّلاة ـ قال أبي ـ «والصلاة ـ كما ورد في الحديث النّبوي الشريف ـ عمود الدين ان قبلت قبل ما سواها، واِن رُدّت ردّ ما سواها». اِنّها ـ أضاف أبي ـ مواعيد لقاءات محدّدة ثابتة بين الخالق ومخلوقه، رسم الله سبحانه وتعالى أوقاتها السعيدة، وطرائقها، وصورها وكيفيّاتها لعباده.. تقف خلالها بين يديه، متوجهاً اِليه بعقلك وقلبك وجوارحك، تحادثه وتناجيه، فيسكب عليك خلال تلك المناجاة صفاءً ذهنياً ونفسياً رائعاً، وشفافية روحيّة تسبح خلالها بطيب المشافهة، وتنعم معها بدفء وعذوبة ووله وسعادة ولذّة الوصال والتلاقي. وطبيعي أن تعتريك تلك الرهبة المحبّبة وأنت تقف بين يدي خالقك العظيم.. الرحيم بك، الرؤوف بحالك، السميع البصير.
‏ لقد كان استغراق جدّك أمير المؤمنين عليه السلام بعبادة ربّه وتوجّهه اِليه بكله فرصة مناسبة لاستلال النصل من جسده في معركة صفين، لانشغاله عن معاناة ألم الجسد بمناجاة ربه.
‏ وكان امامك زين العابدين عليه السلام اِذا توضّأ للصلاة اصفّر لونه. فيقول له أهله: ما هذا الّذي ينتابك عند الوضوء؟ فيقول: «أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم». وكان اِذا قام الى الصلاة أخذته الرعّدة، فيجيب من يسأله: «أريد أن أقوم بين يدي ربّي وأناجيه، فلهذا تأخذني الرعّدة ». ‏
وكان امامك الكاظم عليه السلام اِذا قام الى الصلاة وخلا بربّه بكى واضطربت اعضاؤه، وخفق قلبه خوفاً من الله عزّ وجل وخشية ووجلاً منه.
‏ ولما أودعه الرشيد ظلمة سجنه الرهيب تفرغ لطاعة الله وعبادته، شاكراً ربّه على تهيأته هذه الفرصة الجميلة الحبيبة له مخاطباً ربّه قائلاً: «ربّ اِنّي طالما كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك وقد استجبت مني فلك الحمد على ذلك».
‏ والصلاة ـ اردف أبي ـ اِبراز حسّي ظاهري لحاجة داخلية متأصلة في النفس، هي الانتماء لله عزّ وجل والارتباط بالخالق المكوّن، المسيطر، المالك المهيمن. فحين تقول: (الله اكبر) مبتدئاً صلاتك فاِنّ مثل المادة وأنظمتها ونماذجها وأنماطها وزخارفها ستتضاءل في نفسك وربّما تضمحل لاَنّك واقف بين يدي خالق الكون، المسيطر على مادته المسخر لها وفق مشيئته، فهو أكبر من كل شيء وبيده كل شيء.
‏ فحين تقول ـ وأنت تقرأ سورة الحمد: (اِيّاك نعبد واِيّاك نستعين)، فأنت تغسل نفسك وجسدك من كلِّ أثر للاستعانة بغير الله القادر الحكيم أيّاً كان.
‏ بتلك النكهة المحببّة للخشوع ستستحم كل يوم خمس مرّات: صباحاً وظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءاً.
وان شئت زدت على ذلك بما يستحب لك منها.
‏ ‏‏ معنى هذا أن الصلوات واجبة ومستحب ؟
ــ نعم، فهناك صلوات واجبة وأخري مستحبّة.
‏ ‏‏ الصلوات الواجبة اعرفها.. انّها الصلوات التي نؤدّيها كل يوم. انّها صلاة الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء.
‏ ــ ليست هذه فقط هي الصلوات الواجبة. بل هناك صلوات واجبة أخرى غيرها وهي:‏
‏ 1 ـ صلاة الاَيات. «انظر حواريّة الصلاة الثانية».
‏ 2 ـ صلاة الطواف الواجب في العمرة والحج «أنظر حواريّة الحج».
‏ ‏ 3 ـ الصلاة على الميّت. «أنظر حواريّة الموت».
‏ ‏ 4 ـ الصلاة التي لم يصلّها الوالد [حيث يجب على ولده الاَكبر قضاؤها عنه بعد موته]. «انظر حوارية الصلاة الثانية».
‏ ‏ 5 ـ الصلاة التي تجب بالاجارة أو بالنذر أو اليمين أو غيرهما.
وهي تختلف باختلاف الحالات.
‏ غير ان للصلوات اليومّية مقدّمات خمساً هي:‏
‏ أ ـ وقت الصلاة.
‏ ب ـ القبلة.
‏ جـ ـ مكان الصلاة.
‏ د ـ لباس المصلي.
‏ هـ ـ الطهارة في الصلاة.
‏ وقال أبي: ينبغي ان لا تتوهم ان هذه المقدّمات لا يجب توفّرها في غير الصلاة اليومية ـ من الصلوات الواجبة والمستحبة ـ كلا لا تتوهم ذلك بل يجب توفر ما عدا الشرط الاول فيها على تفصيل ستعرفه ان شاء الله.
‏ والاَن اعود لاَعرض بالتفصيل لكل واحدة واحدة من تلك المقدّمات الخمس:‏
‏‏ ستبدأ اذن بوقت الصلاة.
‏ ــ نعم باولاهنّ:‏
‏‏ 1 ـ وقت الصلاة: لكل من الصلوات اليوميّة وقت محدد لا يجوز تخطيّه، فوقت صلاة الصبح من طلوع الفجر الى طلوع الشمس. ووقت صلاة الظهرين «الظهر والعصر» من زوال الشمس الى غروبها، ويختص أوّل الوقت بصلاة الظهر وآخره بصلاة العصر بمقدار أدائهما.
‏ ‏‏ وكيف أعرف الزوال، ذلك الوقت الذي تبدا به صلاة الظهرين؟
ــ انّه منتصف الوقت بين طلوع الشمس وغروبها.
‏ أما وقت صلاة العشاءين «المغرب العشاء» فهو من أول المغرب الى منتصف الليل، ويختص أول الوقت بصلاة المغرب وآخره بصلاة العشاء بمقدار ادائهما .
‏ هذا [ولا تبدأ بصلاة المغرب اِلاّ بعد أن تزول الحمرة المشرقيّة من السماء ].
‏‏ وما الحمرة المشرقية؟
ــ انّها حمرة في السماء من جهة المشرق في الجهة المقابلة لغروب الشمس تزول بعد غروبها .
‏ ‏‏ وكيف اُحدد منتصف اللّيل ، ذلك الذي ينتهي به وقت صلاة العشاء؟
ــ اِنّه منتصف الوقت بين غروب الشمس والفجر .
‏ ‏‏ واِذا انتصف اللّيل وزاد ولم أُصلّ صلاتي المغرب والعشاء عامداً؟
ــ عليك [ان تبادر فتصليهما قبل الفجر بقصد القربة المطلقة أي من دون أن تقصد اداء الصلاة ولا قضاءها].
مع ملاحظة هامّة في كل صلاة وهي أن تتأكدّ من دخول وقت الصلاة قبل البدء بها سواء أكانت صلاة الفجر أم الظهر والعصر أم المغرب والعشاء .
‏‏ 2 ـ القبلة : يجب عليك أن تستقبل القبلة وأنتَ تصلّي، والقبلة ـ كما تعرف ـ هي المكان الّذي تقع فيه الكعبة الشريفة بمكة المكرمة .
‏ ‏‏ واِذا لم أتمكّن من معرفة جهة القبلة بعد أن بذلت جهدي وفقدت كل الحجج التي يمكنني أن أستند اِليها لتعيين القبلة؟
ــ صلِّ الى الجهة التي تظنّ وجود القبلة فيها.
‏ ــ واِن لم استطع أن أرجح جهة على أخرى؟
ــ صلِّ الى أيّة جهة تحتمل وجود القبلة فيها.
‏ ــ واِذا اعتقدت أن جهة ما، هي جهة القبلة وصلّيت، ثم عرفت بعد الصلاة أنني كنت على خطأ.
‏ ــ اِذا كان انحرافك عن القبلة ما بين اليمين والشمال صحت صلاتك.. واِذا كان انحرافك اكثر من ذلك. أو كانت صلاتك الى الجهة المعاكسة لجهة القبلة ولم يمض وقت الصلاة بعد، أعد صلاتك وأمّا اِذا مضى وقت الصلاة فلا يجب عليك القضاء.
‏‏3 ـ مكان المصلّي [لاحظ أن يكون مكان صلاتك مباحاً ذلك أن الصلاة، لا تصح في المكان المغصوب].
‏ ويعدّ من المغصوب ما وجب أن تدفع خمسه ولم تدفع خمسه بيتاً كان أو فراشاً أو غيرهما. وسأشرح لك بالتفصيل ما يجب فيه الخمس في «حواريّة الخمس» القادمة، غير أني أشير هنا فقط الى ضرورة عدم السقوط في هاوية الغفلة والتسامح واللامبالات. تلك التي سقط فيها كثيرون ومنعوا حق الله عزّ وجل في أموالهم.
‏ ‏‏ لنفترض أنّ الارض كانت غير مغصوبة ولكنها مفروشة بفراش مغصوب.
‏ ــ كذلك[ لا تصح صلاتك بها على ذلك الفراش‏].
ــ أضاف أبي:
ثم يجب أن يكون مكان سجودك طاهراً غير نجس .
‏ ‏‏ تقصد بمكان السجود موضع سجود الجبهة؟
ــ نعم، طهارة مكان السجود فقط، أي التربة واشباهها مما تسجد عليه.
‏ ‏‏ وبقية مكان الصلاة، موضع الرجلين مثلاً. المكان الذي يشغله بقية الجسد في الصلاة؟
ــ لا يشترط فيه الطهارة. فاِذا كان نجساً وكانت نجاسته لا تسري الى الجسد أو الملابس تجوز الصلاة فيه.
‏ ثم أنه بقيت هناك موضوعات تخصّ مكان المصلي سأحددها لك على شكل نقاط:‏
‏ أ ـ لا يجوز في الصلاة ولا في غيرها استدبار قبور المعصومين عليهم السلام اِذا كان في الاستدبار اِساءة للادب.
‏ ب ـ [لا تصحّ صلاة كل من الرجل والمرأة اِذا كانا متحاذيين متجاورين وعلى مستوي واحد، أو كانت المرأة متقدّمة] اِلاّ أن تفصل بين مكانها ومكانه أكثر من عشرة أذرع بذراع اليد أو يكون بينهما حائل كالجدار مثلاً.
‏ جـ ـ تستحب الصلاة في المساجد، وأفضل المساجد، المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومسجد الكوفة والمسجد الاَقصى. كما تستحب الصلاة في مشاهد الائمة المعصومين عليهم السلام .
‏ د ـ من الاَفضل للمراة أن تختار لصلاتها أكثر الاَمكنة ستراً حتى في بيتها.
‏ ‏ 4 ـ لباس المصلي، وفيه شروط:‏
‏ أ ـ أن يكون طاهراً و[غير مغصوب] على أن شرطية اباحة اللباس انّما هي للساتر للعورة فقط، وهذا يختلف حاله بين الرجل والمرأة اذ يكفي اباحة خصوص بعض الملابس الداخلية ـ كالشورت مثلاً ـ للرجال، بينما لا يكفي ذلك في النساء لسعة دائرة ما تستره في الصلاة وهو جميع البدن عدا ما استثني.
‏ ب ـ أن لا يكون من أجزاء الميتة التي تحلّها الحياة، كجلد الحيوان المذبوح بطريقة غير شرعية [وان كان لا يكفي وحده ان يكون ساتراً للعورة ]‏.
‏‏ وهل تصح الصلاة في الحزام الجلدي المأخوذ من يد المسلم، أو المصنوع في بلاد اِسلامية مثلاً. وهو غير معلوم التذكية؟
ــ نعم تصح الصلاة فيه.
‏ ‏‏ والحزام الجلدي المأخوذ من يد الكافر. أو المصنوع في بلاد كافرة؟
ــ تصح الصلاة فيه [ اِلاّ اذا علمت أنه مأخوذ من جلد حيوان غير مذكّى].
‏ ‏‏ واذا لم أتأكّد من أن هذا الحزام الجلدي ـ مثلاً ـ مصنوع من جلد طبيعي أم صناعي؟
ــ تجوز الصلاة فيه في مطلق الاحوال.
‏ جـ ـ أن لا يكون لباس المصلّي مصنوعاً من اجزاء السباع اذا كان بحيث يمكن ستر العورة به [ولا غيرها مما لا يجوز أكل لحمها].
‏ د ـ أن لا يكون من الحرير الخالص بالنسبة للرجال، أمّا النساء فيجوز لهنّ الصلاة في الحرير الخالص.
‏ هـ ـ أن لا يكون من الذهب الخالص أو المغشوش اذا صدق عليه الذهب، دون المموه بالنسبة للرجال.
‏ ‏‏ ولو كان خاتم يد أو حلقة زواج؟
ــ ولو كان خاتم يد أو حلقة الزواج، فانّه لا تصح صلاة الرجل به، كما أنّه يحرم لبس الذّهب للرجال دائماً.
‏ ‏‏ حتى في غير وقت الصلاة؟
ــ دائماً. ‏. دائماً حتى في غير وقت الصلاة.
‏ ــ والاَسنان الذهبية الداخلية التي تصنع لبعض الرجال، والساعة الذهبية التي يحملها بعضهم في جيبه؟
ــ هذه جائزة للرجال وتصحّ صلاتهم بها.
‏ ‏‏ اذا كان الرجل لا يعلم أن خاتمه ذهبي وصلّى فيه، أو أنّه كان يعلم أنّه ذهبي ونسي وصلّى فيه ثمّ علم أو تذكّر بعد انتهاء الصلاة؟
ــ صلاته صحيحة.
‏ ‏‏ والنساء؟
ــ يجوز لهنّ لبس الذّهب دائماً وتصح صلاتهنّ به.
‏ بقيت في لباس المصليّ ملاحظة ذات أهمّية وهي أنّه يجب على الرجل ستر عورته في الصلاة وهي القضيب والخصيتان والمخرج فقط.
‏ ويجب على المرأة ستر جميع جسدها في الصلاة بما في ذلك الشعر حتى لو كانت وحدها ولا يراها أحد عدا الوجه بالمقدار الذي لا يستره الخمار عادة مع ضربه على الجيب، والكفين الى الزّند والقدمين الى أوّل جزء من الساق.
‏ ــ هذه هي مقدمات الصلاة. ـ قال أبي ـ أما الصلاة نفسها فهي عمل مركبّ من عدة اجزاء وواجبات، وهي: النيّة، وتكبيرة الاحرام، والقيام، والقراءة، والذكر، والركوع، والسجود، والتشهد، والتسليم، مراعياً فيها الموالاة والترتيب كما ستعرف.
‏ ‏‏ ولماذا لم تبدا بالاذان والاقامة؟
قبل أن أجيبك على هذا السؤال أحبّ أن أنبهك الى أن بعض هذه الاجزاء تسمّى بالاركان وهي: النية، وتكبيرة الاحرام، والقيام، والركوع، والسجود.
‏ وقد اختصّت عن بقية الاجزاء الواجبة بخاصية بطلان الصلاه بنقيصتها عمداً وسهواً فاقتضت هذه التسمية وهذا الامتياز.
‏ واعود الان الى جواب سؤالك:‏
‏ الاَذان والاقامة في الصلوات اليوميّة الواجبة من المستحبّات المؤكدّة التي يحسن أن يأتي بهما المصلّي، ولكنّه يجوز له تركهما.
‏ قال ذلك أردف أبي ناصحاً:‏
‏ اتمنّى أن لا تترك الاَذان والاقامة في صلواتك الواجبة اليوميّة فتخسر ثوابهما.
‏ ‏‏ واِذا أردت أن أُؤذن فكيف أُؤذن؟
ــ تقول:‏
‏ الله اكبر ـ أربع مرات.
‏ أشهد أن لا اِله اِلاّ الله ـ مرتين.
‏ أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ـ مرتين.
‏ حيَّ على الصلاة ـ مرتين.
‏ حيَّ على الفلاح ـ مرتين.
‏ حيَّ على خير العمل ـ مرتين.
‏ الله اكبر ـ مرتين.
‏ لا اِله اِلاّ الله ـ مرتين.
‏ ــ والاقامة؟
ــ في الاقامة تقول:‏
‏ الله أكبر ـ مرتين.
‏ أشهد أن لا اِله اِلاّ الله ـ مرتين.
‏ أشهد أن محمداً رسول الله ـ مرتين
حيَّ على الصلاة ـ مرتين.
حيَّ على الفلاح ـ مرتين.
‏ حيَّ على خير العمل ـ مرتين.
‏ قد قامت الصلاة ـ مرتين.
‏ الله أكبر ـ مرتين.
‏ لا اِله اِلاّ الله ـ مرة واحدة.
‏ ‏‏ والشهادة بولاية الاِمام عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام ؟
ــ اِنّها مكملة للشهادة بالرسالة ومستحبة، ولكنها ليست جزءاً من الاَذان ولا من الاقامة.
‏ ‏‏ اذن فأوّل أجزاء الصلاة هي ما أسميتها أنت بالنية؟
ــ نعم.
‏ ‏‏ وما النية؟
أن تقصد الصلاة متعبداً بها، أي باضافتها الى الله تعالى أضافة تذللية.
‏ ــ أحبّ أن أعرف (الاضافة التذللية) بصورة واضحة.
‏ ــ الاضافة التذللية هي العمل النفسي الذي يقارن الافعال العبادّية يستشعر الانسان به أنّه العبد الذليل أمام المولى الجليل سبحانه وتعالى.
‏ ــ وهل للنية لفظ محدد مخصوص؟
ــ كلاّ، انّها من أعمال القلب لا اللسان، ولذلك فليس لها لفظ محدّد ما دام محلّها القلب. غير أنّك اِذا لم تقصد الصلاة تقرّباً وتذلّلاً الى الله بحركاتك تلك التي تؤدّيها بطلت صلاتك.
‏ ثانيها: تكبيرة الاِحرام.
‏ ‏‏ وما هي تكبيرة الاحرام؟
ــ تقول: الله أكبر . وأنت واقف على قدميك مستقر في وقوفك، متوجّهاً الى القبلة.. تقولها باللغة العربية، موضِّحاً لدى نطقك بها صوت حرف «الهمزة» في كلمة «أكبر» وكذا سائر الحروف والاَفضل أن تفصل بين تكبيرة الاحرام هذه وبداية سورة الحمد بشيءٍ من الصمت قليل حتى لا تلتصق التكبيرة بأوّل سورة الحمد.
‏ قلت لي يجب أن تكبِّر وأنت قائم على قدميك، فلو كنت مريضاً مثلاً فلم أستطع القيام على قدمي ولو بالاعتماد على عصا أو جدار أو غيرهما فكيف اُصلّي؟
ــ صلِّ وأنت جالس، واِن لم تتمكن كذلك، صلِّ وأنت مضطجع على جانبك الاَيمن أو الاَيسر ووجهك الى القبلة [ويجب تقديم الجانب الاَيمن على الاَيسر مع الامكان] .
‏ ‏‏ وان لم استطع؟
ــ صلِّ وأنت مستلقٍ على قفاك ورجلاك الى القبلة.
‏ ‏‏ اذا كنت استطيع القيام حال التكبير فقط ولا استطيع الاستمرار عليه.
‏ ــ يجب عليك ان تكبر واقفا وتستمر في صلاتك جالساً او مضطجعاً كما بيّنت لك.
‏ ثالثها: القراءة.
‏ وتأتي بعد التكبيرة حيث تقرأ سورة الحمد [وسورة كاملة اُخرى بعدها]. قراءة صحيحة دون خطأ ولا تنس أن تقرأ البسملة في أوّل كل سورة عدا سورة التوبة كما تجده في المصحف.
‏ ‏‏ واِذا لم يسعفني الوقت لقراءة السورة الثانية تلك التي أقرأها عادة بعد سورة الحمد؟
ــ اترك قراءة السورة واقرأ الحمد وحدها.. كذلك تفعل اِذا كنت مريضاً لا تستطيع قراءة سورة ثانية بعد سورة الحمد، أو كنت خائفاً، أو مستعجلاً.
‏ ‏‏ وكيف أقرأ السورتين؟
ــ [يجب على الرجال قراءة السورتين جهراً لصلاة الصبح والمغرب والعشاء وقراءتهما بصوت خافت لصلاتي الظهر والعصر].
‏ ‏‏ والنساء؟
ــ لا جهر على النساء غير أن المرأة [يجب عليها أن تخفت في الظهرين].
‏ ‏‏ اِذا كنت أجهل حكم الجهر والاخفات في الصلاة أو نسيت فقرأت السورتين أو بعضهما بصوت خافت وأنا اصلي الصبح أو المغرب أو العشاء، أو قراتهما أو بعضها بصوت عال وأنا أصلّي الظهر أو العصر أي عكس المطلوب؟
ــ صلاتك صحيحة.
‏ ‏‏ هذا ما سأقرؤه في الركعتين الاولى والثانية، وماذا عن الثالثة والرابعة ماذا أقرأ فيهما؟
ــ أنت مخير بين أن تقرأ في الركعتين الثالثة والرّابعة سورة الحمد وحدها، أو أن تقرأ التسبيحات [باخفات الصوت طبعاً في كلتا الحالتين] عدا البسملة فيحق لك اِذا كنت اماماً أو منفرداً أن تجهر بها.
‏ ‏‏ واِذا اخترت التسبيح فماذا أقول فيه؟
ــ يجزيك ان تقول بصوت خافت :سبحان الله والحمد لله ولا اِله اِلاّ الله والله أكبر. مرّة واحدة أو ثلاث مرّات وهو أفضل.
‏ ‏‏ وهل هناك ملاحظة أخرى في القراءة؟
ــ نعم، فعندما تنطلق في قراءتك وتدرج بها فالاَفصح أن تحرك أواخر الكلمات كلٌّ حسب موقعها الاعرابي، فلا تدرج وأواخر الكلمات ساكنة واِذا وقفت على كلمة فالافصح أن تسكن الحرف الاخير منها.
‏ ثمّ يجب عليك بعد ذلك أن تمدّ حرف الاَلف مدّاً خفيفاً وأنت تقرأ كلمة «الضاَلين» آخر سورة الحمد لكي تتحفّظ على اداءِ التشديد والالف بصورة صحيحة.
‏ ‏‏ وبعد ذلك؟
ــ احذف همزة الوصل في قرأتك حينما تقع في وسط الكلام لا في بدايته واظهر همزة القطع بحيث تبدو على لسانك واضحة بيّنة جليّة حينما وقفت.
‏ ‏‏ مثل لي لهمزة الوصل وهمزة القطع.
‏ ـ الهمزة في (الله، الرحمن، الرّحيم، اِهدنا) مثلاً همزه وصل لا تظهر على اللسان في النطق اثناء الدرج والانطلاق والاسترسال، بينما همزة (اِيّاك، أنعمتَ) مثلاً همزة قطع تظهر على اللسان واضحة جليّة اثناء النطق بها. ثمّ..‏
‏ ‏‏ ثمّ ماذا؟
ــ ثم اِذا رغبت أن تقرا سورة التوحيد بعد سورة الحمد واخترتها من بين السور الاُخرى فمن الاَيسر لك والاَسهل عليك أن تقف على كلمة (أحد) فتسكنها وأنت تقرأ الاَية الكريمة: (قل هو الله أحدْ) أي تتريّث قليلاً قبل ان تقرأ الاَية اللاحقة بها (الله الصمد).
‏ قال ذلك أبي وأضاف:‏
‏ ومن أجل أن تضمن صحّة قراءتك في صلاتك أنصحك بأن تصلّي أمام من يحسن الصلاة ليضبط قراءتك وصلاتك، فاِن تعسرَ عليك ذلك فلا أقل من أن تدقق قراءتك للسورتين، «سورة الحمد والسورة اللاحقة لها» وفق قراءة أحد المقرئين المعروفين بصحة النطق المهتمين بدقة الضبط، تقرأ مع قراءته السورتين وتتابع على هدي قراءته قراءتك، فستكتشف عندئذٍ أخطاءك ـ اِن وجدت ـ لتصحّحها.
ذلك أجدى لك من أن تستمر على قراءة خاطئة نشأت عليها منذ الصغر حتى اِذا اكتشفت خطأك بعد حين، تكون قد صلّيت سنوات صلاة غير صحيحة القراءة.
‏ رابعها: القيام، ومعناه واضح، لكن أودّ أن أُشير الى أن القيام هو الجزء الوحيد من أجزاءِ الصلاة والّذي يحمل صفة مزدوجة، فهو قد يكون ركناً كالقيام حال تكبيرة الاِحرام والقيام قبل الركوع الذي يعبّر عنه بالقيام المتّصل بالركوع فتترتّب عليه خصائض وأحكام الركن، وقد يكون واجباً غير ركن كالقيام حال القراءة والتسبيح والقيام بعد الركوع فحينئذٍ تجري عليه أحكام الواجبات غير الرّكنية.
‏ خامسها: الركوع.
‏ ثم بعد قراءتك للسورتين يجب أن تركع.
‏ ‏‏ وكيف أركع؟
ــ تنحني حتى تصل أطراف أصابعك الى ركبتيك، وحين يستقّر بك الرّكوع تقول:‏ ‏(سبحان ربّي العظيم وبحمده) مرة واحدة، أو تقول: «سبحان الله» ثلاثاً. أو «الله أكبّر» ثلاثاً أو «الحمد لله» ثلاثاً، أو غيرها مما هو بقدرها من الذّكر كالتهليل ثلاثاً.
‏ ثم تقوم من ركوعك وتستقيم، حتى اِذا استقرّ بك القيام هويتَ للسجود.
‏ سادسها: السجود
‏ ويجب في كل ركعة سجدتان.
‏ ‏‏ وكيف أسجد؟
ــ تضع جبهتك وكفّيك وركبتيك ابهامي قدميك على الارض.
‏ ويشترط فيما تسجد عليه وتضع عليه جبهتك أن يكون من الاَرض، أو من نباتها غير المأكول، ولا الملبوس.
‏ ‏‏ مثّل لي لما لا يجوز السجود عليه لاَنّه مأكول أو ملبوس؟
ــ البقول والفواكه لا يجوز السجود عليها لاَنها مأكولة، والقطن والكتّان لا يجوز السجود عليهما لاَنّهما ملبوسان.
‏ ‏‏ على أيِّ شيء أسجد مثلاً؟
ــ أُسجد على التراب أو الرّمل أو الحصى أو الصخر أو الخشب أو ما لا يؤكل من أوراق الشجر.. اُسجد على الورق المستعمل للكتابة اِذا كان مصنوعاً من الخشب أو القطن أو الكتان، أُسجد على التبن، وغير ما ذكرت كثيرٌ.
‏ ولا تسجد على الحنطة والشعير والقطن والصوف والقير والزجاج والبلّور. . وأفضل ما تسجد عليه التراب وأفضله «التربة الحسينيّة» على مشرّفها الصلاة والسلام.
‏ واِن لم أتمكّن من السجود على ما يصحّ السجود عليه لعدم توفّره مثلاً أو لخوفي من السجود عليه كحالات التقيّة؟
ــ ان لم يتوفّر لك ما يصح السجود عليه فاسجد على القير أو الزفت فان لم يحصلا فعلى ما شئت.. على ثوبك أو على كفّك. وان كنت في حال تقيّة فاسجد على ما تقتضيه التقية.
‏ قال ذلك أبي وأضاف:‏
ولا تنس أن يكون موضع سجودك بمستوى موضع ركبتيك وابهاميك فلا يزيد ارتفاع أحدهما عن الاَخر أربع أصابع مضمومة [وكذلك موضع سجودك مع موضع وقوفك].
‏ ‏‏ لو وضعت جبهتي وكفّي وابهامي قدمي وركبتي على الاَرض فماذا أصنع؟
ــ قل بعد أن يستقر بك السجود: «سبحان ربّي الاَعلي وبحمده» مرّةً واحدة، أو قل: «سبحان الله» ثلاثاً، أو «الله أكبر» ثلاثاً، أو «الحمد لله» ثلاثاً أو غيرها من الاَذكار التي هي بقدرها..
‏ ثمّ ارفع رأسك حتى تجلس مطمئناً، فاِن جلست مطمئنّاً مستقرّاً أعد الكرة، فاسجد السجدة الثانية وأقرأ بها ما تختاره مما عرفت من ذكر السجود.
‏ ‏‏ واِن لم أتمكّن من الانحناء التام للسجود لمرضٍ مثلاً؟
ــ حاول الاَنحناء أقصى ما تستطيع، وضع ما تسجد عليه على مرتفع ثم ضع جبهتك عليه مراعياً وضع سائر المساجد في محالها.
‏ واِن لم أتمكّن من ذلك أيضاً؟
أُوْمئ برأسك الى موضع السجود. واِن لم تتمكن فأُومئ بعينيك غمضاً له وفتحاً للرفع منه.
‏ سابعها: التشهدّ.
‏ ويجب بعد السجدة الثانية من الرّكعة الثانية في كل صلاة، وفي الركعة الاخيرة من صلاة المغرب والظهر والعصر والعشاء.
‏ ‏‏ وماذا أقول فيه؟
ــ قل: [اشهد ان لا اِله اِلاّ الله وحده لا شريك له، واشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله اللهم صلِّ على محمّدٍ وآل محمّدٍ] تؤديه بصورة صحيحه وأنت جالس مطمئن في جلوسك موالياً بين افعالك.
‏ ثامنها: التسليم.
‏ وهو واجب في الرّكعة الاَخيرة من كلِّ صلاة، تقوله بعد التشهدّ وأنت جالس مستقر في جلوسك.
‏ ‏‏ وماذا أقول فيه؟
ــ يجزي فيه أن تقول «السلام عليكم» والاَفضل ان تضيف اليه: «ورحمة الله وبركاته» وافضل منه ان تقول قبله: «السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين».
‏ هذه هي أجزاء الصّلاة، تؤدّيها متسلسلة كما عددتها وفصلتها لك، متوالية يلي بعضها بعضاً، ويمسك بعضها بزمام بعض، دونما فواصل بين اجزائها تخل بهيئتها ووحدتها.
‏ ‏‏ لم تذكر لي القنوت رغم أنّك ترفع يديك وتقنت في صلاتك؟
ــ القنوت مستحب مرة واحدة في الصلوات اليومية وغيرها [عدا صلاة الشفع] فبعد قراءتك للسورتين من ركعتك الثانية وقبل ركوعك أرفع يديك للقنوت اذ ما أردت أن تفعل المستحب.
‏ ‏‏ وهل له ذكر محدد أقوله؟
ــ كلا، يمكنك أن تتلو فيه آية قرآنية تدعو فيها الله سبحانه وتعالى بماأردت وتناجي ربّك وتدعوه بأيِّ دعاء شئت.

الطاهرة
28-10-2010, 18:58
حواريّة الصَّلاة الثانية






قبل أن يحين موعد حواريّة الصلاة الثانية حاولت أن اُعيد استذكار ما دار في حواريّة الصلاة الاولى من أفكار لاَختبر مدى فعاليّة ذاكرتي ولأسال عمّا لم أحفظه أو لم استوعبه ما دمنا بعد لم نودع حواريّة الصلاة.‏
وما أن حضر أبي حتى بادرته بسؤال عنَّ لي فلم أستطع الجواب عنه، قلت له:‏
أيمكن أن أصلّي صلاة العشاء بركعتين؟
ــ كلا.. ألم أقل لك أنّها صلاة رباعية.‏
‏‏ ولكنني رأيتك صليتها مرة بركعتين.‏
ــ أكُنّا في سفر؟
‏‏ نعم.‏
ــ هذا صحيح، فالصلاة الربّاعية «صلاة الظهر والعصر والعشاء» يجب أن تقتصر على ركعتين في السّفر، اِذا تمّت شروط قصرها التالية:‏
‏ 1 ـ أن يقصد الشخص السفر لمسافة تبعد «44 كليو متراً» تقريباً أو تزيد عن محل سكناه سواء أكانت هذه المسافة للذهاب فقط أم للذّهاب والاَياب.‏
‏‏ وضحّ لي أكثر.‏
ــ اِذا سافر مسافر ما لمدينة تبعد عن محل سكناه «44كم» فأكثر يجب عليه التقصير في صلاته بأن يصليّ الصلاة ذات الاربع ركعات ركعتين فقط.‏
وكذلك اِذا سافر لمدينة تبعد «22كم» عن بلد سكناه وكان عازماً على الرجوع منها لبلده مرة أخرى في ذلك اليوم مثلاً.‏
‏‏ ومن أيِّ مكان يبدأ بقياس المسافة؟
ــ يبدأ بقياس المسافة من المكان الّذي يعد الانسان بعد تجاوزه مسافراً عرفاً وغالباً ما يبدأ من آخر بيوت المدينة ولمسافة 44كم.‏
‏ 2 ـ ان يستمر المسافر في قصده فلو تغيّر رأيه وبدا له في امره أتمّ صلاته اِلاّ أن يكون قد عزم على الرجوع الى بلده وكان مسيره المتقدّم بضميمة العود والرجوع بمقدار المسافة فيجب عليه حينئذٍ القصر.‏
‏ 3 ـ ان يكون سفره سائغاً، فلو كان نفس السفر حراماً كما في بعض حالات سفر الزوّجة بدون اذن زوجها أو كان يقصد الحرام في سفره بان قصد السرقة في سفره مثلا كان عليه ان يتم صلاته، ويلحق بذلك ما اذا سافر للصيد لهوا فانه ايضا يتمّ صلاته.‏
‏ 4 ـ أن لا يمر المسافر بوطنه وينزل فيه أو مقر أقامته فيقيم أثناء السّفر وان لا ينوي الاقامة عشرة أيام فصاعداً في البلد الذي سافر اِليه، وأن لا يكون قد بقي متردداً لا يدري متى سيسافر من تلك البلدة التي سافر اِليها لمدة ثلاثين يوماً. فأنّه عندئذٍ يقصر في صلاته من أوّل سفره ولا يتم.‏
‏‏ واِذا مرّ بوطنه أو مقر اِقامته أثناء سفره ذاك ونزل فيه أو كان عازماً على الاقامة في البلد الذي سافر اِليه عشرة أيام فصاعداً، أو كان قد بقي متردّداً لا يدري متى سيعود من سفره ذاك مدّة ثلاثين يوماً؟
ــ عندئذ يتم صلاته، ويتم المردد بعد اليوم الثلاثين ما دام باقياً في ذلك البلد.‏
5 ـ أن لايكون السفر من طبيعة عمله كأن يمتهن عملاً سفريّاً كالسائق والملاّح والرّاعي أو يتكرر منه السفر خارجاً لاَجل عمله أو لغرضٍ آخر.‏
‏‏ معنى هذا أنّ السائق يتمّ صلاته اثناء السفر؟
ــ نعم، فمن كانت مهنته السياقة الى خارج المسافة يتمّ صلاته أثناء ممارسته مهنته.‏
‏‏ والتاجر والطالب والموظف اِذا كان يقيم في بلد ما وجامعته أو دائرته أو مركز تجارته في بلد اَخر يبعد عن محل أقامته 22 كم فأكثر وهو يسافر كل يوم أو يومين ليلتحق بها؟
ــ يتم صلاته ولا يقصّر.‏
‏6 ـ أن لا يكون ممّن لا مقرّ له بان يكون بيته معه كالسائح الّذي ليس له وطن أو اعرض عن وطنه وهو يدخل من بلد الى بلد وليس له مقر في أيّ منها.‏
‏‏ ومتى يبدأ المسافر بالتقصير؟‏
ــ يجب عليه التقصير اِذا توارى عن أنظار أهل بلده لا بتعاده عنهم، وعلامة ذلك غالباً أنّه لم يعد يرى أشخاص ساكنيه فاِنّه عندئذٍ يقصِّر في صلاته.‏
‏‏ قلت لي: اِذا مرَّ المسافر بوطنه ونزلَ فيه يتمّ صلاته، فماذا تقصد بوطنه؟
ــ أقصد بالوطن هناك:‏
أ ـ مقرّه الاَصلي الّذي ينسب اِليه ويكون مسكن أبويه ومسقط رأسه عادةً.‏
ب ـ المكان الّذي اتخذه الانسان مقرّاً ومسكناً لنفسه بحيث يريد ان يبقى فيه بقية عمره.‏
جـ ـ المكان الّذي اتخذه مقرّاً لفترة طويلة بحيث لا يقال عنه ما دام هو فيه أنّه مسافر.‏
‏‏ معنى هذا.‏
‏ 1 ـ اِذا مرَّ المسافر بوطنه ونزل فيه.‏
‏ 2 ـ واِذا قصد الاقامة عشرة أيام متتالية أو أكثر في مكان ما قد سافر اِليه.‏
‏ 3 ـ واِذا سافر لبلد مّا وبقي فيه مدّة ثلاثين يوماً متردّداً لا يدري متى سيعود منه الى وطنه. فان المسافر يتمّ صلاته ولا يقصر؟
ــ نعم.‏
‏‏ واِذا سافر ولم يعترضه شيء من هذه النقاط الثلاثة المتقدّمة؟
ــ يقصر في صلاته. فكل مسافر لمسافة تبعد «44» كم فأكثر عن مدينته يقصر في صلاته، اِلاّ اِذا مرّ بوطنه ونزل فيه أو أقام ناوياً عشرة أيّام... أو.‏
ــ نعم..نعم..‏
‏‏ واِذا حان وقت الصلاة وهو مسافر ولم يصل اثناء السفر، بل عاد لبلده فكيف يصلي في بلده؟
ــ يتم صلاته، لانه حين صلّى صلّى في بلده.‏
‏‏ واِذا حان وقت الصلاة وهو في بلده ولم يصل، ثم سافرمسافة 44كم أو أكثر.‏
ــ يقصر في صلاته، لانّه حين صلي، صلي وهو مسافر.‏
‏‏ أشاهد بعض الاَحيان مجموعة من الناس يصلّون الفرائض سوية يركعون معاً ويسجدون معاً ويقومون معاً.‏
ــ أنّهم يصلون صلواتهم اليومية المفروضة جماعة لا فرادى.‏
‏‏ وكيف نصلّي صلاتنا جماعة؟
ــ اِذا اجتمع شخصان أو أكثر وكان أحدهما جامعاً لشرائط اِمام الجماعة جاز لهم أن يقدموه ليصلّي بهم جماعة، فينالوا بذلك أجراً اِضافياً .‏
‏‏ اِذن صلاة الجماعة مستحبة؟
ــ نعم ولها ثواب عظيم خاصة خلف الرّجل العالم وكلما زاد عدد أفراد الجماعة زاد فضلها .‏
‏‏ وما هي شرائط اِمام الجماعة تلك التي أشرت اِليها في حديثك؟
ــ يشترط في اِمام الجماعة أن يكون بالغا ، عاقلاً غير مجنون . مؤمناً ، عادلاً لا يعصي ربه . صحيح القراءة ، ولادته شرعيّة ، ذكراً اِذا كان المأموم ذكراً .‏
‏‏ وكيف نعرف أن هذا الرجل المؤمن ، عادل حتى نصلّي خلفه؟
ــ يكفي فيه حسن ظاهره .‏
‏‏ هل يعتبر في الجماعة واِمامها شرائط أخرى؟
ــ نعم [ يعتبر أن لا يكون الاِمام ممّن جرى عليه الحد الشرعي] وأن تكون صلاته عن قيام اِذا كان المأموم يصلّي عن قيام ؛ وأن يكون توجّهه الى الجهة التي يتوجّه اِليها المأموم ؛ فلا يجوز لمن يعتقد أنّ القبلة في جهة أن يأتمّ بمن يعتقد أنّها في جهة أخرى وأن تكون صلاته بنظر المأموم صحيحة فلو توضّأ الاِمام بماء نجس وهو لا يعلم بنجاسته والمأموم يعلم بذلك عندئذٍ لا يجوز للمأموم أن يأتمّ به .‏
‏‏ وكيف اُصلّي صلاتي جماعة؟
ــ تختار شخصاً معيّناً جامعاً لشرائط اِمام الجماعة مارّة الذكر فتقف الى يمينه اِن كنت وحدك متأخراً عنه قليلاً أو تقف خلفه اِذا كنتما اثنين أو أكثر من دون أن يفصل بينك وبينه حائل كالجدار مثلاً، ومن دون أن يرتفع موضع وقوفه على موضع وقوفك أرتفاعاً غير يسير ويشترط أن لا يكون الفاصل بينك وبين اِمام الجماعة أو بينك وبين المصلي الذي الى جنبك أو قدّامك المرتبط باِمام الجماعة كثيراً.‏
‏‏ اذن فلنقل على المصلّين أن لا يفصل بين أحدهم وصاحبه أكثر من متر تقريباً.‏
ــ [نعم تقريبا] ويكفي أن يرتبط المصلّي بصاحبه ولو من جهة واحدة، يكفيه أن يرتبط بمصلٍّ امامه أو بمصلٍّ عن يمينه أو بمصلٍّ عن شماله، يكفيه أحدهم.‏
‏‏ وماذا بعد ذلك؟
ــ اِذا كبَّر اِمام الجماعة مبتدئاً صلاته كبَّر المصلون خلفه، فاِذا قرأ سورة الحمد والسورة اللاحقة لها لم يقرأ المأمومون ذلك ان تلاوته تجزي عن تلاوتهم فهو يتحملّ عنهم قراءتهم، فاذا ركع ركعوا خلفه، واِذا سجد سجدوا خلفه واِذا جلس جلسوا، والاَفضل لهم أن يتشهدّوا بعد تشهدّه، وان يسلِّموا بعد تسليمه.‏
‏‏ وهل أتلو الذكر في ركوعي وسجودي وتشهدّي، وهل اقرأ التسبيحات في الركعتين الثالثة والرابعة، أو أصمت وأنصت له؟
ــ بل أقرأ كما كنت تقرأ وأنت تصلّي منفرداً.. أِقرأ الّذكر في الركوع والسجود والتشهّد، وردّد التسبيحات في الركعتين الثالثة والرابعة كما اعتدت. ‏فقط قراءة السورتين يتحملّها عنك فقط، ثمّ أن عليك متابعته.‏
‏‏ ماذا تقصد؟
ــ عليك أن تتابع اِمام الجماعة في كل خطوة يخطوها، فاِذا ركع ركعت معه، واِذا سجد سجدت معه، واِذا رفع رأسه من السجود رفعت رأسك معه، وهكذا فلا تتقدّم عليه في افعال الصلاة.‏
‏‏ ومتى التحق باِمام الجماعة؟
ــ التحق باِمام الجماعة وهو قائم بعد تكبيره أو وهو راكع.‏
‏‏ اِذا التحقت به وهو يتلو السورتين فلا أقرأ السورتين فانّه يتحملهما عني كما قلت لي، ولكن اِذا كان راكعاً فكيف ألتحق به؟
ــ كبِّر لصلاتك ثم اركع مباشرة حتى اِذا أنهى اِمام الجماعة ركوعه وقام، قمت معه.‏
‏‏ وقراءتي للسورتين؟
ــ تسقط قراءتهما عنك اِذا التحقت به وهو راكع.‏
‏‏ واِذا التحقت به وهو قائم يسبِّح لركعته الثالثة أو الرابعة؟
ــ كبِّر ثم أقرأ السورتين بصوت خافت.‏
‏‏ واِذا لم يسعني الوقت لاتمامهما.‏
ــ اِقرأ سورة الحمد وحدها.‏
‏‏ أألتحق بامام الجماعة لاُصلي صلاة الظهر، واِمام الجماعة يصلّي العصر؟
ــ نعم، يحق لك أن تلتحق بالجماعة، يحق لك واِن اختلفت صلاتك مع صلاة اِمام الجماعة من حيث الجهر والاخفات، أو القصر والتمام أو القضاء والاداء.‏
‏‏ وهل للنساء جماعة كما للرجال؟
ــ نعم، فيجوز للمرأة أن تصلّي صلاتها جماعةً خلف رجل تتوّفر فيه شروط اِمام الجماعة مارة الذكر، كما يجوز لها أن تأتم بالمرأة، ولكن اِذا أمَّت المرأة النساء [وجب أن تقف في صفهن من دون أن تتقدّم عليهنّ] كما يفعل اِمام جماعة الرجال.‏
أما اِذا صلَّت النساء مع الرجال وجب أن يصلين خلف الرجال، أو بصفهّم مع حائل ولو كان جداراً.‏
‏‏ هذه هي صلاة الجماعة، غير أني أسمع بصلاة تسمّى صلاة الجمعة.. فهل هي غيرها؟
ــ نعم، انها ركعتان كصلاة الصبح، غير أنها تمتاز عنها بوجود خطبتين قبلها حيث يقف الامام ويتكلم فيهما بما يرضي الله وينفع الناس.‏
وأقل ما يجب عليه في الخطبة الاَولى أن يحمد الله [باللغة العربية] ويثني عليه. ويوصي بتقوى الله ويقرأ سورة قصيرة من القرآن الكريم. ثم يجلس قليلاً ليقوم مرة اُخرى للخطبة الثانية فيحمد الله ويثني عليه ويصلّي على محمد وآل محمد وعلى ائمة المسلمين عليهم السلام والاَفضل أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات.‏
‏‏ وهل هناك شروط في وجوبها؟
ـ نعم، يشترط في وجوبها أن يدخل وقت صلاة الظهر، وأن يجتمع خمسة أشخاص بضمنهم اِمام الجمعة. وأن يوجد اِمام لها جامع للشرائط تلك التي مر ذكرها في امام الجماعة.‏
واِذا اقيمت صلاة الجمعة في بلد ما جامعة للشرائط فاِن كان من أقامها هو الاِمام المعصوم أو من يمثِّله وجب على الرجال جميعاً المقيمين في ذلك البلد غير المحرجين لمطر أو بردٍ شديد أو نحوهما السالمين من المرض والعمى عدا الشيخ الكبير والمسافر حضورها من مسافة «11كم» تقريباً..‏
واِن كان الّذي أقامها غير الاِمام وغير من يمثله لم يجب حضورها ويجوز الاِتيان بصلاة الظهر.‏
ولو صلّى المصلي صلاة الجمعة الجامعة للشروط اكتفى بها عن صلاة الظهر فهي تجزي عنها.‏
بقي أن أشير لاَمرين:‏
أولهما: أن صلاة الجمعة واجبة تخييراً، فالمكلّف مخيَّر بين الاتيان بها اِذا توفّرت شروطها وبين الاتيان بصلاة الظهر والجمعة أفضل.‏
ثانيهما: يعتبر أن لا تكون المسافة بين صلاة الجمعة وبين صلاة جمعة أخرى أقل من «5 و5» كم تقريباً.‏
‏‏ أحببت أن أسألك سؤالاً أستحيي أن أسأله.‏
ــ سل ما شئت فلا حياء في الدين.‏
‏‏ اِذا لم أصل بعض الصلوات الواجبة لنوم، أو غفلة تارة، وبسبب التسامح واللامبالاة والجهل تارة أخرى، أو كنت قد صلّيتها فاسدة وقد خرج وقتها؟
ــ يجب عليك قضاؤها فاِن كانت جهريّة كصلاة الصبح والمغرب والعشاء تقضيها جهراً، واِن كانت اِخفاتية كصلاة الظهر والعصر تقضيها بصوتٍ خافت، واِن كانت قصراً تقضيها قصراً واِن كانت تماماً تقضيها تماماً.‏
‏‏ وهل أقضي صلاة الظهر عندما يحين الزوال، وأقضي صلاة العشاء عندما يحين وقت صلاة العشاء وهكذا.‏
ــ كلاّ بل يحق لك قضاء أيّة صلاة فاتتك متى شئت، ليلاً كان وقت القضاء أم نهاراً. فيحق لك أن تقضي صلاة الصبح مساءً وهكذا.‏
‏‏ واِذا لم أعلم كم صلاةٍ فاتتني، فكم صلاة أقضي؟
ــ صل ما تأكدّت من فواته عليك واِنّك لم تصله في وقته، أمّا التي تشك في فواتها فلا يجب عليك قضاؤها.‏
‏‏ اضرب لي مثلاً.‏
ــ اِذا تأكّدت مثلاً أنّك لم تصل صلاة الصبح منذ شهر وجب عليك قضاء صلاة الصبح لمدّة شهر، ولكنّك اِذا شككت بأنّك مطلوب أو غير مطلوب فلا يجب عليك القضاء.‏
مثال آخر، اِذا كنت تعلم أنّك لم تصل صلاة الصبح مدّة من الزّمن، ودار الاَمر في نفسك بين احتمالين: أما أنّك مطلوب شهراً واحداً، أو مطلوب شهراً وعشرة أيّام. جاز لك حينئذٍ أن تصلي الشهر وتقتصر عليه وحده دون الزائد عليه.‏
‏‏ وهل يجب أن نقضي ما فاتنا فوراً وبدون تأخير؟
ــ كلا، بل يجوز التأخير من دون تهاون أو تسامح، وأوصيك أن تقضي كل صلاة تفوتك في نفس اليوم الذي فاتتك فيه، فاِذا لم تستيقظ لصلاة الصبح مثلاً فاقض صلاة الصبح في نفس اليوم عندما تصلّي الظهر قبلها أو بعدها لئلاّ تتراكم عليك فيصبح قضاؤها صعباً. أعاذك الله من التهاون والتسامح في القضاء ووفقك لاَداء صلواتك في أوقاتها المحددّة لها.‏
‏‏ دعنا نعود الى الوراء قليلاً ففي بداية حواريّة الصلاة الاُولى ذكرت لي وأنت تعدد الصلوات الواجبة صلاة تفوت الوالد فيجب على الولد الاكبر له قضاؤها اِن لم يقضها الاَب حتى يموت.‏
ــ نعم [يجب على الابن الاَكبر قضاء الصلاة الفريضة] اِذا فاتت الوالد لعذر ولم يقضها مع تمكّنه من القضاء حتى مات ولم يكن ابنه الاَكبر قاصراً حين موته ولا ممنوعاً من اِرثه وله أن يستأجر غيره للقضاء نيابة عنه.‏
‏‏ وذكرت لي صلاة الاَيات.‏
ــ تجب صلاة الاَيات على كُلِّ مكلَّف عدا الحائض والنّفساء، عند كسوف الشمس أو خسوف القمر ولو جزئيّاً [وعند الزلازل] ويرجّح ان تصليها عند كل مخوف سماوي كالصاعقة والصيحة والريح السوداء وغيرها، وعند كل مخوف أرضي كالخسف والهدّة فيما لو حصل الخوف فيهما ـ السماوي والارضي ـ لغالب النّاس، وتصلى صلاة الاَيات فرادى كما تصلى في الكسوفين جماعة.‏
‏‏ ومتى تؤدى صلاة الاَيات؟
ــ في الكسوف والخسوف من بدايتهما الى تمام انجلاء الشمس والقمر.‏
‏‏ وفي الزلازل والصاعقة وكل أمرٍ سماوي أو أرضي مخيف؟
ــ ليس لصلاتها وقت محدد، بل يؤتى بها بمجرد حصولها، اِلاّ مع سعة زمان الاَية، فيؤتى بها ما لم ينقض زمانها.‏
‏‏ وكيف اُصلّي صلاة الاَيات.‏
ــ اِنها ركعتان في كل ركعة منها خمس ركوعات.‏
‏‏ وكيف ذاك؟
ــ تكبّر أوّلاً ثمّ تقرأ سورة الفاتحة وتلحقها بسورة تامّة غيرها ثم تركع فاِذا رفعت رأسك من ركوعك تقرأ الفاتحة مرة أخرى وسورة تامّة غيرها. وهكذا الى أن تركع الركوع الخامس.‏
فاِذا رفعت رأسك منه هويت للسجود فتسجد سجدتين كما كنت تسجد دائماً في صلواتك.‏
ثمّ تقوم للركعة الثانية فتفعل فيها كما فعلت في اُختها الركعة الاولى تماماً.‏
ثمّ تتشهّد وتسلم وبذلك تختم صلاتك وبهذا يتّضح أنّها تحتوي على عشرة ركوعات ولكن ركعتين.‏
وهناك صورة اُخرى لهذه الصلاة لا حاجة لذكرها هنا طلباً للاختصار.‏
‏‏ واِذا حصل كسوف أو خسوف ولم أعلم بحصوله حتى تمّ الانجلاء وانتهى كل شيء؟
ــ اِذا كان الكسوف أو الخسوف كلّياً بحيث شمل القرص كلَّه وجب عليك القضاء.‏ واِن لم يكن كليّاً بل كان جزئياً بأن شمل بعض القرص لا كلّه لم يجب عليك القضاء.‏
‏‏ والزلزلة والصاعقة؟
ــ اِذا مضى الزمان المتصل بحدوثهما ولم تصل لاي سبب سقطت الصلاة.‏
‏‏ وهل يجب عليّ أن أصلّي صلاة الاَيات عندما يحدث خسوف أو كسوف في ايَّ بقعة من بقاع الاَرض؟
ــ كلاّ، بل تجب عليك الصلاة عندما يقع الخسوف أو الكسوف في بلدك وما يلحق ببلدك أو يشترك معه في الاحساس بالحدث لو وقع. ولا تجب عليك الصلاة عندما يقع الحدث في مكان ما من العالم بعيد عنك.‏
‏‏ قلت لي اِن الصلوات واجبة ومستحبة، ولم تحدّثني عن الصلوات المستحبّة؟
ــ اِنها كثيرة لا يسع المجال لذكرها هنا، ولذلك فسأقتصر على بعض منها فقط.‏
‏ 1 ـ صلاة الليل والافضل اداؤها في الثلث الاَخير من الليل، وكلمّا اقترب الوقت من طلوع الفجر كان أفضل، وهي ثمان ركعات يسلم المصلي بعد كل ركعتين منها مثل صلاة الصبح، فاذا انتهى من ذلك صلّى الشفع وهي ركعتان، ثمّ صلّى الوتر، وهي ركعة واحدة، فيكون المجموع أحدى عشرة ركعة.‏
‏‏ علمّني كيف أؤدّي الوتر وهي ركعة واحد؟
ــ كبِّر لها أوّلاً ثم أقرأ الحمد ويستحب أن تقرأ بعدها سورة التوحيد ثلاثاً وسورتي الناس والفلق، ثم ترفع يديك بالدعاء فتدعو بما شئت.‏
ويستحب ذلك أن تبكي من خشية الله. وأن تستغفر لاَربعين مؤمناً تذكرهم بأسمائهم وأن تقول سبعين مرّة: «أستغفر الله ربّي وأتوب اِليه»، وسبع مرّات:‏ «هذا مقام العائذ بك من النّار»، وثلاثمائة مرّة: «العفو»، فاِذا فرغت فاركع ثمّ أسجد كما كنت تركع وتسجد في صلواتك اليوميّة ثمّ تشهد وسلم.‏
ولك أن تقتصر على الشفع والوتر وحدهما، بل على الوتر وحدها وخاصّة اِذا ضاق بك الوقت.‏
‏‏ وما هو فضل صلاة الليل؟
ــ لصلاة الليل فضل كبير فقد روي عن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «قال النّبي صلى الله عليه وآله في وصيته لعليّ عليه السلام : وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل». وعن النّبي صلى الله عليه وآله أيضاً: «صلاة ركعتين في جوف الليل أحبٌّ اِليَّ من الدّنيا وما فيها» وعن الاِمام أبي عبدالله عليه السلام : أنّه جاءه رجل فشكا اِليه الحاجة فأفرط في الشكاية حتى كاد أن يشكو الجوع فقال له أبو عبدالله عليه السلام :‏ «يا هذا أتصلّي بالليل»؟ فقال الرجل: نعم فالتفت أبو عبدالله عليه السلام الى صاحبه فقال: «كذب من زعم أنّه يصلّي بالليل ويجوع بالنّهار: ان الله عزّ وجل ضمن بصلاة الليل قوت النهار».‏
‏ 2 ـ صلاة الوحشة أو صلاة ليلة الدفن: ووقت أدائها الليلة الاولى من الدفن في أيّة ساعة شئت منها، وهي ركعتان تقرأ في الاُولى بعد الحمد آية الكرسي [اِلى قوله تعالى: (هم فيها خالدون)] وتقرأ في الركعة الثانية بعد الحمد سورة القدر عشر مرات وبعد التشهد والسلام تقول: «اللّهم صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد وابعث ثوابها الى قبر فلان» وتسمّي الميت وهناك صورة أخرى لهذه الصلاة راجع كتب الفقه اِن شئت الاطلاع عليها.‏
‏3 ـ صلاة الغفيلة: وهي ركعتان بين المغرب والعشاء تقرأ في الركعة الاُولى بعد الحمد الاَية الكريمة: (وذا النون اِذ ذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا اِله اِلاّ أنت سبحانك انّي كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجّيناه من الغمّ وكذلك ننجي المؤمنين).‏
وتقرأ في الركعة الثانية بعد الحمد الاَية الكريمة: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها اِلاّ هو ويعلم ما في البرّ والبحر وما تسقط من ورقة اِلاّ يعلمها ولا حبّةٍ في ظلماتِ الاَرض ولا رطبٍ ولا يابس اِلاّ في كتاب مبين).‏
ثم ترفع يديك بالدعاء فتقول: «اللّهم اِنّي أسأُلك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها اِلاّ أنت أن تصلّي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا» وتذكر حاجتك. ثم تقول: «اللهمّ أنت وليّ نعمتي والقادر على طلبتي تعلم حاجتي فأسألك بحق محمد وآله عليه وعليهم السلام لمّا قضيتها لي»، ثم تسأل حاجتك فاِنّها تقضى اِن شاء الله.‏
‏ 4 ـ صلاة اليوم الاَوّل من كل شهر: وهي ركعتان تقرأ في الركعة الاُولى بعد الحمد سورة التوحيد ثلاثين مرّة. وتقرأ في الركعة الثانية بعد الحمد سورة القدر ثلاثين مرّة، ثمّ تتصدق بما تيّسر، تشتري بذلك سلامة الشهر. ويستحب قراءة بعض الاَيات القرآنية المخصوصة بعدها.‏
‏5 ـ صلاة الاِمام علي عليه السلام : وهي أربع ركعات تصلّيها ركعتين ركعتين كصلاة الصبح تقرأ في كل ركعة سورة الحمد مرّة وسورة التوحيد خمسين مرّة. يقول الاِمام عليه السلام :‏ «من صلّي أربع ركعات يقرأ في كل ركعة (قل هو الله أحد) خمسين مرّة لم ينفتل وبينه وبين الله ذنب».‏
‏ 6 ـ صلاة لتيسير الاَمر العسير: وهي ركعتان، قال الاِمام أبو عبدالله عليه السلام : اِذا عسر عليك الاَمر فصلِّ ركعتين تقرأ في الاُولى فاتحة الكتاب و(قل هو الله أحد)‏و(اِنّا فتحنا) الى قوله: (وينصرك الله نصراً عزيزاً) وفي الثانية الفاتحة و ‏(قل هو الله أحد) و (ألم نشرح لك صدرك).‏

الطاهرة
28-10-2010, 18:59
«حواريّة الصّوم»




بدأ أبي حديثه عن شهر رمضان وفي صوته بحّةٍ مرتعشة، وفي عينيه نثارة من دمع متوهّج مشتعل، وفي روحه ينبوع من حنان متفجّر.‏ فاسم رمضان يقترن عنده بكل المعاني العذبة الجميلة الخيّرة للصفح والسماح والبركة والرّحمة ‏والمغفرة والرّضوان.‏
‏ ومن أجل أن يثبّت قناعاته تلك ويُوثق مشاعره نقلني الى مشهد يعبق بعطر الجلال ووسامة المهابة.‏. الى حيث يقف رسول الله صلى الله عليه وآله محاطاً بأهل بيته واصحابه يخطب فيهم، فيقول: «أيّها الناس اِنّه قد أقبل اِليكم شهر الله بالبركة والرّحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيّامه أفضل الاَيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه الى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة.‏ وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب فسألوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفّقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فاِن الشّقي من حُرم غفران الله في هذا الشهر ‏العظيم.‏
‏ أيّها الناس اِن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة.‏ فسلوا ربكم أن لا يغلقها عليكم.‏ وابواب النيران مغلقة، فسَلوا ربكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين ‏مغلولة، فسلوا ربّكم أن لا يسلطها عليكم».‏
‏ قرأ ذلك، ثم أنعطف بي الى شقٍ من خطبة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وكأنّه يريد ان يشير لي الى ما ينبغي عليّ عمله في هذا الشهر المبارك فقرأ عليَّ قوله صلى الله عليه وآله : «أيّها الناس من فطَّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق ‏رقبة، ومغفرة لما مضى من ذنوبه».‏
‏ قيل: يا رسول الله وليس كلنا نقدر على ذلك.‏ فقال صلى الله عليه وآله: «اِتّقوا النار ولو بشقّ تمرة.‏. اِتقوا الله ولو بشربة من ماء.‏ فاِن الله تعالى يهب ذلك الاَجر لمن عمل ‏هذا اليسير اِذا لم يقدر على اكثر منه.‏..‏
‏ يا أيّها الناس من حَسَّن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الاَقدام، ومن خفَّفَ في هذا الشهر عما ملكت يمينه خفَّف الله عليه حسابه.‏ ومن كفَّ فيه شرّه كف الله عنه غضبه يوم يلقاه ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصلّه الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه، ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل ‏أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور».‏
‏ وما أن أنتهى بي الى هذا الموضع من خطبة النبي صلى الله عليه وآله حتى تناول بالنقد والتجريح بعضاً من المظاهر السلوكيّة لصائمين يظنّون أن الصوم هو الامتناع عن الاكل والشرب فقط، موثقاً تجريحه ذاك بحديث للاِمام عليّ عليه السلام قال فيه: «كم من صائمٍ ليس له من صيامه اِلاّ الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه اِلاّ ‏العناء».‏
‏ ثمّ أردف بحديث آخر للاِمام الصادق عليه السلام قال فيه: «اِذا أصبحت صائماً فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك وجميع جوارحك»، وقال عليه السلام أيضاً: «اِن الصيام ليس من الطعام والشراب وحدهما، فاِذا صمتم فاحفظوا السنتكم عن الكذب، وغضّوا أبصاركم عمّا حَرَّمَ الله، ولا تنازعوا، ولا تحاسدا، ولا تغتابوا ولا تسابّوا، ولا تشاتموا، ولا تظلموا، .‏..‏ واجتنبوا قول الزور، والكذب والخصومة، وظنّ السوء، والغيبة، والنميمة، وكونوا مشرفين على الاَخرة، منتظرين لاَيامكم، منتظرين لما وعدكم الله، متزوّدين للقاء الله، وعليكم السكينة والوقار، والخشوع والخضوع، وذلّ ‏العبيد الخيف من مولاها خائفين راجين».‏
‏ ثمّ قصَّ عليّ بعد ذلك قصة حدثت مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فقد سمع النّبيّ صلى الله عليه وآله: امرأة ‏تسبَّ جارية وهي صائمة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله بطعام فقال لها: «كلي» .‏ فقالت:‏‏ اِنّي صائمة يا رسول الله «كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك اِن الصوم ليس من الطعام والشراب وانّما جعل الله ذلك حجاباً عن سواهما من الفواحش من الفعل ‏والقول، ما أقلَّ الصوّم وأكثر الجوع».‏
‏ ‏ قلت لاَبي وقد تملّكتني رهبة وشدَّني خشوع مهيب: يجب عليَّ اِذن أن أصوم شهر رمضان هذه السنة، ولكن كيف أعرف أن رمضان قد بدأ حتى أصومه؟
ــ تعرف ذلك بثبوت رؤية هلال رمضان في بلدك أو في البلاد القريبة منه التي تشاركه في الافق بمعنى أن تكون الرؤية الفعليّة للهلال فيها ملازمة ‏لرؤيته في بلدك لولا المانع من سحاب أو غيم أو جبل أو نحو ذلك.‏
‏ ‏‏ ــ وبماذا تثبت رؤية الهلال؟
‏ ــ تثبت بما يأتي:‏‏
‏1 ـ أن ترى الهلال بنفسك.‏
‏ ‏ 2 ـ أن يشهد رجلان عادلان برؤيته مع عدم علمك باشتباههما وعدم معارض ‏لشهادتهما.‏
‏ ‏ 3 ـ أن يمضي ثلاثون يوماً من شهر شعبان فتعرف أن شهر شعبان قد انتهى ‏بالتأكيد وبدا شهر رمضان اليوم.‏
‏ ‏ 4 ـ ان يشيع ويشتهر عند الناس رؤية هلال رمضان فتجزم أو تطمئن برؤيته.‏
‏ واِذا لم أعرف أول الوقت هل ثبت هلال رمضان فأصوم غداً أو لم يثبت، فهل أصوم وأنا لا أدري أن يوم غد هو آخر يوم من شعبان أو أنّه أول يوم من رمضان؟
ــ صمه على أنّه من شعبان، فاِذا تبيّن بعد ذلك أثناء النّهار أنّه من رمضان ‏عدلت عن نيّة شعبان وحسب لك من رمضان ولا شيء عليك.‏
‏ ‏ ويجوز لك أن لا تصوم يوم الشك.‏
‏ وكيف أعرف أن شهر رمضان قد أنتهى وأنّ شهر شوال قد بدأ فأفطر؟
ــ بنفس الطريقة المتقدّمة التي عرفت بها بداية شهر رمضان بأن ترى هلال شهر ‏شوال بنفسك أو.‏..‏أو.‏..‏
‏ نعم.‏. نعم.‏ واِذا ثبت لديّ أن هلال رمضان قد هلَّ؟
ــ وجب عليك الصوم وعلى كل مسلم، بالغ، عاقل، آمِنٌ من ضرر الصوم عليه، حاضر غير ‏مسافر ولا مغمى عليه.‏
‏ وبالنسبة للنساء يجب الصوم على المرأة الطاهرة من الحيض والنفاس، فالحائض والنفساء لا تصوم، وتقضي ما فاتها من صيام شهر رمضان بعد ‏ذلك.‏
‏ ‏‏ واِذا خاف الانسان على نفسه من الصوم؟
ــ لا يصوم من خاف على نفسه الاِصابة بمرض جرّاء الصوم، أو اشتداد مرض، أو تأخير شفاء مرض أو زيادة ألمه كل ذلك بالمقدار المتعدِّ به الّذي لم تجر ‏العادة بتحمّله.‏
‏ ‏‏ والمسافر؟
‏ ــ اِذا سافر بعد الزوال [ بقي على صيامه ]، واِذا سافر قبل الفجر أفطر .‏
‏ ‏‏ واِذا سافر بعد الفجر؟
ــ اِذا سافر بعد الفجر [لا يصح منه الصوم سواء كان عازماً على السفر من ‏الليل أم لم يكن] وعليه القضاء.‏
‏ ‏‏ اِذا أردتُ أن أصوم فكيف أصوم؟
‏ ــ تنوي الصوم من أوّل الفجر الى غروب الشمس قربةً الى الله تعالى.‏
‏ ‏‏ ــ ألا يعني الصوم الامساك؟
‏ ــ نعم.‏
‏ ‏‏ فاذا نويت الصوم فعن أي شئ امسك؟
ـ‏ تمسك عن عدّة امور تسمى بالمفطرات وهي تسعة:‏‏
‏ 1، 2 ـ تعمد الاكل والشرب قليلاً كان أو كثيراً.‏
‏ ‏‏ واِذا لم أتعمّد بل نسيت أنّي صائم فأكلت وشربت؟
‏ ــ ما دمت غير عامد فصومك صحيح.‏
‏ ‏‏ وهل يحق لي ان أغسل فمي بالماء ثم أرمي بالماء خارجاً؟
ــ نعم يحق لك ذلك ولكن اِذا كان ذلك لغرض التبرّد فسبق الماء ونزل الى حلقك ‏وجب عليك القضاء وان نسيت فابتلعت فلا قضاء عليك.‏
‏ ‏‏ وهل يحق لي أن أغمس رأسي في الماء مع الاَمن من وصول الماء الى حلقي؟
‏ ــ نعم يحق لك ذلك وان كان مكروهاً كراهة شديدة.‏
‏‏ 3 ـ [تعمّد الكذب على الله أو على رسوله صلى الله عليه وآله أو على الاَئمة المعصومين عليهم السلام].‏
‏ ‏ 4 ـ تعمّد الاتصال الجنسي (أو الجماع) في القبل أو الدبر فاعلاً أو ‏مفعولاً به.‏
‏ ‏‏ والزوج الصائم والزوجة الصائمة؟
‏ ــ يحق لهما ممارسة الجنس (الجماع) في ليل شهر رمضان فقط لا نهاره.‏
‏‏ 5 ـ الاستمناء أو ممارسة «العادة السرية» بأيَّة صورة من الصور.‏
‏ ‏ 6 ـ تعمّد البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر، فلو أجنب الانسان لاَيِّ سبب كان أثناء الليل، وجب عليه أن يغتسل قبل أن يطلع الفجر، حتى يطلع عليه الفجر ‏وهو طاهر فيصوم.‏
‏ ‏‏ ولو أجنبت أثناء الليل ولم أتمكّن من الاغتسال لمرضٍ مثلا؟
‏ ــ تتيمّم قبل الفجر.‏
‏ ‏‏ والمرأة؟
ــ اِذا نقت المرأة من الحيض أو النفاس ليلاً وجب عليها أن تغتسل حتى يطلع ‏عليها الفجر وهي طاهرة فتصوم.‏
‏ ‏‏ ولو احتلمتُ فنزل مِنّي السائل المنوي أثناء النهار وأنا صائم.‏ ولما أفقت من نومي وجدت نفسي مجنباً؟
ــ احتلام الصائم لا يفسد صومه ، فلو أفاق في أيّة ساعة من ساعات النّهار ‏فوجد نفسه مجنباً لم يضرّ ذلك بصحة صومه وان لم يغتسل من جنابته .‏
‏‏ 7 ـ [ تعمّد اِدخال الغبار أو الدخان الغليظين الى الحلق] .‏
‏ ‏ 8 ـ تعمّد القيء .‏
‏ ‏‏ واِذا لم يتعمّد الصائم القيء بل ألقي ما في معدته دون عمد؟
‏ ــ لا يضرّ ذلك بصومه .‏
‏‏ 9 ـ تعمّد الاحتقان بالماء أو بغيره من السوائل .‏
‏ ‏‏ ولو تعمّد الصائم فارتكب اِحدى المفطرات مارّة الذكر؟
‏ ــ يلزمه الامساك حسب التفصيل التالي: ‏
‏ أ ـ اذا بقي على الجنابة متعمداً الى طلوع الفجر امسك في النهار [وليكن امساكه بقصد القربة المطلقة اي بقصد امتثال الامر المتوجه اليه من دون تعيين ‏كون الامساك للامر بالصوم في شهر رمضان او للتأدب].‏
‏ ب ـ اذا تعمّد الكذب على الله أو على رسوله أو استنشق الدخان او الغبار الغليظين [امسك بقية يومه برجاء المطلوبية اي باحتمال كون الامساك مطلوباً ‏فيه شرعاً اما للامر بالصوم او للامر بالامساك تأدباً ] .‏
‏ جـ ـ واذا افطر باحد المفطرات الاخرى [ امسك بقية يومه تادباً برجاء ‏مطلوبيته ] .‏
‏ ويجب عليه بالاضافة الى ذلك أن يقضي اليوم الذي أفسد صومه بالافطار وأن يكفر اما بتحرير رقبة أو باطعام ستين مسكيناً أو بصوم شهرين متتابعين عن كل يوم أفطره سواء أكان افطاره بشيء ‏محلّل كشرب الماء أم بشيء محرم كشرب الخمر أم الاستمناء .‏
‏ ‏‏ وكيف يتمّ اطعام ستين مسكيناً؟
ــ تارة يكون باطعامهم مباشرة فيشترط حينئذٍ اشباعهم أي تمكينهم من الطعام ‏الجاهز للاَكل بمقدار ما يشبعهم .‏
‏ وأخرى بالتسليم اِليهم فيجب عندئذٍ ان تعطيهم « ثلاثة أرباع الكيلو غرام » تقريباً من التمر أو الحنطة أو الطحين أو الرز أو الماش أو غيرها مما يسمّى طعاماً عن كل يوم ولا يجوز لك دفع المال له بدل الطعام بل الطعام وحده دون ‏سواه ، أو توكله أن يشترّيه عنك ثم يتملكه لنفسه .‏
‏ ‏‏ واِذا أفطرت يوماً من رمضان لعذر كالمرض المانع من الصوم أو السفر مثلاً؟
ــ يجب عليك القضاء حينئذٍ بأن تختار يوماً من أيام سنتك غير العيدين فتصومه ‏عوضاً عن ذلك اليوم الذي مرضت فيه أو سافرت فيه.‏
‏ ‏‏ واِذا استمرّ بي المرض ذاك الذي منعني من صوم رمضان الى رمضان الاَتي؟
ــ سقط عنك القضاء حينئذٍ ووجبت عليك الفدية ، وهي أن تتصدّق عن كل يوم ‏بثلاثة أرباع الكيلو من الطعام تقريباً.‏
‏ ‏ وقبل أن اُودع حواريّة الصوم قال أبي أحبّ أن أشير الى ما يأتي:‏‏
‏ 1 ـ لا يجوز صوم يومي العيدين « عيد الفطر وعيد الاََضحى » قضاء، ولا غير ‏قضاء .‏
‏ ‏ 2 ـ [ يجب على الولد الاَكبر قضاء ما فات أباه من الصوم لعذر مما وجب عليه قضاؤه ولم يقضه مع تمكّنه منه اِذا لم يكن الولد الاَكبر حين موت أبيه قاصراً ‏أو ممنوعاً من اِرثه] .‏
‏ ‏3 ـ وردت الرخصة في أفطارشهر رمضان لاَشخاصٍ معدودين لم يجب عليهم صيام‏ ‏رمضان منهم:‏
‏ أ ـ الشيخ والشيخة اِذا تعذّر عليهما الصوم، أو كان يسبّب لهما حرجاً ومشقة وفي هذه الحالة ـ أي المشقّة ـ يجب عليهما الفدية عن كل يوم أفطرا فيه، ‏ومقدارها ثلاثة أرباع الكيلو غرام تقريباً، من الحنطة وهي أفضل من سواها.‏ ‏ولا يجب عليهما قضاء الصوم.‏
‏ ب ـ الحامل المقرب التي يضر بها الصوم أو يضرّ بحملها.‏ ويجب عليها القضاء ‏بعد ذلك.‏
‏ جـ ـ المرضعة القليلة اللبن اِذا أضرّ بها الصوم أو أضرّ بولدها [وأنحصر الارضاع بها] واِلاّ لم يجز لها الافطار، واِذا جاز لها الافطار فعليها القضاء بعدئذٍ كما يجب عليهما ـ الحامل والمرضعة التكفير عن كل يوم أفطرتا بـ ‏3|4 الكيلو غرام تقريباً.‏
‏ ‏ 4 ـ وكما أن الصلاة واجبة ومستحبة، فالصوم واجب ومستحب أيضاً.‏ بل هو من المستحبّات المؤكّدة، فقد ورد في الروايات أنه «جُنّةٌ من النّار» وأنّه «زكاة الابدان» و«به يدخل العبد الجنّة» وأن «نوم الصائم عبادة ونَفَسهُ وصمته تسبيح، وعمله متقبل ودعاؤه مستجاب» و«للصائم فرحتان فرحة عند ‏الافطار وأخرى حين يلقى الله عزّ وجل».‏
‏‏ وقد نصّت الروايات على استحباب:‏‏
أ ـ صوم ثلاثة ايام من كل شهر، والاَفضل صوم أوّل خميس من الشهر واَخر خميس ‏منه، وأوّل أربعاء من العشرة الثانية منه.‏
‏ ‏ ب ـ صوم يوم مولد النبي الكريم صلى الله عليه وآله ويوم مبعثه.‏
‏ ‏ جـ ـ صوم يوم الغدير.‏
‏ ‏ د ـ صوم يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة.‏
‏ ‏ هـ ـ صوم يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة.‏
‏ ‏ و ـ صوم شهر رجب كله أو بعضه.‏
‏ ‏ ز ـ صوم شهر شعبان كلّه أو بعضه.‏
‏‏ وغير هذه كثير لا يسع المجال لذكرها هنا.‏
‏‏ 5 ـ وأخيراً ذكر لي أبي هذه الرواية عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام : «ان من تمام الصوم اعطاء ‏الزكاة» يعني زكاة الفطرة.‏
‏ ثم أردف قائلاً يجب على كل بالغ عاقل مالك لقوت سنته أن يخرج زكاة الفطرة عن نفسه ومن يعول به، قريباً كان أو بعيداً، صغيراً كان أو كبيراً، حتى ضيفه اِذا نزل به قبل دخول ليلة عيد الفطر[ أو بعد دخولها] وانضّم الى عياله فعدَّ ‏ممّن يعول به.‏
‏ ومقدار زكاة الفطرة عن كل نفسٍ «ثلاثة كليو غرامات» من الحنطة أو الشعير أو ‏التمر أو الزبيب أو غيرها مما يكون قوتاً غالباً أو ما هو بقيمتها من النقود.‏ يخرجها أو يعزلها ليلة العيد.‏ أو يوم العيد [قبل صلاة العيد لمن صلاها] واِلى ‏الزوال لمن لم يصلّها.‏
‏ يدفعها للفقراء والمساكين ممن تحل عليهم زكاة المال «انظر حواريّة الزكاة»‏
علماً بأنّه لا تحل زكاة غير الهاشمي على الهاشمي اِن كان الدافع غير ‏هاشمي.‏
‏ ولا تعطى زكاة الفطرة لمن تجب نفقته على دافع الزكاة كالاَب أو الاَم أو ‏الزوّجة أو الولد.‏

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 19:00
«حواريّة الحـج»

بِوَلِهِ عاشقٍ قديم لم يندمل بعد جرح عشقه، وبحرقة مولع متيم عاد لتوه من نعمى لقاء باذخ.‏ راح أبي يقصٌّ عليَّ حجّته الاولى، وفي عينيه فتور مستثار، وعلى لسانه حذر ناعم، وفوق فمه ابتسامة مشربة بحبٍ تحاول أن تفصح عن ‏نفسها، فيمنعها ـ كما يبدو ـ حياء مهيب ووقار وجلال بهي.‏
‏ قلت لاَبي ـ وقد استثارتني حالته تلك ـ : أراك تتحّدث عن حجتك الاولى كما ‏يتحدّث مغرم عن سعادة وصاله الاَول.‏
‏ قال ـ وقد تهدج صوته وتكسّر وهو يخاطبني ـ: وأنا أستعيد معك الاَن شريط ذكريات ذلك الشوط الممتع، أسترجع بشوق دافق دفَ وعذوبة ونشوة ذلك الهوى ‏الممضِّ المبرح المغروس في القلب:‏
‏ ألم تقرأ قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: (اذ جعلنا البيت مثابة للناس ‏وأمناً).‏
‏ وقوله تعالى ـ على لسان نبيّه اِبراهيم عليه السلام ـ بسم الله الرحمن الرحيم: (ربنا اِنّي أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربّنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي ‏اِليهم).‏
‏ وها هو ذا فؤادي يهفو ثانيةً الاَن كما هفا أوّل مرّةٍ لذلك البيت الطاهر في الوادي المقفر، المسكون بجلال الوحي، الخصيب بالنور والطيب والعشق ‏الخالص والجمال والمحبّة.‏
‏ ‏ قال أبي ذلك، ثم أطرق اِطراقة خفيفة وأنشد بصوت خفيض مناجياً نفسه:‏‏

أيـا مهجتي وادي الحـبـيب مـحمـد *خصيب الهـوى والزرع غير خصيبهنا الكعبـة الزهراء والـوحـي والشذا *هنا النور ، فافني في هواه وذوبــيويا مهجتي بين الحـطيـم وزمــزم *تركت دموعي شافعـاً لـذنـوبــيلثـمـت الثرى سبعاً وكحـلت مقلتـي *بحسن كـأســرار السماء مـهـيبوفي الـكعـبة الزهراء زينـت لوعتي *وذهّــبَ أبـواب السـمـاء نحيبي‏
ثم رفع رأسه وخاطبني قائلاً: هكذا تعلق قلبي بالحجّة الاولى، وما أن يحل موسم ذلك اللقاء السنوي حتى أحنّ له.‏ وقد كنت دعوت ربّي هناك أن يرزقني ‏سعادة الحج ثانية وثالثة ورابعة.‏
‏ ‏ وقاطعت أبي باستغراب:‏‏
‏‏ أو يجب أن يحج حجة أولى ثمّ ثانية وثالثة ورابعة؟
ــ كلاّ، بل يجب عليك أن تحّج مرّة واحدة بعد استطاعتك.‏ قال الله سبحانه ‏وتعالى في كتابه المجيد: (ولله على النّاس حجّ البيت من استطاع اِليه سبيلاً).‏
‏ ‏ أمّا الحجة الثانية والثالثة والرّابعة فهي من المستحبّات.‏
‏ ‏‏ قصَّ علي اِذن قصّة حجّتك الاولى تلك التي ولعت بها؟
ــ بعد أن وصلت « الجحفة » وهي احدى الاماكن التي حددتها الشريعة الاسلاميّة للاحرام وأسمتها بـ (مواقيت الاحرام) بعد ان وصلتها ونويت الاحرام للعمرة المتمتع بها الى الحج متقرَباً الى الله تعالى خلعت ملابسي ولبست ثوبي الاحرام وهما قميص واِزار أبيضان، ثم لبّيت فقلت بلغةٍ عربيّة صحيحة : « لبّيك اللهم لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك ، اِن الحمد والنّعمة ‏لك والمُلك ، لا شريك لك لبّيك » .‏
‏ وما أن قلتُ « لبّيك » حتى ارتعدت مفاصلي ، فقد تملكتني حالة من الرّهبة ‏والخشوع لم أعهدهما في نفسي من قبل ، فتذكّرت حينها ما كان يعتري اِمامك عليه السلام‏ من رهبة واصفرار لون وتعثّر لسان وتلكؤ ساعة التلبية خشية من الله عزّ وجل ‏وفرقاً منه .‏
‏ ومذ أحرمتُ فقد حرم عليَّ الممارسة الجنسية بكل أنواعها واشكالها ، واستعمال الطيب ، والنظر في المرآة للزّينة ، والاستظلال من الشمس [ والمطر ] ، ولبس ‏المخيط وما بحكمه والجورب وستر الرأس، وغيرها مما نصّت عليه كتب الفقه .‏
‏ ‏ ‏‏ وبعد أن أحرمتَ .‏
‏ ــ بعد أن أحرمتُ توجّهت الى مكة المكرمة وأنا متطهّر ، لاَطوف حول البيت العتيق أشواطاً سبعة مبتدئاً بالحجر الاَسود ومختتماً به .‏ مصلّياً بعد فراغي من الطواف ركعتين كصلاة الصبح ‏خلف مقام اِبراهيم عليه السلام متقرباً بكل أعمالي من العمرة والحج الى الله تعالى.‏
‏ بعد ذلك توجّهت للسعي بين الصفا والمروة أشواطاً سبعة كذلك مبتدئاً بالصّفا ‏ومختتماً بالمروة.‏
‏ ‏ ولما أتممت شوطي السابع بالمروة قصَّرتُ فقصصت شيئاً من شعر رأسي.‏
‏ وبالتقصير أتممت عمرة الحج، وتحللت من اِحرامي منتظراً حلول اليوم الثامن من ذي الحجة «يوم التروية» لاَحرم من مكة نفسها مرّة أخرى، ولكنّ الاحرام ‏للحج هذه المرة لا للعمرة.‏
‏ وما أن حلَّ اليوم الثامن حتى لبست مئزري وقميصي ثانية، ونويت لاِحرام الحج، ولبّيت، ثمَّ توجهت لعرفات بسيارة مكشوفة حيث يجب عليَّ أن أقف هناك ‏وأكون، بدءاً من أوّل ظهر اليوم التاسع من ذي الحجّة الى غروب الشمس.‏
‏ ولما غربت شمس اليوم التاسع وأنا بعرفات توجّهت الى «المزدلفة» فبت فيها ليلة العاشر من ذي الحجة، حيث يجب أن يطلع عليَّ فجر اليوم العاشر وأنا ‏بالمزدلفة وأن أبقى بها الى قبيل طلوع الشمس.‏
‏ وحين طلعت شمس اليوم العاشر أفضتُ من المزدلفة الى «منى» ومعي حصيّات التقطتها من المزدلفة، حيث تنتظرني بمنى ثلاثة واجبات يوم ذاك عليَّ أن ‏اُوديها وهي:‏
‏‏1 ـ رمي جمرة العقبة بسبع حصيّات واحدة تلو الاخرى.‏
‏ ‏ 2 ـ النحر أو ذبح الهدي بمنى.‏
‏ ‏ 3 ـ الحلق بمنى.‏
‏ وحين أتممتها وحلقت تحللت من ما عدا الاستمتاع بالنساء والطيب [والصيد]، فتوجّهت ثانية الى مكة لاَطوف طواف الحج، واصلي صلاة الطواف، واسعى بين الصفا والمروة، كما طفت وصليّت وسعيت أول وصولي الى مكة.‏ ولما أتممتها طفت طواف النساء، وصليت صلاة الطواف، ثم عدت بعد ذلك كله الى منى حيث يجب عليَّ أن أبيت هناك ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر، وأبقى بمنى حتى ما بعد ظهر اليوم الثاني عشر، رميت خلال هذه الفترة الجمرات الثلاث الجمرة الاولى والوسطى والعقبة بالترتيب في اليوم الحادي عشر ثمّ عدت فرميتها ثانية في ‏اليوم الثاني عشر كما رميتها سابقاً.‏
‏ ولما حلَّ ظهر اليوم الثاني عشر وتجاوز، وأنا بمنى صليّت الظهر ثمّ غادرتها ‏وقد انتهيت من كل واجبات الحج.‏
‏ ورغم الزحام الشديد والشمس اللاهبة والرمل الحارق، ورغم أنّي أجهدت نفسي ـ كما هو المفروض ـ لاَتأكّد تماماً من أنّي واقف بعرفات لا خارجها، وانّي بالمزدلفة لا خارجها، وانّي بمنى لا خارجها، رغم ذلك فقد كان الحج موسماً خصباً للتوسل بالله عزّ وجل والتقرّب اِليه والتعلّق به والوقوف بين يديه والتلذّذ بمناجاته ‏ليل نهار.‏
‏ بعد ذلك غادرت مكة المكرّمة ـ وكليّ شوق لها، وأسف ممضٌ على فراقها ـ للمدينة المنورّة حيث تشرفّت بزيارة قبر النبي الكريم محمّد صلى الله عليه وآله وقبر الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام وقبور أئمة البقيع عليهم السلام «الاِمام الحسن عليه السلام والاِمام علي ‏بن الحسين عليهما السلام والاِمام محمد الباقر عليه السلام والاِمام جعفر الصادق عليه السلام».‏
‏ ثمّ زيارة المساجد والمشاهد المشرفة حول المدينة المنورة وزيارة قبر حمزة عمّ ‏النبي صلى الله عليه وآله.‏
‏ هذه باختصار قصّة حجّتي الاولى أوجزتها لك الاَن، وحين تملك مالاً تستطيع به الحج بعد تطهيره باخراج زكاته وخمسه لو تعلّق به خمس أو زكاة، وحينئذٍ سأشرح لك ‏بالتفصيل كل خطوة تخطوها هناك.‏
‏ ‏ وفقك الله لزيارة بيته الحرام، ونفع بك هناك اِنّه قريب مجيب.‏
‏ ‏‏ قبل أن تنهي حواريّتنا هذه يا أبتي أحبّ أن أسألك عن «تطهير الاموال» ‏زكاتها وخمسها تلك التي ذكرتها في حديثك.‏
‏ ــ ليس الاَن، فالحديث عن الزكاة والخمس يطول.‏ وسنفرد لكل منهما حوارية خاصة ‏بها اِن شاء الله.‏
‏ ‏ ‏‏ ستحدّثني عن الزكاة اِذن في حوارّيتنا القادمة، وبعدها عن الخمس.‏
‏ ‏ ــ كما تحب اِن شاء الله تعالى.‏
‏ ‏ ‏‏ اِن شاء الله.‏

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 19:01
«حواريّة الزّكاة»\




الزكاة ركنٌ من أركان خمسة بني عليها الاِسلام ـ قال أبي ـ وهي من ضروريات الدين ، ولاَهميتها الكبيرة فقد ورد في الحديث الشريف : « أن الصلاة لا تقبل من مانع الزكاة » ذكر ذلك أبي وأضاف : لما نزلت آية الزكاة بسم الله ‏الرحمن الرحيم ( خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكيهم بها ) أمر رسول الله صلى الله عليه وآله‏ مناديه فنادى في الناس : « اِن الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة » ولما حال الحول أمر صلى الله عليه وآله مناديه فنادى في المسلمين : « أيّها المسلمون زكّوا أموالكم تقبل صلاتكم » .‏ ثم وجه صلى الله عليه وآله عمال الصّدقة لقبضها من ‏الناس .‏
‏ وقال أبي : بينما كان رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد اِذ قال : « قُم يا فلان ، قُم يا فلان قُم يا فلان .‏ قُم يا فلان » .‏ حتى أخرج خمسة نفر ، فقال : « اُخرجوا ‏من مسجدنا ، لا تصلّوا فيه وأنتم لا تزكّون » .‏
‏ وأردَف أبي قائلاً وقد علت وجهه سحابة معتمة كئيبة وهو ينقل لي حديثاً عن الاِمام أبي جعفر عليه السلام جاء فيه : « اِن الله عزّ وجل يبعث يوم القيامة ناساً من قبورهم ، مشدودة أيديهم الى أعناقهم ، لا يستطيعون أن يتناولوا بها قيد أنملة ، معهم ملائكة يعيِّرونهم تعييراً شديداً، ويقولون هؤلاء الذين منعوا خيراً قليلاً من خير كثير، هؤلاء الذين ‏أعطاهم الله.‏. فمنعوا حق الله عزّ وجل من أموالهم».‏
‏ ومما لاحظته وأنا أتلو كتاب الله عزّ وجل مرة تلو أخرى ـ قال أبي ـ اِن القرآن الكريم كثيراً ما يقرن الزكاة بالصلاة في اَياته الكريمة، مما يكشف ‏عن مدى أهمّيتها في التشريع الاِسلامي.‏
‏ ‏ ‏‏ وحين سألت أبي عن وضع الزكاة أجابني بحديث للاِمام الصادق عليه السلام قال فيه:‏‏ «انّما وضعت الزكاة اختباراً للاغنياء، ومعونة للفقراء.‏ ولو أن النّاس ادّوا زكاة اموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً، ولا ستغنى بما فرض الله له.‏ واِن النّاس ما افتقروا، ولا احتاجوا ولا جاعوا، ولا عروا اِلاّ بذنوب الاغنياء، ‏وحقيق على الله تبارك وتعالى أن يمنع رحمته ممن منع حق الله.‏. من ماله».‏
‏ وسألته: أفي كل ما تجب الزكاة؟
‏ قال مجيباً: تجب الزكاة فيما يأتي:‏‏
‏ الاول: في النقدين الذهب والفضّة بشروط.‏
‏‏ الثاني: في الحنطة والشعير والتمر والزبيب بشروط كذلك.‏
‏ الثالث: في الاِبل والبقر والجاموس والاَغنام بقسميها المعز والضأن وبشروط ‏هي الاَخرى.‏
‏ ‏ الرابع: [في مال التجارة] وبشروط كذلك.‏
‏ ‏‏ وما الشروط الواجب توفّرها في النقدين الذهب والفضة تلك التي أشّرت اليها في حديثك؟
‏ ــ شروط عدّة:‏
‏‏ 1 ـ أن تبلغ كمية الذهب خمسة عشر مثقالاً صيرفيّاً وزكاتها (5|2%) وكلّما ‏زادت ثلاثة مثاقيل وجب اِخراج 5|2% منها زكاة.‏
‏ أما الفضة فيجب أن تبلغ كميتها مائة وخمسة مثاقيل وزكاتها 5|2% .‏ وكلما زادت ‏كمّيتها واحداً وعشرين مثقالاً وجب اِخراج 5|2% منها زكاة.‏
‏ ‏‏ واِذا قلت كميّة النقدين عن الحدّ المذكور؟
‏ ــ لا تجب فيها الزكاة.‏
‏‏ 2 ـ أن يمضي عليهما أحد عشر شهراً ويدخل عليهما الشهر الثاني عشر وهما في ‏ملك المالك.‏
‏ ‏ 3 ـ أن يكونا ـ الذهب والفضّة ـ مسكوكين عملة رائجة للتّداول اليومي في ‏البيع والشراء.‏
‏ ‏‏ وسبائك الذّهب والحلي المصنوعة من الذهب أو الفضة وقطع الذهب والفضّة الاُخرى؟
‏ ــ لا تجب فيها الزكاة.‏
‏‏ 4 ـ تمكّن المالك من التصرّف فيه في تمام الحول، فلا تجب الزكاة في المال ‏الضائع مدّة معتدّاً بها عرفاً.‏
‏ ‏ 5 ـ كمال المالك بالبلوغ والعقل، فلا تجب الزكاة في النّقدين من أموال ‏الصبي والمجنون.‏
‏ (الثاني) مما تجب فيه الزكاة: الحنطة والشعير والتّمر والزبيب، وتجب فيها الزكاة اِذا بلغت كمّية كل منها بعد يبسها ثلاثمائة صاع وهذا يقارب ـ فيما ‏قيل ـ «847 كغم» تقريباً، ومقدار الزكاة الواجب فيها كما يلي:‏‏
أ ـ اِذا سقيت بماء المطر أو بماء النهر أو ماشابههما بحيث لا يحتاج سقي ‏الزرع الى مجهود تكون زكاتها حينئذٍ «10%».‏
‏ ب ـ اِذا سقيت باليد أو بالاَلة كالمضخّات أو ما شابههما تكون زكاتها حينئذٍ ‏«5%».‏
‏ جـ ـ اِذا سقيت بالمطر تارة وباليد أو بالاَلة اُخرى تكون زكاتها حينئذٍ ‏«5|7%»، اِلاّ اِذا كان أحد السقيين قليلاً جدّاً بحيث لا يعتدّ به فينسب ‏اِلي السقى الغالب.‏
‏ ‏‏ واِذا قلَّت كميّة المحصول عن ثلاثمائة صاع بعد يبسه؟
‏ ــ اِذا قلّت عن الحّد المقرر للزكاة فلا زكاة فيها.‏
‏ ‏‏ وهل هناك شرط آخر؟
ــ نعم.‏. ان يكون المحصول مملوكاً للمكلف حين تعلق الزكاة به، فلو تملكه بعد ‏ذلك الحين لم يجب عليه اداء زكاته.‏
‏ ‏‏ ومتى تتعلق الزكاة بالمحاصيل الاربعة؟
‏ ــ تتعلق بها حينما يصدق اسم الحنطة أو الشعير أو التمر أو العنب.‏
‏‏ (الثالث) مما تجب فيه الزكاة: المعز والضأن، والاِبل، والبقر والجاموس.‏
‏ ‏ ويشترط في وجوب زكاتها اُمور:‏‏
‏ 1 ـ بلوغ عددها النصاب، وهو رقم معيّن اِذا بلغته وجبت فيها الزكاة.‏
‏ ففي الابل: اِذا بلغ عددها خمساً فزكاتها شاة، واِذا بلغ عشراً فزكاتها شاتان، واِذا بلغ خمس عشرة فزكاتها ثلاث شياه،‏ واِذا بلغ عشرين فزكاتها أربع شياه، واِذا بلغ خمساً وعشرين فزكاتها خمس شياه، واِذا بلغ ستاً وعشرين فزكاتها ناقة في السنة الثانية من عمرها، واِذا بلغ ستاً وثلاثين فزكاتها ‏ناقة في السنة الثالثة من عمرها.‏
‏ ‏ وهناك غيرها من الاَرقام لا يسع المجال هنا لذكرها.‏
‏ وفي الغنم: اِذا بلغ عددها أربعين فزكاتها شاة، واِذا بلغ مائة وواحداً وعشرين فزكاتها شاتان، واِذا بلغ مائتين وواحداً فزكاتها ثلاث شياه، واِذا بلغ ثلاثمائة وواحداً فزكاتها اربع شياه، واِذا بلغ أربعمائة أو أكثر فزكاتها عن ‏كل مائة شاة واحدة، مهما بلغ عددها.‏
‏ وفي البقر والجاموس: اِذا بلغ عددها ثلاثين فزكاتها تبيع دخل في السنة الثانية من عمره، واِذا بلغ العدد أربعين فزكاتها مسنّة دخلت في السنة ‏الثالثة من عمرها من البقر أو الجاموس.‏
‏ ولا زكاة فيما بين النصابين أو الرقمين المحددّين في الاِبل والبقر والغنم، ‏فاِذا ما زاد العدد عن النصاب فلا زكاة عليه حتى يصل الى النصاب الجديد.‏
‏‏ 2 ـ أن تكون الحيوانات سائمة ترعى في أرض الله، أمّا اِذا كانت معلوفة يعطيها صاحبها علفها ولو في بعض السنة فلا زكاة فيها [ ولا يعتبر في الحيوانات ان لا تكون عوامل، فتجب فيها الزكاة وان استعملت في السقي أو النقل أو نحو ذلك ‏لفترةٍ معتدة بها].‏
‏ ‏ 3 ـ تمكّن المالك أو وليّه من التصرّف فيها في تمام الحول، فلو سرقت فترة ‏معتداً بها لم تجب الزكاة فيها.‏
‏ ‏ 4 ـ ان يمضي عليها احد عشر شهراً ويدخل الشهر الثاني عشر وهي في ملك ‏المالك.‏
‏ (الرابع) مما [تجب فيه الزكاة: مال التجارة]: وهو المال الّذي يتملكه ‏الشخص بقصد المعاوضة قاصداً به الرّبح والتجارة.‏
‏ ‏ وزكاته ( 5|2 %) اِذا اجتمعت الشروط التالية:‏‏
‏ 1 ـ بلوغ المالك وعقله.‏
‏ ‏ 2 ـ بلوغ المال حّد النصاب وهو نصاب أحد النقدين الفضة أو الذهب، راجع نصاب ‏النقدين.‏
‏ ‏ 3 ـ مضيّ الحول عليه بعينه من حين قصد الرّبح والتجارة.‏
‏ ‏ 4 ـ بقاء قصد تحصيل الربّح طول الحول، فلو عدل ونوى به القنية، أو الصرف في ‏المؤنة في أثناء الحول لم تجب فيه الزكاة.‏
‏ ‏ 5 ـ تمكّن المالك من التصرّف فيه تمام الحول.‏
‏ ‏ 6 ـ أن يطلب براس المال أو بزيادة عليه طول الحول.‏
‏ ‏‏ واِذا أخرجت الزكاة فلمن أدفعها؟
ــ تدفع الزّكاة للمستحقّين وهم ثمانية أصناف بشروط، قال تعالى: (اِنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب ‏والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم).‏
‏ ‏‏ وما الفرق بين الفقير والمسكين؟
ــ الفقير والمسكين: كلاهما من لا يملك قوت سنته لنفسه ولعياله وليست له صنعة أو حرفة مثلاً يتمكن بها من توفير قوت نفسه وعياله، والمسكين أسوأ حالاً ‏من الفقير.‏
‏ ومن هم العاملون عليها؟
ــ العاملون عليها: هم المنصبَّون هم من قبل النبي صلى الله عليه وآله أو الاِمام عليه السلام أو الحاكم الشرعي أو نائبه لقبض الزكاة وحسابها واِيصالها اِليهم او اِلي ‏المستحقين.‏
‏ ‏‏ والمؤلّفة قلوبهم؟
ــ المؤلّفة قلوبهم: هم المسلمون الّذين يعزّز اسلامهم بدفع المال اِليهم، أو الكفّار بهدف جلبهم الى الاِسلام، أو مساعدتهم المسلمين في الدفاع عن أنفسهم.‏
‏ وتجدر الاِشارة الى انه لا ولاية للمالك في صرف الزكاة على الصنفين ‏المتقدمين بل ذلك منوط برأي الاِمام عليه السلام ونائبه.‏
‏ ‏‏ وفي الرقاب؟
‏ ــ في الرقاب: وهم العبيد يشترون ويُعتقون.‏
‏ ‏‏ والغارمون؟
‏ ‏ ــ الغارمون: هم المدينون العاجزون عن تسديد ديونهم المشروعة.‏
‏ ‏‏ وفي سبيل الله؟
ــ في سبيل الله : هو مصرف جميع سبل الخير العامّة كبناء المساجد والجسور ‏وغيرها [وفي صرف هذا السهم ايضاً لابد من اذن الحاكم الشرعي ] .‏
‏ ‏‏ وابن السبيل؟
ــ ابن السبيل : هو المسافر المنقطع، ذاك الذي نفدت أمواله ولا تتيسر له اِستدانة نفقة العود او يحرجه ذلك [ كما لا يتيسر له بيع بعض امواله التي في بلده أو ايجارها ليعود ببدله اليه ] فانه تدفع له نفقة العود بشرط ان لا ‏يكون سفره في معصية .‏
‏ هذه هي أصناف المستحقّين ، غير أنّه يشترط فيمن تدفع له الزكاة منهم أن يكون مؤمناً [ وأن لا يكون تاركاً للصلاة أو شارباً للخمر أو متجاهراً بالمنكرات ] وان لا يكون ممّن يصرف الزكاة في المعاصي [ بل وأن لا يكون في الدفع اِليه اِعانة على الاِثم واِغراء بالقبيح واِن لم يكن يصرفها في ‏المعاصي] .‏
‏ ويشترط أيضاً أن لا يكون ممن تجب نفقته على دافع الزكاة كالزّوجة، وأن لا ‏يكون المستحق هاشمياً.‏ هذا ويحق للهاشمي فقط أن يدفع زكاته للهاشمي مثله .‏

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 19:02
<H3>«حواريّة الخمس»
</H3>
دلف أبي لقاعة الحوار اليوم وبين يديه مصحف كريم، وعلى تقاطيع وجهه هيبة طاغية، وما أن جلس قبالتي حتى انحنى على مصحفه الشريف فقبّله ثم رفعه بكلتا يديه اِجلالاً له وناولني أيّاه.‏
ولما تلّفقته منه واحتضنته بكلتا يدي وقبّلته، سرت في جسدي رهبة آسرة، واحتواني جلال مهيب. واِذ استقر مصحفه بيدي قال أبي:‏
ــ افتح كتاب الله واتل على مسامعي بعضاً من بداية الجزء العاشر منه.‏
‏‏ ففتحت المصحف الشريف وأخرجت الجزء العاشر وتلوت بعد ان استعذت بالله من الشيطان الرجيم قوله تعالى: (واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل اِن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيءٍ قدير).‏
فقاطعني أبي قائلاً:‏
ــ أعد على مسامعي ما تلوت.‏
‏‏ فأعدت تلاوة قوله تعالى: (واعلموا أنما غنتم من شيءٍ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل).‏
قال: كفي... كفي.. ثم أطرق قليلاً وأعاد كمن يُحدِّث نفسه (واعلموا أنّما غنمتم من شيءٍ فان لله خمسُه) ورفع رأسه اِليَّ واردف بنبرة حازمة قائلاً:‏
ــ يقول الله سبحانه وتعالى: (واعلموا) فهل علمت بوجوب الخمس؟
‏‏ قلت ـ وقد اجتاحتني موجة من طمأنينة واثقة ورهبة وخوف: نعم..نعم..علمت.‏
ثم قام من مقعَده وناولني ثانية مجلداً كان قريباً منه يسميّه «الوسائل» فقرأت على وجه صفحته الاولى اسم مؤلّفه «محمد بن الحسن الحر العاملي» وقال لي: أخرج لي منه كتاب الخمس واقرأ.‏
‏‏‏ فاخرجت كتاب الخمس وقرأت له أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله والاِمام عليّ عليه السلام‏ والاِمام الباقر عليه السلام والاِمام الصادق عليه السلام والاِمام الكاظم عليه السلام في الخمس.‏
وكان مما قرأت له هذا الحديث الذي يرويه رجل يسمى عمران بن موسى قال: قرأت على موسى بن جعفر عليهما السلام آية الخمس. فقال: «ما كان لله فهو لرسول الله، وما كان للرسول فهو لنا» ثمّ قال: « والله لقد يسّر الله على المؤمنين ارزاقهم بخمسة دراهم جعلوا لربهم واحدة واكلوا اربعة احلاء».‏
وهذا الحديث الذي يرويه رجل يسمّى سماعة قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس، فقال: «في كل ما أفاد النّاس من قليل أو كثير».‏
وهذا الحديث المروي عن محمد ابن الحسن الاشعري قال: كتب بعض اصحابنا الى أبي جعفر الثاني عليه السلام : أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير، ومن جميع الضروب وعلى الصناع؟ وكيف ذلك؟ فكتب بخطه «الخمس بعد المؤنة».‏
واِذ انتهيت من تلاوة هذا الحديث سألت أبي:‏
‏‏ في حواريّة الصلاة قلت لي: لا تصل بملابس تعلّق بها الخمس ولم تخمس، ثم عدت ثانيةً وقلت لي في حواريّة الحج: طهِّر مالك بأخراج خمسه وزكاته ـ اِن كان مشمولاً بهما ـ قبل أن تحج به. فهل يجب عليَّ أن اُخمِّس كل مالي يا تُرى؟
قال أبي: يجب الخمس فيما يأتي:‏
‏ 1 ـ ما يغنمه المسلمون في الحرب من الاَموال المنقولة وغيرها للكفّار الذّين يحل قتالهم.‏
‏ 2 ـ ما يستخرج من المعادن كالذهب والفضّة والنحاس والحديد والكبريت وغيرها، وكذلك النفط والفحم الحجري، بعد طرح تكاليف الانتاج والتصفية، شرط أن تبلغ القيمة السوقية للكمية المستخرجة منها ما يساوي قيمة خمسة عشر مثقالاً صيرفياً من الذهب المسكوك . أو يزيد .‏
‏ 3 ـ الكنوز، شرط أن تبلغ قيمة الكمية المستخرجة منها خمسة عشر مثقالاً صيرفياً من الذهب أو أكثر، ومن الفضة مائة وخمسة مثاقيل أو أكثر بعد استثناء تكاليف الاخراج .‏
‏ 4 ـ ما اُخرج بالغوص من البحر أو الاَنهار الكبار مما يتكون فيها اللؤلؤ والمرجان وغيرهما اِذا بلغت قيمته ديناراً ذهبياً .‏
‏ 5 ـ المال الحلال المخلوط بالمال الحرام في بعض صوره .‏
‏ 6 ـ الارباح السنوية المتحصلة من تجارة أو صناعة أو هدية أو زراعة أو حيازة أو أي كسب اَخر بما في ذلك أجور العمل والرواتب و... و...‏
وقاطعته:‏
‏‏ معنى هذا أن أرباح التجار يجب أن تخمَّس ؟
ــ ليست أرباح التجار وحدها يجب أن تخمّس بل أرباح كل مستفيد بما فيهم أنت وأنا .‏
‏‏ وكيف يحسب التاجر ارباحه الخاضعة للتخميس ؟
ــ يحسب ما لديه من الاموال من بضاعة ونقد بعد مرور سنة من شروعه في التجارة ويستثني منه :‏
اولا : رأس ماله الذي تاجر به .‏
ثانيا : المبالغ المصروفة في سبيل تحصيل الارباح من اجور النقل والكهرباء والهاتف والمحلات والمخازن والضرائب ونحوها.‏
ثالثا : مصروفه الشخصي ومصروف عائلته خلال السنة المنصرمة، أي: ما صرفه في المأكل والمشرب، والملبس والمسكن، والنقل والاثاث، والعلاج والنثريات الاخرى، بما في ذلك تسديد الديون والهدايا، والواجبات والسفرات والمناسبات وغيرها مما هو طبيعي لمثله ولا يُعدَّ سرفاً وتبذيراً فاذا استثنى الامور المذكورة اخرج 20% من الباقي ودفعه خمساً .‏
‏‏ وضح لي هذا بذكر مثال.‏
ــ مثلاً: اذا لاحظ التاجر عند حلول رأس سنته انه يمتلك عشرة اَلاف دينار نقداً وعشرين الف دينار من البضاعة ليكون المجموع ثلاثين الف ديناراً، ولاحظ انه كان رأس ماله في بداية السنة خمسة عشر الف دينارٍ، ودفع في سبيل تجارته من اجور النقل والهاتف والكهرباء والدكان ونحو ذلك مبلغاً قدره الف دينار، وصرف على نفسه وعائلته خلال العام اربعة اَلاف دينار، يكون صافي ربحه بعد طرح رأس المال ومؤونة التجارة والمؤونة السنوية هو عشرة اَلاف دينار أي ‏30000 ـ 20000 = 10000 وهو ما يجب ان يخمّسه، ومقدار الخمس الفا دينار ‏10000‏ ÷ 5 = 2000 وهو المبلغ الواجب دفعه .‏
سكت ابي هنيئة ثم قال:‏
ـ استثناء رأس المال ومؤنة التجارة.. والمؤنة السنوية وارد من حق من كون رأس ماله وصرف على تجارته وعلى نفسه وعائلته من مال مخمس أو مما لم يتعلق به الخمس كالمال الموروث.‏
واما من كون رأس ماله من ارباح نفس سنته فليس له استثناء مقداره قبل التخميس، وهكذا من صرف على تجارته وعلى نفسه وعائلته من الارباح المتجددة خلال السنة فانه لا يحق له استثناء مقداره قبل التخميس.‏
ـ قلت لأبي:‏
‏‏ ومن أي تاريخ أبدأ بحساب الارباح حتى اِذا مر عليها عام وجب أن أدفع خمسها ؟
ــ من أول ظهور الربح اِذا لم تكن لك مهنة تتعيش منها فمتى استفدت ومضى على تاريخ تلك الاستفادة عام من دون أن تصرفها في مأكل أو ملبس أو علاج أو أثاث أو سفرة أو... أو... فادفع خمس ما حصَّلت عليه، أما اِذا كانت لك مهنة تتعاطاها في معاشك فابدأ بالحساب من تاريخ الشروع بالاكتساب .‏
‏‏ لو اشتريت ثياباً لي ومضى عليها عام ولم ألبسها ؟
ــ اِدفع خمسها. وكذلك يخمس رب الاسرة ـ مثلاً ـ وكل مالك ما اشتراه من حاجات بيتيّة أثناء العام ولم يستخدمها، بما في ذلك ما يفضل في بيته من رز أو طحين أو حنطة أو شعير أو سكر أو شاي أو ماش أو عدس أو معلّبات أو دهن أو حلويات أو نفط أو غاز أو غيرها.‏
‏‏ معنى هذا كل ما زاد عن الحاجة فلم يستخدم أو يؤكل أو يلبس أو..أو..‏ يخمّس.‏
ــ نعم.. فاِذا حلَّ يوم اِخراج الخمس تقوم بعملية جرد شاملة للفائض عن الحاجة السنوية وتدفع خمسه من عينه، أو تقدّر قيمته وتدفع خمسه.‏
‏‏ أَأُقدر قيمته يوم حساب الخمس أم قيمته حين الشراء؟
ــ بل قيمته السوقية عند حساب الخمس، لا قيمته التي اشتريته بها.‏
‏‏ ولو لم أُخمّس حاجة كان يجب عليَّ أن اُخمّسها؟
ــ لا يحل لك التصرّف بها حينئذٍ حتى تدفع الخمس، ويجوز باذن الحاكم الشرعي اِذا رأى مصلحة في ذلك.‏
‏‏ والمتوفى اذا كان في ذمته خمس ولم يوص باخراجه فما هي وظيفة الورثة؟
ــ يلزمهم اِخراجه من أصل ما خلَّفه مقدماً على الوصية والارث، ويستثنى من ذلك ما لو كان المتوفى عاصياً لا يدفع الخمس فانّه تحل تركته للوارث المؤمن ولا يلزمه تفريغ ذمة مورثه مما علق بها من الخمس.‏
وهكذا الحال في كل ما ينتقل الى المؤمن ممّن لا يخمس أمواله بمعاملة أو مجاناً، فانّه يملكه ويجوز له التصرّف فيه، كما يجوز له التصرّف في اموال من لا يخمّس اِذا اباحها له من دون تمليك فان في جميع ذلك يكون المهنأ للمؤمن والوزر على مانع الخمس اِذ كان مقصّراً.‏
هكذا قال أبي ثم سكت برهة فبادرت قائلاً :‏
‏‏وماذا يفعل التاجر أو مالك الارض الزراعية أو صاحب المعمل الصناعي او الملاّك أو العامل أو الموظف أو الطالب أو غيرهم اِذا كان لا يخمّس ولا يحاسب نفسه لاخراج الخمس سنوات وسنوات غنم خلالها واستفاد وربح أموالاً وعمَّر دياراً واشترى أثاثاً وفراشاً وحاجات وملابس، ثم تنبّه الى وجوب اِخراج الخمس من هذه الارباح؟
ــ يجب عليه اِخراج الخمس من هذه الاَرباح من كل ما ذكرت وعددت اِذا لم يكن من مؤنة سنته، بل كان فائضاً عن حاجته السنوية.‏
‏‏ اِضرب لي مثلاً على ما تقول.‏
ــ الدار التي اشتراها ولم يتّخذها مسكناً له، لاَنّه يملك داراً أخرى غيرها ملائمةً لسكناه، يجب عليه اِخراج خمسها.‏
والاَثاث الذي اشتراه ولم يستخدمه لعدم احتياجه اِليه يجب عليه اِخراج خمسه.‏
والحاجات التي اشتراها ولا يحتاج اِليها من هو في مستواه يجب عليه اِخراج خمسها.‏
‏‏ وما كان من مؤنته السنوية كالدار التي اشتراها لسكناه أو الاَثاث الذي اشتراه واستخدمه لحاجته اِليه وما شاكل ذلك.‏
ــ اِذا كان قد اشترى الدار مثلاً أو الاثاث من أرباح نفس تلك السنة سنة سكناه في الدار، أو استخدامه الاثاث فلا يجب عليه تخميسها، وكذلك غيرها من أمثالها.‏
‏‏ واِذا كان قد اشترى الدار لسكناه مثلاً من أرباح تجمّعت عنده من سنين سابقة مضافاً اِليها أرباح تلك السنة ـ سنة سكناه في الدار ـ كما هو حال الكثير من الناس اليوم ـ كما أظن ـ ممن تجمّعت لديهم أرباح من سنين سابقة فاختلط عليهم حساب الخمس؟
ــ يجب عليه مراجعة الحاكم الشرعي أو من يقوم مقامه ليجري معه مصالحة بشأن المقدار المشكوك أنّه من أرباح السنين السابقة أو من ربح سنة السكنى في الدار، وامّا ما يتعيّن انّه من أرباح السنين السابقة فلا بد من اِخراج خمسه فوراً.‏
‏‏ واِذا لم يكن قادراً على اداء الخمس دفعة واحدة معجّلاً أو كان يجد في ذلك حرجاً ومشقة؟
ــ يقسطه عليه الحاكم الشرعي أو من يقوم مقامه بعد ان ينقله الى ذمته بالمداورة ليؤدّيه تدريجياً من غير مسامحة أو اهمال.‏
‏‏ أنا الاَن اسكن معك في نفس الدار فهل يجب عليَّ الخمس، أو يكفي خمسك عن نفسك؟
ــ نعم يجب عليك اِخراج الخمس من ربحك حتى لو كنت معي في نفس الدار اِذا ربحت وبقي ربحك عندك سنة كاملة لم تستخدمه فيها لعدم احتياجك اِليه.‏
‏‏ لو اشتغلت في العطلة الصيفيّة ـ أنا الطالب ـ بأجر شهري ولم تأخذه أنت أبي منّي كي أصرفه على نفسي... على ملابسي مثلاً، على حاجاتي فهل يجب عليَّ أن اُخمّس أجري الشهري؟
ــ اِذا صرفته فيما يناسبك ويليق بك فلا خمس عليك، واِن ادخرته أو بعضاً منه حتى مرّ عليه العام وجب عليك تخميس المدّخر.‏
‏‏ محل تجاري اشتراه صاحبه «بسرقفلية» هو وأدوات العمل فيه وأخرج خمسه في السنة الاُولى. فهل يجب عليه اِخراج خمس زيادة القيمة التي تطرأ على السرقفلية والاَدوات كل عام؟
ــ كلاّ، بل يجب عليه تخميس الزيادة الطارئة بعد بيع المحل وظهور الربح فيه اِذا لم يصرفها من مؤنة سنته.‏
‏‏ الاَواني المعدّة للطعام والشراب لو استعملت كتحفيات للزينة، فهل يعد هذا الاستعمال استعمالاً مسقطاً للخمس؟
ــ اِذا كان وجودها متعارفاً عند أمثاله من الناس وعدم وجودها نقصاً حُسبت عندئذٍ من مؤنة السنة. ولا خمس عليها.‏
‏‏ كمية من العملة خمّسها مالكها ثم حوّلها الى عملة أخرى فتضاعفت قيمتها بالقياس الى العملة الاولى فقررّ حفظها وادخارها ومرّ على ذلك عام.‏
ــ لا يجب عليه تخميس القيمة الزائدة ما دام المالك قاصداً حفظ المال وادخاره فعلاً.‏
‏‏ بعض المواد الغذائية تدعمها الدولة فتباع بأسعار زهيدة قياساً بأسعارها السوقية المرتفعة. فلو لم يستهلك منها مالكها شيئاً حتى مرَّ عليها عام فهل يتم احتساب قيمة المواد على أساس السعر المدعوم أو على أساس سعر السوق؟
ــ تقدّر على أساس سعر السوق وقت دفع الخمس.‏
‏‏ قطعة أرض اشتراها صاحبها شرعاً واستغلها ولكنها مسجّلة باسم غيره في دائرة الطابو بحيث يحق لهذا الغير انتزاعها من مالكها الشرعي ساعة ما يشاء.‏ فهل يجب عليه تخميسها الاَن أو حتى تسجل في دائرة الطابو باسمه؟
ــ يجب عليه تخميسها الاَن اِن انطبقت عليه شروط الخمس مارّة الذكر.‏
‏‏ المكافأة التقاعدية التي تدفعها الدولة الى الموظف المتقاعد أيجب عليه اِخراج خمسها عند قبضها مباشرة أم حتى يحل راس سنته؟
ــ يخمس الفائض منها عند حلول رأس سنته.‏
‏‏ واِذا اخرجت الخمس فلمن أدفعه؟
ــ الخمس نصفان نصف للاِمام المنتظر «عجل الله فرجه الشريف». يصرف في الامور التي يضمن أو يُحرز رضا الاِمام في صرفها فيها وباجازة من المرجع [ الاَعلم المطلع والمحيط بالجهات العامّة] أو يدفع اِليه، ونصف للفقراء وأبناء السبيل من الهاشميين المؤمنين وكذلك ايتام الفقراء المؤمنين منهم العاملين بفرائض دينهم القويم.‏
ويقصد بالهاشميين الذين ينتسبون من جهة الاَب الى هاشم جدّ النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله.‏
هذا [ ولا يجوز اعطاء الخمس لمن تجب نفقته على صاحب المال كالاَب والاَم والزوجة والولد]، كما لا يجوز دفعه الى من يصرفه في الحرام، [ بل يعتبر أن لا يكون في الدفع اِليه اعانة على الاَثم واِن لم يكُن يصرفه في الحرام، كما لا يجوز اعطاؤه لتارك الصلاة أو شارب الخمر أو المتجاهر بالفسق].‏

الطاهرة
28-10-2010, 19:02
«حواريّة التجارة»
وما يلحق بها

ــ هل تودّ ان تمتهن التجارة اِذن فتفقه في دينك.
‏ قال ذلك أبي وأردف:‏
«من أراد التجارة فليتفقه في دينه؛ ليعلم بذلك ما يحل له مما يحرم عليه، ومن لم يتفقه في دينه ثم اتجر تورط في الشبهات».‏
بهذا الحوار المعزّز بنص شريف للاِمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، بدأ أبي حوارية التجارة ليشير الى قضية قال اِنه غفل عنها الكثيرون أو تغافلوا فتورّطوا في الشبهات.
‏ ولما كنت لم أدرك بعد كنه وسرّ هذا الربط بين الفقه والتجارة سألت أبي:‏
‏‏ وما علاقة الفقه بالتجارة يا أبي؟
قال موضحاً بنبرة هادئة مستعيناً بحركة بسيطة ليديه:‏
‏ ــ لقد كفل لنا التشريع الاِسلامي معالجة مختلف جوانب حياتنا الاقتصادية بما يضمن العدالة وحسن استثمار وتوزيع وانتقال الثروة بين مختلف أفراد وطبقات المجتمع لما فيه خير ومصلحة وسعادة الجميع.
‏ وطبيعي ان يؤسس المشرّع الاَسلامي ـ لاَجل تطبيق مبدئه الاقتصادي من خلال منظوره ذاك ـ عدة ضوابط تجيز أو تحظر بعض الاَنشطة الاَقتصادية أحياناً، أو تضيّق أو توسِّع قنوات بعض منها أحياناً أخرى.
‏ فهو يوجب على المكلف السعي للتكسّب لمعيشة نفسه، ولضمان معيشة من يجب عليه الانفاق عليهم، كالزوجة والاَولاد والاَبوين عند حاجتهم اِذا لم يكن المكلف واجداً لها.
‏ وهو اذ يلزمه بالسعي لكسب لقمة العيش لا يترك له الباب مفتوحاً على مصراعيه لمزاولة أي من الاَعمال والنشاطات يقع اختياره عليها، فهناك من الاَنشطة التجارية ما يحرم مزاولتة أو مباشرته.
‏ ‏‏مثلاً؟
بيع الخمر مثلاً والبيرة حرام.
‏ وبيع الكلاب ـ عدا كلب الصيد ـ حرام.
‏ وبيع الخنزير حرام.
‏ وبيع الميتة النجسة ـ مثلاً ـ بما في ذلك لحوم وجلود الحيوانات المذبوحة بطريقة غير شرعيّة حرام‏.
‏ وغصب المال وبيعه حرام.
‏ وبيع ما لا ينتفع به اِلاّ بالحرام مثل آلات القمار وآلات اللهو المحرّم كالمزمار حرام.
‏ والغش حرام.
‏ والربا حرام.
‏ واحتكار الطعام ـ والمقصود به هنا القوت الغالب لاَهل البلد ـ واحتكار ما يتوقف عليه تهيئة الطعام كالوقود وما يُعد من مقومّاته كالملح والسمن انتظاراً لزيادة قيمتها السوقيّة مع حاجة المسلمين أو من يلحق بهم من النفوس المحترمة اِليها وعدم وجود من يطرحها في الاسواق حرام.
‏ والرشوة على القضاء بالحق أو الباطل حرام.
‏ واللعب بآلات القمار كالشطرنج والدومنة والطاولي مع الرهن، بل اللعب بالشطرنج والطاولي [ونحوهما] من دون رهن أيضاً حرام.
‏ وزيادة أحد في ثمن شيءٍ لا يريد شراءه حقيقةً بل من أجل أن يسمعه غيره فيزيد في سعر ذلك الشيء بعد زيادته حرام [واِن خلا عن تغرير الغير وغشه] .
‏ وشراء المأخوذ بالقمار أو السرقة حرام، وغيرها.
‏ ‏‏هذه كلها محرمات. فهل هناك مكروهات؟
ــ نعم، هناك من الاَنشطة التجارية ما هو مرجوح عند المشرع الاَسلامي ولكن رغبة تركه واجتنابه والنأي عنه غير ملزمة للمكلفين فهو مكروه لا محرم.
‏ ‏‏اِضرب لي مثلاً؟
ــ بيع العقار مثلاً مكروه اِلاّ أن يشتري بثمنه عقاراً آخر.
‏ وبيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضّة من غير زيادة مكروه واما مع الزياده فحرام.
‏ والاَقتراض من مستحدث النّعمة مكروه.
‏ كما يكره للانسان ان يمتهن الجزارة (ذبح الحيوان) والحجامة أو يحترف بيع الاكفان وهناك غيرها.
‏ قال ذلك أبي وأضاف: ثمّ اِن بعضاً من أساليب وطرائق التعامل في الاَنشطة التجارية مكروه لدى المشرّع الاَسلامي.
‏ ‏‏مثلاً؟
ــ يكره كتمان العيب اِذا لم يؤدِّ الى غش مثلاً. أما اِذا أدّى الى غش فهو حرام.
‏ ويكره الحلف في المعاملة اِذا كان صادقاً، أما الحلف الكاذب فهو حرام.
‏ ويكره زيادة الربّح على المؤمن اِذا زاد ذلك الربح على مقدار الحاجة اِليه.
‏ ويكره طلب تنقيص السعر بعد البيع.
‏ ويكره البيع في المكان المظلم الذي لا يظهر فيه عيب السلعة.
‏ ويكره مدح البائع سلعته وذمّ المشتري لها.
‏ وغيرها.
‏ ‏‏هذه كلها مكروهات فهل هناك مستحبات؟
ــ نعم هناك من الانشطة التجارية ما هو مرغوب فيه لدى المشرع الاَسلامي ومحبوب له. ولكنه غير ملزم للمكلّفين ولا واجب عليهم فهو مستحب.
‏ ‏‏اضرب لي مثلاً على ما تقول؟
ــ مثلاً: اِقراض المؤمن بغير طلب الزيادة مستحب.
‏ وشراء العقار مستحب.
‏ واِعطاء المال لمن يتاجر به وفق نسبة معينة من الرّبح للطرفين مستحب.
‏ كما ان بعضاً من أساليب وطرائق الاَنشطة التجارية محبوبة للمشرِّع الاَسلامي ومرغوب فيها.
‏ ‏‏مثلاً:‏
‏ ــ مثلاً يستحب التسوية بين المبتاعين في الثمن اِلاّ لمرجح كالفقر فيحسن أن لا يفرق البائع بين المشتري المماكس ـ ذلك الذي يلحّ على تخفيض السعر ـ وبين غيره ممن يشتري دون مماطلة أو مماكسة.
‏ ويستحب للبائع أن يقيل النادم. وهو الذي يشتري البضاعة ثم يندم على شرائها ويرغب باِعادتها لبائعها واسترجاع ثمنها.
‏ ويستحب للانسان أن يأخذ الناقص ويعطي الراجح.
‏ ويستحب التساهل في الثمن.
‏ ويستحب فتح الباب والجلوس في المحل لعله يبيع.
‏ ويستحب التعرض للرزق وطلبه والتصدّي له.
‏ ويستحب الاحسان في البيع والسماح فيه.
‏ ويستحب اختيار وشراء الجيد وبيعه.
‏ ويستحب الاغتراب في طلب الرزق والتبكير اِليه.
‏ وغيرها.
‏ أضاف أبي:‏
‏ كما أن بعضاً من الاَنشطة التجارية واساليبها غير محبوبة لدى المشرِّع الاسلامي ولا مبغوضة له فالاَنسان مخير بين فعلها وتركها من دون ترجيح للفعل أو الترك، فهي مباحة كما هو حال الكثير من الانشطة التجارية السائدة اليوم.
‏ قال ذلك أبي وعقب عليه:‏
‏ ثمّ أن المشرِّع الاسلامي ـ اِضافة الى ذلك كله ـ يشترط شروطاً فيما يباع وشروطاً في نفس البيع وشروطاً فيمن يبيع ويشتري.
‏ ‏‏وما الذي يشترط فيما يُباع؟
ــ شروط عدة:‏
‏‏ 1 ـ العلم بمقدار ما يباع وزناً أو كيلاً أو عدداً أو مساحةً حسب اِختلاف الاََجناس فيما تقدّر به.
‏ ‏ 2 ـ القدرة على تسليم المبيع، فلا يجوز مثلاً بيع السمك وهو في النهر، ولا بيع الطائر وهو محلق في الجو.
‏ نعم يكفي قدرة المشتري على تسلم المبيع. كما لو باع الدابّة الشاردة وكان المشتري قادراً على أخذها.
‏‏ 3 ـ معرفة الخصوصيات التي تختلف بها الرغبات ولو بشكل عام كالالوان والطعوم والجودة والرداءة وغير ذلك مما يترتب عليه اختلاف القيمة السوقية للمبيع لكل منها.
‏ ‏ 4 ـ أن لا يتعلق بالمبيع حق لاَحد يقتضي بقاءه في ملكية البائع، فلا يجوز للراهن بيع الرّهن من دون موافقة المرتهن، كما لا يجوز بيع الوقف اِلاّ اِذا سقط عن الانتفاع به في جهة الوقف أو كان في معرض السقوط .
‏ ‏ 5 ـ ان يكون المبيع من الاَعيان كالدار أو الكتاب أو الجهاز مثلاً، فلا يجوز بيع منفعة الدار.
‏ قال ذلك أبي وأردف مضيفاً:‏
‏ ــ كما أن ما يباع بالوزن في بلد ما لا يصح بيعه في ذلك البلد اِلاّ بالوزن.
‏ وما يباع بالكيل في بلد ما لا يجوز بيعه اِلاّ بالكيل في ذلك البلد.
‏ وهكذا حتى لا تكون جهالة في البيع.
‏ ‏‏اِضرب لي مثلاً على ذلك؟
ــ الفاكهة مثلاً تباع في بلد ما بالوزن فلا يجوز بيعها في ذلك البلد اِلاّ بالوزن.
‏ والحليب مثلاً يباع في بلد ما باللتر، فلا يجوز بيعه في ذلك البلد اِلاّ باللتر.
‏ وهكذا حذراً من حصول الجهالة.
‏ هذه جملة من الشروط الواجب توفرّها في ما يباع وما يشترى.
‏ وهناك بعض ما يشترط في نفس البيع، منها: انه لا يجوز تعليق البيع على أمر غير حاصل ساعة البيع.
‏ ‏‏اضرب لي مثلاً على ذلك؟
ــ لا يجوز أن تقول للمشتري مثلاً بعتك داري هذه اِذا هلِّ هلال الشهر ولا أن تقول له: بعتك سيارتي هذه اِذا ولد لي ولد ذكر وغيرها. بل لا بد من تجديد الاتفاق ثانية بعد ولادة الولد أو بزوغ الهلال مثلاً.
‏ ‏‏وما هي الشروط الواجب توفرها فيمن يبيع ويشتري تلك التي أشّرت اِليها في حديثك؟
ــ يشترط فيمن يبيع أو يشتري أن يكون بالغاً عاقلاً، رشيداً، قاصداً البيع، مختاراً غير مجبر ولا مكره، قادراً على التصرّف، سواء أكان مالكاً أم وكيلاً عنه أم مأذوناً منه أو وليّاً عليه.
‏ ‏‏ولو أكره أو اجبر مالك على بيع ما يملك؟
ــ لا يصح البيع اِذا كان ناشئاً عن امرظالم بحيث يخاف المالك ـ لو خالفه ـ ترتب ضرر على نفسه او ماله او من يتعلق به ممن يهمه أمرهم.
‏ ‏‏ أحياناً يجبر اِنسان ما على تغيير محل اِقامته ظلماً فيضطر الى أن يبيع بعض أملاكه أو حاجياته؟
ــ هذا البيع صحيح.
‏ قلت لي: يشترط فيمن يبيع أن يكون مالكاً أو وكيلاً أو وليّاً أو مأذوناً، فلو باع غير هؤلاء كالصّديق أو الجار أو القريب أو ما شاكل ذلك؟
ــ لا يصح البيع اِلاّ اِذا أجازه المالك أو الوكيل أو الولي أو المأذون بالبيع، واِلاّ فالبيع باطل.
‏ ‏‏ولو تم بيع المال المغصوب ثم رضي المالك بعد ذلك ببيع ماله؟
ــ صح البيع.
‏ ‏‏قلت لي: يشترط فيمن بيبع ويشتري أن يكون بالغاً سنّ التكليف، فكيف بمال الصبي غير البالغ اِذا أراد الصبي بيعه؟
ــ يصح بيعه في الاَشياء اليسيرة من ماله التي جرت العادة بتصدّي الصبي المميّز لمعاملتها، وأمّا غيرها فلا يصح له بيعه. منفرداً أو مستقلاً في المعاملة.
‏ ‏‏ومن يحق له بيع اموال الصبي؟
ــ ذلك هو الولي وهو الاب، والجد للاَب والوصي لاَحدهما. والحاكم الشرعي مع فقد من سبق، فيجوز للاَب ـ مثلاً ـ بيع مال الصبي مع عدم المفسدة فيه كما يجوز للحاكم بيع ماله ـ مع فقد الاب والجد للاَب والوصي لاَحدهما ـ مراعاة لمصلحته.
‏ ‏‏وهل يحق للصبي أن يتوكل عن غيره كأبيه أو جده في بيع ماله؟
ــ نعم يحق له ذلك.
‏ ‏‏ولو تم البيع وفق الشروط مارة الذكر. بيع أي شيء، فهل يحق للمشتري أن يعيد ما اشتراه ويستعيد الثمن؟ وهكذا هل يجوز للبائع ان يعيد الثمن ويستعيد ما باعه.
‏ ــ يحق اِلغاء البيع في حالات عدة:‏
‏‏ 1 ـ اِذا كان البائع والمشتري مازالا بعد مصطحبين في محل البيع أو في الطريق مثلاً ولم يتفرقا فيحق لاَيّ منهما اِلغاء البيع.
‏ ‏‏واِذا تفرقا وذهب كل منهما لحاله وسبيله؟
ــ عندئذ يلزم البيع ويثبت.
‏‏ 2 ـ اِذا كان البائع أو المشتري مغبوناً فيحق له اِلغاء البيع، فمثلاً اِذا باع البائع بأقل من القيمة السوقيّة للبضاعة بفرق واضح غير قابل للتسامح وهو لا يعلم ثم علم بذلك فيحق له اِلغاء البيع، وكذلك اِذا اشترى المشتري بأكثر من القيمة السوقيّة للبضاعة وهو لا يدري ثمّ تبيّن له فيحق له اِرجاع البضاعة واِستعادة ماله الذي دفعه.
‏ ‏ 3 ـ اِذا اعتقد المشتري وجدان البضاعة الشخصية الغائبة حين البيع لبعض الصفات ـ امّا لاَخبار البائع أو اعتماداً على رؤية سابقة ـ فاشتراها ثم تبيّن له بعد ذلك ان البضاعة فاقدة لتلك الصفات فيحق للمشتري اِرجاع البضاعة واِلغاء البيع.
‏ ‏ 4 ـ اِذا اِشترط البائع أو المشتري على الاَخر شرطاً يخوِّله بموجبه فسخ البيع خلال مدة معيّنة فله حق فسخه خلال تلك المدّة.
‏ ‏ 5 ـ اِذا تعهد أحد المتبايعين بالعمل بطريقة معيّنة ولم يعمل وفق ما قال. أو اِشترط المشتري وجود صفة خاصة بالبضاعة فلم يجدها بعد الشراء، كان له حق اِلغاء البيع كما مرّ.
‏ ‏ 6 ـ اِذا اشترى المشتري شيئاً فوجد فيه عيباً جاز له اِرجاعه، كما اِذا وجد البائع عيباً في الثمن جاز له اِرجاعه واِستعادة البضاعة.
‏ ‏ 7 ـ اِذا تبيّن أن بعض الحاجات التي اِشتراها المشتري هي لغير البائع ولا يوافق مالكها على بيعها جاز للمشتري اِلغاء البيع في تمامها.
‏ ‏ 8 ـ اِذا لم يتمكن البائع من تسليم المبيع فللمشتري اِلغاء البيع واِبطاله.
‏ ‏ 9 ـ اِذا كان المبيع حيواناً فللمشتري حق اِلغاء البيع واِرجاع الحيوان لصاحبه خلال ثلاثة أيام من تاريخ البيع واِستعادة الثمن.
‏ وهكذا لو كان الثمن حيواناً فان للبائع حينئذ حق اِلغاء البيع واِرجاع الحيوان الى المشتري خلال ثلاثة ايام من تاريخ البيع واستعادة المبيع.
‏‏ 10 ـ اِذا أرى البائع بضاعته بأفضل مما هي عليه في الواقع ليرغب فيها المشتري أو يزيد رغبة فيه فان للمشتري حق اِرجاعها للبائع واِستعادة ثمنه اِذا تبين له الحال بعد ذلك.
‏ ‏ 11 ـ اِذا باع البائع بضاعة معيّنة، ولم يقبض الثمن، ولم يسلّم البضاعة حتى يجيء المشتري بالثمن، لزم البيع، وثبت لثلاثة أيام فقط، ويحق بعدها للبائع اِلغاء البيع اِذا لم يأت المشتري بالثمن.
‏هذا اِذا أمهله البائع في تأخير تسليم الثمن من غير تعيين مدة الامهال.
‏ واما ان لم يمهله ابداً فله الغاء البيع بمجرد تأخره في تسليم الثمن.
‏ واِن امهله مدة معيّنة لم يكن له اِلغاء البيع قبل مضيها واِن كانت أزيد من ثلاثة ايام.
‏ ‏‏اِذا تم الاتفاق بين البائع والمشتري على تأجيل دفع الثمن وتأخيره، أقصد البيع بالدين فهل يصح هذا؟
ــ يصح، ولكن يجب ان تكون مدة الدين محدودة غير قابلة للزيادة والنقصان لا مبهمة غامضة، فلو اتفقا على دفع الثمن حين الحصاد، بطل البيع لاَن موعد الحصاد غير محدد.
‏ ‏‏واِذا حلّ موعد تسديد الدين واتفقا على تأجيله لمدة معيّنة مقابل زيادة؟
ــ لا يجوز ذلك لاَنّه من الربا. والربا محرم، قال الله تعالى في كتابه الكريم: (احلّ الله البيع وحرّم الربا).
‏ ‏‏ يتفق البائع والمشتري أحياناً على بيع مائة كيلو من الحنطة بمائة وعشرين كيلو منها.
‏ ــ هذا من الربا وهو محرم.
‏ ‏‏ويتفقان أحياناً أخرى على مائة كيلو من الحنطة بمائة كيلو من الحنطة زائداً خمسين ديناراً؟
ــ هذا البيع من الربا كذلك وهو ـ كما عرفت ـ حرام، اِلاّ أن يضم الى الناقص شيئاً متمولاً كالمنديل ويقصد كون الحنطة في أحد الطرفين بازاء المنديل في الطرف الاَخر، والخمسين ديناراً في ذاك الطرف بازاء الحنطة في الطرف الاول فانه حينئذٍ يصح البيع مطلقاً ولا يستلزم الربا المحرم.
‏ ‏‏وكيف أعرف أن هذه المعاملة من الربا فأجتنبها؟
ــ يشترط في تحقق الربا بالمعاملة النقديّة شيئان:‏
‏‏ 1 ـ أن يكون كل من العوضين مما يكال أو يوزن كالحنطة أو الشعير أو الرز أو العدس أو الماش أو الفاكهة أو الذهب أو الفضة وكل ما يوزن أو يكال.
‏ ‏ 2 ـ أن يكونا من جنس واحد.
‏ ‏‏واِذا كانت المعاملة نسيئة أي البيع بالاَجل فهل يشترط في تحقق الربا فيها نفس الامرين المتقدّمين؟
ــ [كلا بل يتحقق الربا فيها مع فقدهما أيضاً في موردين:‏
‏ أ ـ ان يكون كل من العوضين من الموزون أو المكيل مع الاَختلاف في الجنس، كبيع مائة كيلو من الارز بمائة كيلو من الحنطة الى شهر.
‏ ب ـ ان يكون العوضان من غير المكيل والموزون مع اتّحادهما في الجنس، وكون الزّيادة عينيه كبيع عشر جوزات بخمس عشرة جوزة الى شهر].
‏ ‏‏هذا يعني انه اِذا كان كل من العوضين يباع بالعدد مثلاً لا بالوزن أو الكيل كالبيض مثلاً، أو كان يباع بالمساحة كالاَقمشة التي تباع بالاَمتار وغيرهما فيجوز بيعها بالزيادة اِذا كانت المعاملة نقدية؟
ــ نعم يجوز بيعها عندئذٍ بزيادة، فيجوز بيع ثلاثين متراً من القماش بأربعين متراً منها نقداً كما يجوز بيع ثلاثين بيضة بأربعين بيضة نقداً وهكذا غيرهما.
‏ ‏‏والذهب؟
ــ لا يجوز فيه لانه موزون.
‏ وبيع الذهب المصوغ باكثر منه من غير المصوغ، كما هو السائد اليوم عند الصاغة؟
ــ هذا من الربا، وهو حرام اِلاّ أن يضمّ شيء مع الناقص كما تقدّم.
‏ ‏‏لو اختلفت نوعية الحنطة كما لو بيعت مائة كيلو حنطة رديئة بتسعين كيلو حنطة جيدة، أو الرز كما لو بيعت مائة كيلو من العنبر الجيد بمائة وعشرين كيلو من العنبر الرديء، وهكذا غيرهما؟
ــ كذلك لا يجوز بيع كهذا، لاَنّه ربا اِلاّ مع الضميمة كما سبق.
‏ ولو بيعت مائة كيلو من الحنطة بسبعين كيلو من الرز؟
ــ يجوز البيع نقداً لاَن الحنطة جنس والرز جنس آخر، مع ملاحظة أن الحنطة والشعير في الربا جنس واحد، فلا يجوز بيع مائة كيلو من الحنطة مثلاً بمائة وخمسين كيلو من الشعير بمفرده، كما أن التمور بانواعها المختلفة جنس واحد، والحنطة والدقيق منها والخبز منها جنس واحد، والحليب واللبن والجبن من نوع حيوان واحد جنس واحد، والرطب والتمر والدبس جنس واحد لاَن الاَصل وما يتفرّع عنه يعتبر جنساً واحداً [دائما] .
‏ ــ هذا، وهناك نوع آخر من الربا يسمى بــ (ربا القرض).
‏ ‏‏وما ربا القرض؟
ــ ربا القرض أن يشترط المقرض زيادة في الدين على المقترض كأن يقرضه ألفٍ دينار على ان يدفع له بعد فترة من الزمن الفاً ومائة دينار وهو كذلك محرم. محرم عليهما معاً (المقرض والمقترض).
‏ ‏‏ربا القرض اِذن دين بفائدة، أمّا الدين بلا فائدة؟
ــ اِقراض المؤمن دون فائدة من المستحبات الاَكيدة كما قلت لك من قبل وخاصة لذوي الحاجة والعوز منهم فعن النبي صلى الله عليه وآله: «من أقرض مؤمناً قرضاً ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة، وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه».
‏ وعن الاِمام أبي عبد الله عليه السلام : « مكتوب على باب الجنّة الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر » .
‏ ‏‏كان هذا هو حال القرض وحبذا لو تذكر لي بعض أحكام الشركة فقد عرفت أن أخي ينوي الاشتراك مع صديق له في عمل تجاري :‏
‏ ــ الشركة جائزة بين شريكين بالغين عاقلين مختارين غير مجبرين مع عدم الحجر عليهما لسفه أو فلس .
‏ قال ذلك أبي ثم اضاف:
‏ ويقع عقد الشركة على أنحاء مختلفة ومنها ما يصطلح عليه بالشركة الاذنية ويتوقف على كون رأس مال الشركة الذي يساهم الطرفان في تكوينه مشاعاً بينهما بأحد اسباب الاشاعة كالامتزاج والتشريك، ويحق فيه لكل من الشريكين أو الشركاء فسخ العقد واِلغاء الشركة وكذا المطالبة بتقسيم المال المشترك اِذا كان ذلك لا يؤدي الى ضرر شريكه ضرراً ملموساً . فاذا فسخه أحدهما لم يجز للاَخر التصرف في المال المشترك ويلحق كلاً من الشريكين من الربح والخسران بنسبة ماله فان تساويا في الحصة كان الربح والخسران بينهما بالسوية، واِن اختلفا فنسبة كل منهما من الربح والخسارة بنسبة ما وضع من مال.
‏ ‏‏واِذا اتفق الشريكان على زيادة لاَحدهما في الربح لاَنّه يقوم بالعمل أو لاَن عمله أكثر أو أهم من عمل شريكه أو لا لشيء من ذلك؟
ــ الاتفاق صحيح ونافذ.
‏ ‏‏واذا تلف بيد من يعمل منهما شيءٌ من مال الشركة؟
ــ الشريك العامل أمين فلا يضمن التلف اِلاّ بالتعديّ أو التفريط.
‏ ‏‏وهناك معاملة أخرى سائدة بين الناس تشبه الشركة وهي ان يدفع مالك أمواله لشخص قادر على التجارة ليتاجر بها على أن يكون الربح بينهما بنسبة محددة كالنصف أو الثلث أو الربع؟
ــ هذه المعاملة صحيحة اذا اتفقا وكانا بالغين عاقلين رشيدين مختارين وكان المالك غير محجور عليه لفلس، وتسمى بالمضاربة.
‏ ‏‏والعامل؟
ــ يجوز ان يكون محجوراً عليه لفلس اذا لم يستلزم الاتفاق تصرفه في أمواله التي حجر عليها.
ثم اِنّه يحق لكل من المالك والعامل اِلغاء الاتفاق قبل الشروع بالعمل أو بعده، قبل تحقق الربح أو بعده.
ولا خسران على العامل اِذا لم يفرط أو لم يتعد.
‏ ‏‏واذا اِشترط صاحب المال على العامل أن تكون تمام الخسارة على العامل؟
ــ هذا الشرط صحيح ولكن نتيجته ان تكون تمام الربح للعامل ايضاً من دون مشاركة المالك فيه.
‏ ‏‏واذا اشترط ان تكون الخسارة عليهما معاً كالربح؟
ــ هذا الشرط باطل، نعم اذا اشترط على العامل ان يتدارك جزءً من الخسارة أو تمامها وتعويضها من ماله الخاص صح الشرط ولزم الوفاء به.
‏ ‏‏واذا اختلفا في مقدار نصيب العامل، فادعى المالك نسبة أقل، وادّعى العامل نسبة أكثر، ولا بينّة للعامل؟
ــ القول قول المالك، يأخذ به الحاكم الشرعي عند رفع القضية اليه مع حلفه عليه ما لم يكن مخالفاً للظاهر.
‏ ‏‏وكيف يكون مخالفاً للظاهر؟
ــ مثاله ما اذا ادّعى المالك قلّة نصيب العامل من الربح بمقدار لا يُجعل عادة للعامل كواحد في الاَلف وادّعى العامل الزيادة عليه بالمقدار المتعارف.
‏ ‏‏واذا ادّعى العامل تلف البضاعة، أو الخسارة، أو عدم الربح وانكر قوله المالك؟
ــ القول قول العامل عند المراجعة الى الحاكم الشرعي ما لم يكن مخالفاً للظاهر.
‏ كما اذا ادّعى تلف البضاعة بحريق اصابها وحدها دون سائر الاموال التي كانت في ضمنها.
‏ ‏‏واذا ادّعى المالك ان العامل قد خان أو فرط في الاموال؟
ــ القول قول العامل ياخذ به ـ كسابقه ـ الحاكم الشرعي عند المراجعة بالشرط المتقدّم.
‏ ‏‏احياناً يوكل انسان انساناً آخر ليقوم مقامه في عمل كان هو يباشره، كأن يوكل اِنسان اِنساناً آخر بأن يبيع داره أو محله أو ما شاكل، فهل لهذه شروط خاصة؟
ــ نعم يعتبر في الوكيل والموكل أن يكونا عاقلين قاصدين اِجراء الوكالة مختارين غير مجبرين عليها. كما يعتبر في الموكل البلوغ اِلاّ فيما تصح مباشرته من الصبي المميز.
‏ ‏‏وهل هناك لفظة معينة للوكالة أو صيغة محددة؟
ــ كلا، فليس للوكالة لفظ محدد ولا ضيغة معيّنة ويكفي فيها كل ما يدل عليها من قول أو فعل أو كتابة، وتبطل الوكالة بموت الوكيل أو الموكل.
‏ ‏‏احياناً يؤجِّر الانسان داره أو دكانه أو نحوهما أو يؤجر نفسه لعمل كالخياطة أو البناء أو السياقة مثلاً فماذا يعتبر في الاَجارة وما هي احكامها؟
ــ تصح الاجارة من المالك أو الوكيل أو الولي. وتصح من الاَخرين اذا أجازها بعد ذلك المالك أو الوكيل أو الولي.
ويعتبر في المؤجر والمستأجر البلوغ، والعقل، والاختيار، وعدم الحجر لسفه أو فلس، نعم تصح اجارة المفلس نفسه.
ويعتبر فيما يؤجر كالمحل أن يكون معيناً محدداً، وأن يشاهده المستأجر أو يعلم من خلال الوصف خصوصياته وأن يتمكن المؤجر من تسليمه للمستأجر نعم يكفي تمكن المستأجر من الاستيلاء عليه وأن يكون قابلاً للانتفاع به لما قصده المستأجر مع بقاء عينه، وأن يكون ذلك الانتفاع محللاً فلا تصح اجارة المحل مثلاً لبيع الخمر، وهكذا غيره من المحرمات.
‏ ‏‏وهل للاجازة لفظ محدد؟
ــ ليس للاجارة لفظ محدد بل يكفي في صحتها كل فعل يدل عليها، فيكفي للاَخرس مثلاً ان يشير اشارة مفهمة للايجار أو الاستئجار، فتصح اِجارته.
واِذا استأجر انسان بيتاً أو محلاً واشترط عليه المؤجر أن يسكنه هو دون غيره أو يعمل فيه هو دون غيره، فهل يحق للمستأجر أن يؤجره غيره؟
ــ كلا لا يحق له ذلك.
‏ ‏‏اِذا لم يشترط عليه المؤجر شرطاً كهذا؟
ــ للمستأجر حينئذٍ الحق في ايجاره لغيره، شرط أن لا يؤجّره بالاكثر قيمة مما أستأجره به اِلاّ أن يرممه أو يصبغه أو يعمره أو ماشاكل، هذا في الدار والسفينة والحانوت [وكذلك في غيرهما من الاَعيان المستأجرة بما في ذلك الاَراضي الزراعية].
‏ قال ذلك أبي ثم اضاف.
‏ ولا تصح الاِجارة اِلاّ اِذا حددت مدتها، فمن أجر داراً يجب أن يحدد مدة اِجارته ومن أجر محلاً يجب أن يحدد مدة اِجارته وهكذا.
‏ ‏‏اِضرب لي مثلاً على اِجارة غير محددة وبالتالي فهي غير صحيحة؟
ــ لو قال المالك للمستأجر: «أجرتك داري كل شهر بمائة دينار مهما أقمت فيها». فالاِجارة غير صحيحة.
‏ ولو قال المالك للمستأجر: «أجرتك محلي لهذا الشهر فقط بخمسين ديناراً وكلما أقمت بعد ذلك فبحسابه». فالاِجارة صحيحة بالنسبة للشهر الاِول فقط وباطلة في غيرها.
‏ هذا اِذا كانت المعاملة السابقة بعنوان الاِجارة، ويمكن أن تعالج وفق عناوين أخرى لا مجال هنا لذكرها.
‏ ‏‏واذا سلمَّ المؤجّر داره أو محله للمستأجر؟
ــ وجب على المستأجر تسليم الاَجرة.
‏ ‏‏واذا انهدمت الدار أثناء مدة الاِجارة وهي بيد المستأجر؟
ــ اذا لم يقصر المستأجر في حفظها ولم يتعد فيتسبب في هدمها فهو غير مسؤول عن ذلك.
‏ ‏‏ولو أجر مؤجر سيارته لمستأجر مثلاً؟
ــ وجب تحديد كيفية استخدامها فهل هي للركوب، أو لحمل البضاعة، أو لكليهما معاً وهكذا في بقية الاَشياء الأخرى يجب تعيين نوع المنفعة.
‏ ‏‏واذا أجرها لنقل كمية من اللحوم المذبوحة بطريقة غير شرعية ليبيعها على من يستحلها؟.
‏ ــ ألم أقل لك سابقاً لا تصح اِجارة محل لبيع الخمر؟ [هذه مثلها لا تصح كذلك].
‏ ‏‏لو وكلِّ مالك شخصاً ليستأجر له عمّالاً بأجر معين فاستأجرهم الوكيل باقل مما حدد المالك؟
ـ يحرم على الوكيل أخذ الزيادة ويجب اعادتها الى المالك.
‏ ‏‏ولو أستاجر مالك دارٍ صباغاً لصبغ داره بصبغ حُدِّد للصباغ نوعه ولونه ومواصفاته فصبغه الصباغ بغيره.
‏ ــ لم يستحق الصباغ أجرةً أصلاً.
‏ ‏‏بقي أن اسالك عن «السرقفلية» أو «الخلو»؟
ــ السرقفلية تقع على انحاء مختلفة.. منها ان يتفق المالك والمستأجر في ضمن عقد الايجار على ان يأخذ المالك مبلغاً معيناً من المال ويبقى للمستأجر حق استغلال المحل بعد انتهاء مدة الايجار أزاء مبلغ معين سنوياً أو ازاء ما يعادل الاجرة السنوية المتعارفة للمحل في كل سنة.
‏ فاذا اتفقا على هذا النحو جاز للمستأجر أن يبقى في المحل بعد انتهاء مدة الاجارة ويدفع الى المالك المبلغ المتفق عليه كما يحق له التنازل عن حقه هذا لشخص ثالث ويخلّي له المحل ازاء مبلغ يتفقان بشأنه، ولا يشترط في الحالتين اذن المالك ورضاه بعد ما وافق منذ البداية على المستأجر حق استغلال المحل والاستفادة منه بعد انتهاء مدة الاِجارة.
‏ ‏‏لو أهدى انسان انساناً شيئاً ما دون مقابل ووهبه اِياه فهل لذلك شروط معينة من وجهة نظر المشرع الاسلامي؟
ــ نعم يعتبر في الواهب المهدي ان يكون بالغاً عاقلاً قاصداً الاِهداء مختاراً غير مجبر ولا محجور عليه فيما وهبه فانه حينئذٍ تصح هديته أو هبته بما في ذلك هدية أو هبة المريض وهو في مرض الموت فهي تنفذ بمقدار الثلث فما دونه أما فيما هو أكثر من ذلك فيصح باجازة الورثة.
‏ ــ والهبة عقد يحتاج الى ايجاب وقبول ويكفي فيهما كل ما يدل عليهما من قول أو فعل كما يحتاج الى القبض أي أن يقبض الموهوب له العين الموهوبة اذا لم تكن هي بالاصل عنده.
‏ ‏‏واذا لم تكن عند الموهوب له ولم يقبضها من الواهب؟
ــ تبقى على ملك مالكها الاَول حتى يتسلمها الموهوب له في حياة الواهب فتنتقل الى ملكه.
‏ ‏‏وكيف يمكن قبض مثل الدار لو أعطيت هدية؟
ــ اِذا رفع الواهب يده عن الدار أو العقار وأخلاه وجعله تحت سيطرة الموهوب له فقد تم التسليم والقبض وصحت الهدية أو الهبة.
‏ ‏‏ولو مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض أو التسليم؟
بطلت الهدية أو الهبة وانتقل الشيء الموهوب الى وارث الشخص الواهب.
‏ ‏‏احياناً يجد الانسان حاجة أو مالاً ضائعاً لا يعرف صاحبه فيلتقطه؟
ــ هنا عدة حالات:‏
‏1 ـ ان لا يوجد في المال الملتقط علامة (أي ميزة يمكن ان يصفه بها صاحبه فيتوصل بها اليه) وفي هذه الحالة يجوز للملتقط ان يأخذه لنفسه.
‏ ‏ 2 ـ ان يكون في المال الملتقط علامة وكانت قيمته دون الدرهم الشرعي أي ‏6\12 حمصة من الفضة المسكوكة وفي هذه الحالة لا يجب على الملتقط الفحص عن مالكه ولكن [ ليس له ايضاً ان يأخذ لنفسه بل يتصدّق به على فقير].
‏ ‏ 3 ـ ان يكون في المال الملتقط علامة وتكون قيمته درهماً أو يزيد وفي هذه الحالة يجب على الملتقط المبادرة الى التعريف به والتحري عن مالكه من تاريخ الالتقاط واِلى تمام السنة، ويجب ان يكون التعريف به في اماكن تجمع الناس كالاسواق والمحلات العامة والمجالس وغيرها حيث يتوقع وجود صاحبه هناك.
‏‏اِذا يعثر على المالك؟
ــ اِذا لم يعثر الملتقط على المالك وكانت اللقطة في حرم مكة المكرمة [تصدق بها عن مالكها] واِذا كانت في أي مكان آخر تخيّر الملتقط بين أمرين: اِما أن يحفظها لمالكها وله حينئذ حق الانتفاع بها مع التحّفظ على عينها واما ان يتصدق بها عن مالكها [وليس له أن يتملكها في مطلق الاحوال] .
‏ ‏‏لو كان الشيء الملتقط مجموعة من العملات النقدية؟
ــ اذا أمكن معرفة مالكها بسبب بعض خصوصياتها مثل عددها أو زمانها الخاص أو مكانها الخاص وجب التعريف بها.
‏ ‏‏ولو ادعى مدعٍ أنّه مالكها؟
ــ اِذا عُلم صدقهُ وجب دفعها اِليه، واذا وصفها وكان وصفه مطابقاً للحقيقة فحصل الاطمئنان بصدقه وجب كذلك دفعها اِليه.
‏ ‏‏تقول الاطمئنان، واذا لم يحصل الاطمئنان بصدقه، بل حصل الظن؟
ــ لا يكفي حصول الظن.
‏ ‏‏كان هذا هو حكم مال ملتقط لم يعرف صاحبه، أما اِذا استولى انسان ما على أموال أو حاجات أو عقار من انسان آخر ظلماً وعدواناً وغصباً؟
ــ الغصب من كبائر المحرمات، ويعذب الغاصب يوم القيامة بأشد أنواع العذاب، فقد روي عن النبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله: «من غصب شبراً من الاَرض طوّقه الله من سبع أرضين يوم القيامة».
‏ ويجب على الغاصب ردِّ المغصوب الى مالكه داراً كان الشيء المغصوب أو نقوداً أو حاجات أو غير ذلك.
‏ ‏‏واذا أعاد الدار المغصوبة الى صاحبها فهل تبرأ ذمّته؟
لا بل يغرم له مقدار أجرة مثل تلك الدار أيضاً.
‏ ‏‏حتى لو لم يسكنها غاصبها؟
ــ نعم يغرم اجرتها حتى لو لم يسكنها في تلك المدة؛ لانّه فوت عليه استيفاء منفعة ملكه فكأنه قد أتلفها عليه فيضمنها له.
‏ ‏‏لو غصب انسان ارضاً فغرسها وزرعها؟
ــ على الغاصب اِزالة غرسه وزرعه فوراً مع أجرة مثل هذا المقدار من استغلاله للارض، بل لو استلزم قلع الغرس والزرع نقصاناً في قيمة الاَرض بسبب القلع وجب على الغاصب التعويض بدفع بدل النقصان، هذا اِذا لم يرض المالك ببقائه في الاَرض مجاناً أو بأجرة والا لم تجب على الغاصب ازالته بل يجوز له ابقاؤه فيها بالنحو الذي يرضى به المالك.
‏ ‏‏واذا تلف المغصوب عند الغصب دون تعمد منه؟
ــ يجب عليه رد عوضه الى مالكه وعوض منافعه المستوفاة والمفوتّة.
‏ ‏‏وكيف يرد عليه عوضه؟
ــ المغصوب، على نوعين:‏
‏ 1 ـ القيمي: وهو الذي لا يكثر وجود ما يماثله تماما في الخصوصيات والمشخصات التي تختلف باختلافها الرغبات كالبقر والغنم.. وهذا النوع يرد الغاصب قيمته يوم التلف.
‏ ‏ 2 ـ المثلي : وهو الذي يكثر ما يماثله تماماً في الخصوصيات والمشخصّات كالحنطة والشعير فيلزم الغاصب رد مثله، شريطة ان يتحد المثل المدفوع مع التالف في جميع الخصوصيات النوعية والصنفية فلا يجزي الرديء من الحنطة ـ مثلاً ـ عن النوعية الجيدة منها .
‏ ‏‏واذا أخذت غصباً سلعة من غاصبها الاول، ثم تلفت السلعة؟
ــ يحق لصاحبها مطالبة أي من الغاصبين شاء ببدلها من المثل أو القيمة سواء غاصبها الاَول أو غاصبها الثاني، لكن لو رجع المالك على الغاصب الاول كان له أن يطالب الثاني بما غرمه للمالك دون العكس.
‏ ‏‏اِذا علم المالك بوجود ماله المغصوب عند الغاصب؟
ــ يحق له انتزاعه من يد غاصبه ولو بالقوة. قال ذلك أبي وأضاف:‏
واذا وقع في يده مال للغاصب جاز له أخذه بدل المال المغصوب لو كان مساوياً له في القيمة.
‏ ‏‏واذا كان مال الغاصب أكثر قيمة من المال المغصوب؟
ــ يجوز لصاحب المال المغصوب أخذ حصة منه مساوية لقيمة ماله المغصوب يستوفي بها حقه.
‏ ‏‏قبل أن تختم حوارية اليوم أحب أن أسالك سؤالا شخصياً.
‏ ــ تفضل.
‏ ‏‏كثيراً ما أشاهدك تدفع الصدقة.
‏ ــ نعم، ولكن كيف لاحظتني فأنا حين أتصدّق اُحاول أن لا يراني أحد، ذلك أن الصدقة المستحبة اِذا دفعت سراً كانت أفضل مما لو دفعت جهراً أمام أعين الناس فقد كان اِمامك علي بن الحسين عليه السلام يقول: «صدقة السر تطفىء غضب الرب».
‏ ‏‏وهل يعتبر في الصدقة شيء؟
ــ يعتبر في الصدقة قصد القربى لله تعالى.
‏ ‏‏وهل لها وقت محدد؟
ــ كلا.. ولكن يستحب التبكير بها، فاِن التبكير بها يدفع شرِّ ذلك اليوم ويستحب دفعها في أول الليل كذلك فاِن دفعها في أول الليل يدفع شرّ الليل.
‏ يقول معلى بن خنيس: «خرج أبو عبد الله عليه السلام في ليلة قد رشّت السماء وهو يريد ظلة بني ساعدة فاتبعته فاذا هو قد سقط منه شيء، فقال: بسم الله اللّهم ردّ علينا. قال: فأتيته فسلّمت عليه، فقال: أنت معلى؟ قلت: نعم، جعلت فداك، وقال لي:‏ التمس بيدك فما وجدت من شيء فادفعه اليّ. قال: فاِذا بخبز منتثر فجعلت أدفع اِليه ما وجدته فاِذا أنا بجراب من خبز، فقلت: جعلت فداك أحمله عنك، فقال:‏ لا، أنا أولى به منك ولكن امض معي. قال: فاتينا ظلة بني ساعدة فاِذا نحن بقوم نيام فجعل يدس الرغيف والرغيفين تحت ثوب كل واحد منهم حتى أتى على آخره. ثم انصرفنا. فقلت: جعلت فداك يعرف هؤلاء الحق؟ فقال: لو عرفوا لواسيناهم بالدقة ـ والدقة هي الملح ـ اِن الله لم يخلق شيئاً اِلاّ وله خازن يخزنه اِلاّ الصدقة فاِن الرب تبارك وتعالى يليها بنفسه وكان أبي اِذا تصدّق بشيء وضعه في يد السائل ثمّ أرتده منه وقبله وشمّه ثم ردّه في يد السائل وذلك أنّها تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل».
‏ ‏‏أفهم من هذه القصة أن للصدقة فضلاً عظيماً؟
ــ نعم فقد تواترت الروايات في الحث عليها والترغيب فيها. فورد أنّها دواء المريض، وبها يدفع البلاء وقد أبرم ابراماً، وبها يستنزل الرزق، وبها يُقضى الدين، واِنّها تزيد في المال، وتدفع ميتة السوء والداء، و..، و... الى أن عدِّ سبعين باباً من ابواب السوء تسد.
‏ ولكن رغم كل هذا الفضل للصدقة فاِن التوسعة على العيال أفضل من الصدقة على غيرهم. كما أن الصدقة على القريب المحتاج أفضل من الصدقة على غيره وأفضل منها الصدقة على الرحم المعادي.
‏ ‏‏على الرحم المعادي؟
ــ نعم الرحم المعادي.
‏ ــ وأفضل من الصدقة القرض. نعم أفضل من الصدقة الاقراض كما سبق نقل الرواية فيها.

الطاهرة
28-10-2010, 19:04
حواريّة الذباحة والصيد




لا أكتمكم أني ساعة دخلت القاعة لحوارية اسمها «الذباحة والصيد» ما كان يخطر ببالي أن أسمع ما سمعت، ولا أن أخرج منها بما خرجت به.‏
فقد كنت أظن أني سأسمع اليوم عن «الذباحة» قساوة في التعامل مع المذبوح تساوق قساوة الذبح. ولكني فوجئت!!‏
تُرى، أبكل هذه الرِّقّة يوصي المشرِّع الاِسلامي ذابح الحيوان ان يتعامل مع حيوانه!‏
تُرى، أبكل هذا الاهتمام حتى بمشاعر الحيوان وأحاسيسه من أن تتوتَّر أو تتشنّج أو تثور يحث المشرِّع الاِسلامي ذابح الحيوان أن يتصرَّف؟! تُرى، أبكل، هذا الحرص على عدم تعذيب الحيوان أو اِيذائه يدعو المشرّع الاِسلامي ذابح الحيوان أن يكون..؟!‏
استعرضت هذه الافكار في ذهني على عجل، واستعرضت معها بالمقابل ببطء قاس صوراً مفزعة لحالات تعذيب مريعة للحيوان وأنا استمع الى أبي وهو يحدثني عن مستحبّات الذباحة.‏
قال أبي: يستحب لذابح الحيوان أن يسوق حيوانه الى مذبحه برفق.‏
ويستحب لذابح الحيوان أن يعرض الماء على حيوانه قبل ذبحه.‏
ويستحب لذابح الحيوان أن لا يُري حيوانه شفرة الذباحة.‏
ويستحب لذابح الحيوان أن يُمرَّ السكّين على مذبح حيوانه بقوّة حتى يريحه ساعة الذبح.‏
ويستحب لذابح الحيوان أن يجدَّ في الاسراع بذبح حيوانه ليضمن سهولة الذبح.‏
ويستحب لذابح الحيوان أن لا يُحرك حيوانه بعد ذبحه من مكان الى اَخر حتى يموت.‏
ويكره أن تكون الذباحة بمنظر من حيوان اَخر من جنسه.‏
ويكره أن يذبح الاِنسان بيده ما ربّاه من النِّعم.‏
ويكره سلخ جلد الذبيحة قبل خروج روحها.‏
قال ذلك أبي وأضاف معزِّزاً قوله بحديث مروي عن نبيّنا الكريم محمّد صلى الله عليه وآله جاء فيه: «ان الله تعالى شأنه كتب عليكم الاِحسان في كل شيء، فاذا قتلتم فاحسنوا القتلة، واذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدَّ أحدُكم شفرته، وليُرح ذبيحته».‏
‏‏ ولكني لا أعرف كيف أذبح حيواناً يا أبي؟
ــ اذا أردت أن تذبح فاقطع الاَوداج الاَربعة تماماً.‏
‏‏ وما هي الاَوداج الاَربعة؟
ــ اِنّها «المريء» مجري الطعام و«الحلقوم» مجرى التنفّس و«الودجان» وهما عرقان يحيطان بالحلقوم والمريء.‏
‏‏ زدني ايضاحاً يا أبي.‏
ــ يقول الخبراء المتمرّسون في الذّباحة بأنّك اِذا قطعت الاَوداج الاَربعة فستجد (الجوزة) في جهة الرأس. أما لو وجدت بعضها في الجسد فمعنى ذلك أن قطعك للاَوداج الاَربعة لم يكن تامّاً، لاَنّ الجوزة هي مجمع الحلقوم والمريء وفوقها لا حلقوم ولا مريء.‏
‏‏ معنى هذا اني حين أذبح أقطع من تحت الجوزة لا من فوقها؟
ــ بالضبط.. اِقطع من تحت الجوزة حتى لا تكون الجوزة في الجسد.‏
‏‏ ولو أخطأتُ فقطعت من فوق الجوزة لا من تحتها ثمّ انتبهت فوراً لخطئي فهل لي أن أعود فاقطع من تحت الجوزة قبل أن تموت الذبيحة؟
ــ نعم لك ذلك.‏
اضاف أبي قائلاً:‏
تختصّ الاِبل «الجمال» من بين البهائم بانّها تنحر ولا «تذبح».‏
‏‏ وكيف أنحرها؟
ــ اذا اردت أن تنحر الاِبل فأدخل السكين أو الرمح أو غيرهما من الاَلات الحديدية الحادة في «لبّتها».‏
‏‏ وما اللبّة؟
ــ اللبّة هي الموضع المنخفض الواقع في أعلى الصدر متّصلاً بالعنق.‏
‏‏ عرفت الاَن كيف أذبح الغنم أو البقر أو الدجاج أو الحمام أو غيرها.‏ وعرفت كيف أنحر الاِبل (الجمال).‏
ــ اذا عرفت ذلك ومن أجل أن يحل لك أكل لحوم حيوانات كالغنم والبقر والدجاج والحمام وغيرها، فلابدّ من توافر شروط عدة في ذباحتها، وهذه الشروط هي:‏
‏ 1 ـ ان يكون الذابح مسلماً رجلاً كان أو أمرأة أو صبياً مميّزاً، فلا تحل ذبيحة الكافر [حتّى الكتابي وان سمّى].‏
‏ 2 ـ ان يكون الذبح باَلة حديدية قدر الامكان، أمّا اذا لم توجد الاَلة الحديدية جاز الذبح بالنحاس أو الصفر أو الرصاص أو الزجاج أو الحجارة الحادّة أو غيرها مما يقطع الاَوداج.‏
‏‏ والسكاكين المصنوعة من الاستيل؟
ــ فيها نسبة غير مستهلكة من الكروم وهي مادّة اخرى غير الحديد فيُشكل الذبح بها.‏
‏ 3 ـ أن توجّه الذبيحة للقبلة حال الذبح وذلك بأن توجّه مقاديم جسدها من الوجه واليدين والبطن والرجلين للقبلة اِذا كانت قائمة أو قاعدة للقبلة تماماً كما يتوجّه الاِنسان القائم أو القاعد للقبلة حال الصلاة. أما اذا كانت الذّبيحة ملقاة على الارض فيتحقّق استقبالها للقبلة باستقبال منحرها وبطنها للقبلة.‏
‏‏ ولو لم توجّه الذبيحة للقبلة حال الذبح؟
ــ حرمت مع العمد.‏
‏‏ ومع عدم العمد؟
ــ اِذا كان السبب عدم توجيهها للقبلة هو النسيان أو الخطأ أو عدم العلم بجهة القبلة أو عدم التمكن من توجيه الذبيحة لها أو عدم العلم بأن توجيهها للقبلة شرط من الشروط التي يحل بموجبها أكل الذبيحة. اِذا كان السبب أحد ما تقدم فلا تحرم الذبيحة بعدم توجيهها للقبلة.‏
‏ 4 ـ أن يذكر الذابح اسم الله وحده عليها لاجل الذبح سواء سمى حين الشروع في الذبح ام قبله متّصلاً به عرفاً.‏
‏‏ ماذا يقول في التسمية؟
ــ يكفي أن يقول: «بسم الله» أو «الله اكبر» أو «الحمد لله».‏
‏‏ ولو نسي الذابح التسمية عليها؟
ــ لم تحرم الذّبيحة.‏
‏‏ اُشاهد بعض القصّابين يقطع رأس الذبيحة عندما يذبحها.‏
ــ قل له [لا تقطع رأس الذبيحة متعمّداً، ولا تصب نخاعها قبل أن تموت، والنخاع هو الخيط الاَبيض داخل فقرات الرّقبة].‏
‏ 5 ـ أن يخرج الدم بالشكل المتعارف المعتاد، فلا تحل الذبيحة اِذا لم يخرج منها الدم أو خرج قليلاً بالنسبة الى نوعها بسبب انجماد الدم في عروقها، واما اذا كانت قلّته لاَجل سبق نزيف الذبيحة لجرح مثلاً لم يضرّ ذلك بحليتها.‏

قال أبي:‏
بقي أن اشير الى حالة خاصة وهي أنه اذا شككنا في حياة حيوان حال ذبحه فيشترط ـ اضافةً لما تقدم ـ أن يتحرّك بعد ذبحه ولو حركة يسيرة كأن يحرِّك ذنبه أو رجله أو تطرف عيناه أو غيرها ليحل لنا أكل لحمه.‏
‏‏ واذا كنّا نعلم بحياته حال الذبح؟
ــ لا حاجة لهذه الحركة حينئذ.‏
‏‏ قلت لي ان الاِبل يجب ان تنحر، فهل هناك من شروط لحليّة أكل لحمها اضافة للنحر؟
ــ يشترط في الناحر ما يشترط في الذابح «راجع فقرة ـ 1 ـ».‏
ــ ويشترط في اَلة النحر ما يشترط في اَلة الذبح «راجع فقره ـ 2 ـ».‏
ــ ويجب في النحر استقبال القبلة بالمنحور والتسمية والحياة حال النحر وخروج الدّم المعتاد بعد النّحر.‏
‏‏ والجنين الذي في بطن الحيوان؟
ــ اِذا اُخرج حيّاً من بطن اُمّه فحكمه حكم اُمّه، يذبح أو ينحر حسب نوعه.‏
قد يخرج ميتاً؟
اِذا ذبحت اُمّه أو نحرت وفق الشروط السابقة فمات في داخلها وكان تام الخلقة قد نبت شعره أو صوفه أو وبره حل أكل لحمه، هذا ولا يجوز تأخير اخراج الجنين من بطن اُمّه الى ان يموت، بل يجب التعجيل بشقّ بطنها بعد ذبحها فلو تواني الذابح في اخراجه حتى مات لم يحل أكل لحمه.‏
‏‏ واذا ماتت اُمّه من دون أن تذبح أو تنحر ومات جنينها في بطنها؟
ــ حرم أكل لحمه.‏
الشروط مارة الذكر ـ قال أبي ـ اذا اجتمعت في ذبح حيوان أو نحره قلنا ان هذا الحيوان «مذكّى» فهو مذبوح وفق قواعد واُصول الذباحة في الشريعة الاِسلامية.‏
اضاف أبي شارحاً: ـ
والحيوانات بعضها مأكول اللحم كالغنم والبقر وغيرهما.‏
وبعضها غير مأكول اللحم كالاَسد والنمر والثعلب والفهد والصقر والنسر وبعض الحشرات التي تسكن باطن الاَرض.‏
وبعضها نجس لا يطهر أبداً كالكلب والخنزير.‏
وتقع التذكية على كل حيوان مأكول اللحم، فاذا ذكّي طهر وحل أكل لحمه ولا تقع على الحيوان النجس الذي لا يطهر أبداً كالكلب والخنزير.‏
‏‏ والحيوانات غير مأكولة اللحم كالثعلب والاَسد والنسر؟
ــ تقع التذكية عليها كذلك عدا الحشرات وهي الدّواب الصغار التي تسكن باطن الارض كالضب والفار فانّها لا تذكّى واما غيرها فتقع عليه التذكية، فيطهر لحمه وجلده بها فيجوز استعمال جلده اَنذاك بشتّى انواع الاستعمالات الممكنة حتى لو اتّخذ منه ـ كما كان يفعل أجدادنا ـ ظرفاً للسمن أو للماء فلا ينجس ما يلاقيه واِن كان رطباً لاَنّه مذكّى.‏
‏‏ اذا وجدنا لحم حيوان قابل للتذكية أو جلده بيد شخص مسلم يبيعه أو يلبسه أو يفرشه ولا نعلم هل هو مذكّى ام لا؟
ــ قل انّه مذكّى مادمت وجدته بيد المسلم مقترناً بما يقتضي تصرّفه فيه تصرّفاً يناسب التذكية، اِلاّ اذا ثبت لك بانّه غير مذكّى.‏
اكثر من ذلك ـ قال أبي ـ اذ وجدته بيد المسلم يبيعه مثلاً وكان قبلاً بيد الكافر ويحتمل انّه حقق تذكيته فقل كذلك انّه مذكّى اِلاّ اذا ثبت لك بأنّه غير مذكّى.‏
مع ملاحظة جديرة بالتأمّل وهي: أنّه اذا علمت انّ المسلم أخذه من الكافر من دون تحقيق عن تذكيته واحتملت انّه مذكّى فلك ان تبني على طهارته وان لم يجز لك استعماله فيما يعتبر فيه التذكية كالاَكل. وهكذا اللحوم والجلود المأخوذة من يد الكافر مباشرة.‏
‏‏ قلت لي : اذا وجدت لحم حيوان قابل للتذكية أو جلده بيد مسلم ولا تعلم انّه مذكّى أو لا ، فقل اِنّه مذكّى حتى يثبت لك عدم تذكيته أليس كذلك؟
ــ نعم.‏
‏‏ المسلمون كما تعلم يا سيدي مذاهب وفرق مختلفة؟
ــ نعم ، قل انّه مذكّى سواء أكان مذهب المسلم هذا موافقاً لمذهبك أم مخالفاً له .‏
‏‏ هناك ربما من المذاهب الاِسلامية أو الفرق من لا يشترط الشروط التي ذكرتها للتذكية ، فلا يشترط استقبال القبلة مثلاً ، ولا التسمية ولا كون الذابح مسلماً ولا يشترط قطع الاَوداج الاَربعة .‏
ــ أعرف ذلك ، وهذا لا يهم . قل اِنّه مذكّى مادام يتصرف به تصرّفه في لحم وجلد الحيوان المذكّى وتحتمل أنّه ذكّاه وفق الشروط مارة الذكر وان لم يكن يعتقد لزوم رعايتها ، بل لو تيقنت عدم رعايته لشرط الاستقبال لم يضرّ ذلك بحلية ذبيحته مادام معتقداً بعدم لزوم الاستقبال.‏
‏‏ والحيوانات المذبوحة بالمكائن في البلدان الاِسلامية؟
ــ اذا توفرت في ذبحها الشروط مارة الذكر فهي مذكّاة ، فاذا كان العامل الذي يتولّى تحريك السكينة بيده أو يضغط على الزر المعيّن لتقوم الماكنة بتحريك الشّفرة مسلماً وكان يسمّي على ذبائحه وكانت الذبائح مستقبلة القبلة حال الذبح مع توفّر بقيّة الشروط المتقدّمة حلّ اكل لحمها كالمذبوح باليد تماماً .‏
‏‏ والاَسماك؟ لم تحدّثني عن تذكية الاَسماك .‏
ــ تذكية الاَسماك وبالتالي حلّية اكل لحمها تختلف عن تذكية الحيوانات الاُخرى مارة الذكر، ذلك ان السمك متى ما استوليت عليه حيّاً خارج الماء كأن تكون اصطدته بيدك داخل الماء وأخرجته حيّاً للخارج، أو اصطدته بالشباك أو بالشصِّ أو بالفالة، أو كأن يكون السمك قد خرج بعد نضوب الماء فأخذته فقد ذكيته، أو كأن يكون السمك قد قفز بنفسه الى الساحل فأمسكته حيّاً فقد ذكّيته، أو وثب في سفينة فأخذته حيّاً فقد ذكّيته. وهكذا.‏
‏‏ واذا وثبت سمكة الى الاَرض فلم تؤخذ حتى ماتت؟
ــ حرم عليك أكل لحمها، اكثر من ذلك لو نظرت الى سمكة وهي حيّة تضطرب على الاَرض ولم تعلم أن انساناً أخرجها من الماء ولم تستول أنت عليه حتى ماتت فقد حرم اكل لحمها عليك.‏
‏‏ وشرط التسمية؟ لم تذكر شرط التسمية على السمك.‏
ــ لا يشترط في تذكية السمك التسمية.‏
‏‏ والاِسلام؟ أقصد أن يكون صائدها وهي حيّة مسلماً؟
ــ لا يشترط في تذكية السمك ان يكون صائدها وهي حية مسلماً.‏
‏‏ معنى هذا أنّه اذا أخرج الكافر السمك حيّاً من الماء جاز لي أكله؟
ــ نعم جاز لك أكله، فلا فرق هنا بين المسلم والكافر.‏
‏‏ واذا وجدت سمكة في يد مسلم يبيعها مثلاً ولم أدر أنه استولى عليها حيّة خارج الماء فيحل لي أكلها. أو استولى عليها ميتة فلا يحل لي أكلها؟
ــ قل انّها مذكّاة ما دامت في يد المسلم يتصرّف بها تصرّفاً دالاً على التذكية كأّنَ يبيعها للاكل مثلاً أو ما شاكل.‏
‏‏ واذ وجدتها في يد الكافر ولم أدر أنّه استولى عليها خارج الماء حيّة أو ميتة. أقصد هل هي مذكّاة أم لا؟
ــ قل انّها غير مذكّاة.‏
اكثر من ذلك لو أخبرك الكافر أنّها مذكّاة لم يحل لك أكل لحمها، اِلاّ اذا علمت أنّه قد أخرجها من الماء قبل موتها أو أنّه أخذها خارج الماء وهي حيّة أو أنّها ماتت داخل شبكته أو حضيرته في الماء.‏
‏‏ اذا ألقى الصياد الزهر «السم» في الماء فابتلعه السمك فطفا على سطح الماء لعجزه عن السباحة؟
ــ اذا أخذته حيّاً جاز لك أكل لحمه أما اذا مات قبل ذلك فقد حرم.‏
‏‏ لو نصب الصياد حضيرة أو صنع شبكة لاِصطياد السمك فدخلها السمك ثمّ نضب الماء أو انحسر بسبب الجزر أو بأي سبب اَخر فمات السمك فيها بعد نضوب الماء؟
ــ لك ان تأكل ذلك السمك.‏
‏‏ يرمي الصياد شباكه في الماء ثمّ يخرجها محملة بسمك قد مات وهو في الشبكة؟
لك ان تأكله كذلك.
‏‏ يخرج الصياد السمك الحي من الماء فيشق بطنه أو يضربه على رأسه فيموت؟
ــ يحل لك أكل لحمه، لاَنّه لا يشترط في السمكة اذا اخرجت من الماء حيّة أن تموت بنفسها، فيجوز اكل لحمها لو ماتت بالتقطيع أو بالشواء أو بغير ذلك.‏
‏‏ والدم الخارج منها، ألا تحتاج قبل الشواء الى تطهير؟
ــ دم السمكة طاهر.‏
‏‏ قلت لاَبي: حدثتني عن صيد السمك ولم تحدثني عن صيد الحيوانات الوحشية كالغزال مثلاً اذا اصطيد بالبندقيّة؟
ــ يشترط في تذكية الحيوان الوحشي المحلّل أكله كالغزال والطير وبقر الوحش وحمار الوحش وغيرها اِذا اصطيد بالبندقيّة أو بغيرها من السلاح شروط عدة اذا اجتمعت حلَّ اكله وطهر كما لو ذبح.‏
من هذه الشروط:‏
‏ 1 ـ أن يكون الصائد مسلماً أو ما بحكمه كالصبي المميّز كما مرّ في شروط الذبح.‏
‏ 2 ـ أن يكون قاصداً الاِصطياد وهو يستعمل سلاحه، فلو رمى هدفاً فأصاب حيواناً خطأً فقتله مصادفة لم يحل.‏
‏3 ـ أن يسمي عند استعمال سلاحه في الاِصطياد، او قبل اصابة الهدف ويكفي في التسمية أن يقول:‏ «الله اكبر» أو «بسم الله» أو «الحمد لله».‏
4 ـ أن يدرك صيده ميتاً بسبب السلاح أو يدركه حيّاً ولكن لا يسع الوقت لتذكيته، فلو أدرك صيده حيّاً وكان الوقت يتسع لذبحه ولم يذبحه حتى مات لم يحل اكله.‏
5 ـ في صيد البندقيّة يجب أن تكون الطلقة على وجه تنفذ في بدن الحيوان، وتخرقه بحيث يكون سبب قتله اختراقها ونفوذها في جسده.‏
‏‏ واذا اصطيد الحيوان الوحشي المحلّل أكله كالغزال أو الطير مثلاً بكلب الصيد لا بالسلاح؟
ــ يحل أكله ويطهر بعد اصطياده اذا توفّرت الشروط التالية:‏
‏ 1 ـ أن يكون الكلب معلّماً للاِصطياد بحيث يسترسل اذا أرسله صاحبه وينزجر اذا زجره.‏
‏ 2 ـ أن يكون صيده بارسال صاحبه له للاِصطياد، فلا يكفي استرساله بنفسه من دون ارسال.‏
‏ 3 ـ أن يكون مرسله للاِصطياد مسلماً كما مر في شروط الذبح.‏
‏ 4 ـ أن يسمي مرسله عند ارساله، ويكفي مثل «الله اكبر» أو «الحمد لله» أو «بسم الله».‏
‏ 5 ـ أن يستند موت الحيوان الى جرح الكلب وعقره، لا مثل خنقه واتعابه في العَدْو ونحو ذلك.‏
‏ 6 ـ أن يدرك صاحب الكلب صيده بعد موته أو يدركه في الدقائق الاخيرة من حياته بحيث لا يسع الوقت لذبحه، فلو أدركه حيّاً وكان الوقت يتسع لذبحه ولم يذبحه حتى مات لم يحل أكله وهكذا لو توانى من الوصول اليه فمات قبل ان يدركه أو ضاق الوقت عن ذبحه بعد ادراكه.‏
‏‏ واذا اصطاد الباشق أو الصقر أو البازي أو الفهد أو غيرها حيواناً؟
ــ لا يحل أكله اِلاّ اذا صاده الكلب فقط. علماً بأن موضع عضة الكلب نجس.‏ يجب غسله. ولا يجوز اكل الحيوان قبل غسله.‏
‏‏ احياناً يصطاد غير الكلب كالصقر مثلاً حيواناً ويدرك صاحب الصقر صيده قبل ان يموت فيذبحه؟
ــ يحل اكله اذا كان الصيد مأكول اللحم وذكّاه صائده وفق اصول واُسس التذكية مارّة الذكر.‏
‏‏ اشاهدك احياناً تستعمل عبارة «الحيوان المأكول اللحم» أو عبارة «الحيوان غير مأكول اللحم» فهل هناك حيوانات لا يحل اكل لحمها دائماً؟
ــ نعم هناك حيوانات يحرم أكل لحمها دائماً.‏
قال ذلك أبي، ثم صمت قليلاً كأنّه يلملم خيوط فكرة راحت تتجمع بطيئة متأنيّة في ذهنه ثم رفع رأسه اليَّ قائلاً:‏
من أجل أن أضعك في الصورة تماماً ساُعدد لك المهم من الحيوانات التي يحل أكل لحمها . والمهم من الحيوانات التي لا يحل اكل لحمها حتى تكون على بيِّنة منها ، وأردف أبي يقول :‏
من حيوانات البرّ : يحل لك اكل لحم الدجاج بأنواعه المختلفة والغنم والبقر والاِبل والخيل والبغال والحمير وكبش الجبل وبقر الوحش وحمار الوحش والغزال .‏
ويكره منها ولا يحرم اكل لحم الخيل والبغال والحمير الاَهليّة .‏
ويحرم اكل كل ذي ناب كالاَسد والثعلب وغيرهما .‏
كما يحرم اكل الاَرنب والفيل والدبّ والقرد وايضاً يحرم اكل الضبّ واليربوع والفأر والقنفذ والحية وغيرها من الحشرات .‏
ويحرم اكل لحم ما وطئه الانسان من البهائم [ ويحرم لبنه ويحرم لحم نسله المتجدِّد بعد الوطء ] وأقصد بالوطء هنا أن يمارس الانسان الجنس مع الحيوان .‏
فاِن كان الحيوان الموطوء مما يطلب لحمه كالاِبل والبقر والغنم وغيرها وجب ان يذبح اولاً ثمّ يحرق ويغرم الواطئ قيمته اذا كان غير المالك .‏
وان كان الحيوان الموطوء مما يقصد ظهره للركوب كالخيل والبغال والحمير وجب نفيه من البلد وبيعه في بلد اَخر ويغرم الواطئَ قيمته اذا كان غير المالك .‏
أضاف أبي :‏
ومن حيوانات البحر : يحل لك اكل لحم السمك بكافة انواعه واشكاله شرط أن يكون له قشر ( فلس ) .‏
ويحرم الميت الطافي منه على وجه الماء .‏
كما يحرم اكل حيوانات البحر الاُخرى عدا السمك مار الذكر، ويحرم بالتخصيص لحم الجرّي والزّمير والمارماهي والسلحفاة والضفدع والسرطان .‏
‏‏ ولحم الرّوبيان؟
ــ يحل لك أكله لاَن له قشراً .‏
واردف أبي قائلاً :‏
ومن الحيوانات الطائرة : يحل لك اكل لحم الحمام بانواعه المختلفة والعصافير بانواعها والبلبل والزرزور والقبّرة والنعامة والطاووس والهدهد والخطّاف .‏
[ويحرم عليك اكل لحم الغراب بجميع انواعه حتى الزاغ ، كما يحرم عليك اكل الزنبور وغيره من الحشرات الطائرة عدا الجراد ] ويحرم عليك كل طائر ذي مخلب كالشاهين والعقاب والبازي والصقر، وكل طائر صفيفه اكثر من دفيفه، اي يحرم اكل لحم كل طائر يصفّ جناحيه ولا يحركهما اثناء طيرانه اكثر مما يحركهما ويدفّ بهما .‏
‏‏ واذا لم نعرف كيفيّة طيرانه؟
ــ العبرة في حليّة لحمه حينئذٍ بأن تكون له الحوصلة أو القانصة أو الصيصية فما تكون له احدى الثلاث يحل اكله دون غيره.‏
والحوصلة: ما يجتمع فيه الحب وغيره من المأكول عند الحلق.‏
والقانصة: ما تجتمع فيه الحصى الدقاق التي يأكلها الطير.‏
والصيصية: شوكة في رجل الطير خارجة عن الكف.‏
‏‏ اشاهد احياناً بعض القصابين يخرج من الذبيحة اثناء تقطيعها بعض الاَجزاء ليرميها خارجاً.‏
ــ نعم لا تأكل من الذبيحة الاَجزاء التالية اِن وجدتها فيها:‏
الدم، والروث، والقضيب، والفرج، والمشيمة، والغدد بكل انواعها، والبيضتين، وخرزة الدماغ، والنخاع، والمرارة، والطحال، والمثانة، وحدقة العين، و[العصبتين الممتدتين من الرقبة الى الذنب على الظهر] .‏
هذا كله في ذبيحة غير الطيور، اما ذبيحة الطيور فيحرم منها (الدم والرجيع)‏ [ويجتنب ايضاً عن بقية المذكورات ان وجدت فيها].‏
ولما انتهى أبي من تعداده وصمت قلت في نفسي:‏
ما دمنا نتحدّث عما يحل أكله من الذبيحة وما لا يحل، فلماذا لا أسأل عما يحرم أكله وتناوله من غير الذبيحة من أشياء. ثمّ لماذا لا أسأل ما دمنا نتحدّث عن الاَكل عما يستحب في أكل الطعام.‏
واذا اختمرت في ذهني فكرة السؤال قلت لاَبي:‏
ــ دعني أخرج عن الموضوع قليلاً لاَسأل عن سؤالين شغلا بالي:‏
أولهما: هل يا ترى هناك أشياء يحرم تناولها غير ما ذكرت؟
ــ ثانيهما: مادمنا نجلس على مائدة الطعام كل يوم ثلاث مرات، فهل هناك مستحبّات في أكل الطعام؟
ابتسم أبي أول الاَمر كأنّه ذكر شيئاً ثم اعتدل في جلسته ليقول: ساُجيبك عن السؤال الاَول ثم اُثنّي فاُجيبك عن السؤال الثاني.‏
ــ نعم هناك أشياء يحرم تناولها غير ما ذكرت، سأخصّ بالذِّكر منها شيئين مهمّين هما:‏
‏ 1 ـ يحرم شرب الخمر وغيره من المسكرات بما في ذلك «البيرة». وقد نصّ القراَن الكريم على حرمة شرب الخمر، قال الله سبحانه وتعالى: (اِنّما الخَمْرَ والمَيسرُ والاَنْصابُ والاَزْلامُ رجسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطانِ فاجْتَنِبوه). كما ورد في بعض الاَحاديث أنّه من أعظم المعاصي، قال الاِمام الصادق عليه السلام: «الخمر اُمّ الخبائث ورأس كلّ شرّ...» الى اَخر الحديث.‏
اكثر من ذلك: يحرم أكلك من مائدة يشرب عليها شيءٌ من الخمر أو أي مسكر [بل يحرم جلوسك على مثل هذه المائدة] .‏
‏2 ـ يحرم تناول كل ما يضرّ بالاِنسان ضرراً بليغاً كالهلاك وشبهه كالسموم القاتلة وأمثالها.‏
هذا ما يتعلّق بالسؤال الاَول.‏
أما ما يتعلق بالسؤال الثاني، «مستحبات أكل الطعام» فمستحبات أكل الطعام كثيرة، ولكن هل ستلتزم بها؟
‏‏ أعدك أن احاول.‏
ــ اذن خذ:‏
‏ 1 ـ غسل اليدين معاً قبل الطعام وبعده والتنشف بعده بالمنديل.‏
‏ 2 ـ التسمية عند الشروع بالاَكل.‏
‏ 3 ـ الاَكل باليمين.‏
‏ 4 ـ تصغير اللقم.‏
‏ 5 ـ أن تجوِّد مضغ الطعام.‏
‏ 6 ـ أن تطيل الاَكل والجلوس على المائدة.‏
‏ 7 ـ أن تفتتح وتختتم بالملح.‏
‏ 8 ـ أن تغسل الثمار بالماء قبل أكلها.‏
‏ 9 ـ أن لا تأكل وانت شبعان.‏
‏ 10 ـ أن لا تأكل الطعام الحار.‏
‏ 11 ـ أن لا تنفخ في الطعام والشّراب.‏
‏ 12 ـ أن لا تقشِّر الثمار التي تؤكل بقشورها.‏
‏ 13 ـ أن لا ترمي الثمرة من يدك قبل أن تستقصي أكلها.‏
‏ 14 ـ أن لا تنظر في وجوه الناس وهم يأكلون.‏
‏ 15 ـ أن يبدأ صاحب الطعام قبل الجميع ويختتم بعد الجميع.‏
‏ 16 ـ أن لا تتناول الماء على الاَغذية الدّسمة.‏
‏ 17 ـ أن تأكل من أمامك لا من أمام الاَخرين.‏
‏18 ـ أن لا تمتلئ من الطعام.‏
‏ 19 ـ أن لا تقطع الخبز بالسكين.‏
‏ 20 ـ أن لا تضع الخبز تحت الاِناء.‏
وهناك غيرها لا يسع مجالي الاَن ذكرها.‏

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 19:04
«حواريّة الـزَّواج»




نحن مدعوون ـ قال أبي ـ لحضور حفلة عقد قران في دار جارنا أبي علي، وعلينا ان نتهيّأ في حدود الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم الجمعة القادم لنشارك جارنا العزيز أفراحه بهذه المناسبة السّعيدة. ‏‏
‏ عقد قران مَن؟
ــ عقد قران ابنه علي.
‏‏ ولكن عليّاً لا زال بعد في مقتبل شبابه فهو الاَن في العشرين من عمره ولم يحن بعد وقت زواجه!.
ــ في العشرين من عمره، وتقول لم يحن بعد وقت زواجه! اِنّه الاَن في عنفوان الشباب وفي اوج تفتّح قواه الجسديّة والعقليّة بما في ذلك طاقاته الجنسية.
أضاف أبي:
ولما كان ضغط الجنس فاعلاً ومحرّكاً في عمر كهذا، اذن يحسن بالشاب أن يتزوج في سن مبكرّة ليعصم نفسه من الوقوع في هاوية فعل محرّم، فالنفس أمّارة بالسّوء كما تقول الاَية الكريمة: (وما اُبَرىَُ نَفْسي اِنَّ النَفسَ لاَمّارَةٌ بالسّوءِ اِلاّ ما رَحمَ رَبّي اِنَّ رَبّي غَفورٌ رَحيم).
ــ وما أن سمعت بضغط الجنس حتى خجلت، ففي سنٍّ مثل سنّي يخجل أحدنا أن يتحدّث أو يسمع شيئاً عن الجنس رغم شوقه وحاجته لاَن يتحدَّث أو يسمع شيئاً ما عنه.
واِذ لاحظ أبي اِمارات الخجل بادية على وجهي سألني:
ــ أخجلت؟
نعم، فالحديث عن الجنس مُخجل.
ــ وعن ضغط الغريزة الجنسيّة مخجل هو الاَخر. أليس كذلك؟
نعم.
ــ ولكنها حاجة بايولوجية ـ حياتية ـ يشعر بها كل انسان سويٍّ مكتمل.. اِنها كالطعام والشراب وغيرهما من حاجات الجسد الاُخرى.
فكما أنّك تحت ضغط الحاجة الى الطعام تأكل.. وأنّك تحت ضغط الحاجة الى شرب الماء تشرب. فانّك تحت ضغط الحاجة الى الجنس تتزوّج.
ولكن عليّاً لا زال شابّاً؟
ــ أحياناً يجب الزواج على الاِنسان.
تقول أحياناً يجب الزواج.. تقصد يجب شرعاً؟
ــ نعم يجب الزواج شرعاً، اذا كان الاِنسان لا يستطيع تحت ضغط الحاجة أن يمنع نفسه من الوقوع في فعل محرم بسبب عدم زواجه.
ــ اذاً كان عليٌّ شجاعاً حين اتّخذ قراره بالتزويج وهو بعد في مقتبل عمره؟
ــ شجاعاً. نعم، وجريئاً ومبدئيّاً.. فمذ أحس بضغط الحاجة الجنسيّة ورأى انثيال المغريات أمامه أنّى توجه أو تلفَّت أو سار، أدرك بوعي الملتزم ومبدئيّته أن ثباته أصبح عرضةً للاِهتزاز وربّما السقوط.
فها هي ذي نفسه تلحُّ عليه وتجاذبه وتراوده، وها هو ذا يضعف أمامها ويتردّد وينهار.
وفي ظل ظرفٍ ضاغط كهذا ومقلق ومحرّض ومستفز وحرج اَثر عليٌّ أن يفاتح أباه برغبته في الزواج ليحرز نصف دينه عملاً بمنطوق قول النبي الاَكرم محمّد صلى الله عليه وآله: «مَن تزوّج فقد أحرز نصف دينه فليتّق الله في النصف الاَخر».
قال ذلك أبي وأضاف معقِّباً:
الزواج عمل محبوب لله عزّ وجل، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (وَمِنْ اَياتِهِ أن خَلَقَ لَكُم مِنْ أنفُسِكُم أزواجاً لِتَسكنوا اِليْها وَجَعَلَ بَيْنكُم مَوَدّةٌ وَرحمَة). وقال تعالى في موضع اَخر من كتابه الكريم: (هو الذي خَلَقَكم مِنْ نفسٍ واحِدَةٍ وَجعلَ مِنْها زَوْجَها ليسكنَ اِليها).
وروى الاِمام الباقر عليه السلام عن جدِّه رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: «ما بُني بناء في الاِسلام أحبُّ الى الله عزّ وجل من التزويج» وقال صلى الله عليه وآله: «تَزوّجوا وزوِّجوا».
ونقلت لنا كتب الحديث عن الاِمام علي بن ابي طالب عليه السلام انّه قال: «تزوّجوا فاِن التزويج سُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله فانّه كان يقول: من كان يحب أن يتبع سنّتي فاِن سنّتي التزويج».
وعن الاِمام أبي عبدالله عليه السلام انّه قال: «من أخلاق الاَنبياء حبُّ النساء» وعنه عليه السلام: «ركعتان يصليهما المتزوّج افضل من سبعين ركعة يصليها أعزب».
وحكي انّه روى عن أبيه الاِمام الباقر عليه السلام انّه قال: «ما اُحبَ أن لي الدنيا وما فيها وأنّي بت ليلة وليست لي زوجة».
وروي عن الاِمام الكاظم عليه السلام انّه قال: «ثلاثة يستظّلون بظلّ عرش الله يوم القيامة يوم لا ظل اِلاّ ظله: رجل زوّج أخاه المسلم، أو أخدمه، أو كتم له سرّاً».
وهناك غير هذه الاَحاديث ما يشير الى اِستحباب الزواج وكراهيّة العزوبيّة للرجل والمرأة.
تقول للرجل والمرأة؟! المرأة!!!
ــ نعم كراهيّة العزوبة للرجل المرأة معاً، فهناك من الاَحاديث ما يدعو المرأة الى الزواج ويحثُّ عليه..
فقد روي عن الاِمام أبي عبدالله عليه السلام انّه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وآله النساء أن يتبتَّلن ويعطِّلن أنفسهن من الاَزواج».
بل اكثر من ذلك فهناك من الاَحاديث ما يدعو الى تعجيل زواج البنت وعدم تأخيرها، فقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله قوله: «من بركة المرأة سرعة تزويجها».
التبكير بالزواج حسن. هذا جيد، ولكن تكاليف الزواج باهضة يا أبي، فمن أين يأتي الشاب بكل هذه الاَموال ليتزوّج والزواج يريد ويريد.
الاِسلام يدعو الى تخفيف مؤنة التزويج وتقليل تكاليفه.
تقليل تكاليف الزواج؟
ــ نعم يدعو الاِسلام الى تقليل تكاليف الزواج.
والمهور الغالية تلك التي يشكو منها الكثيرون؟
ــ يستحب تقليل المهر ويكره تكثيره.
ماذا تقول؟! أيكره تكثير المهر؟!
ــ نعم يكره تكثير المهر ويستحب تقليله فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله انّه قال: «أفضل نساء اُمّتي اصبحهنَّ وجهاً وأقلّهن مهراً».
وروي عن الاِمام الباقر عليه السلام انّه قال: « تذاكروا الشؤم عند أبي فقال: فأمّا شؤم المرأة فكثرة مهرها وعقم رحمها».
وقد ورد في الاحاديث الشريفة كذلك: «من بركة المرأة قلّة مهرها، ومن شؤمها كثرة مهرها».
قال ذلك أبي ثمّ أطرق قليلاً كمن تذكّر شيئاً ذا بال وأضاف معزّزاً حديثه قائلاً:
زوَّج رسول الله صلى الله عليه وآله ابنته الصّدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام وهي سيدة نساء العالمين زوَّجها من امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام على مهر قليل.. على «درع حطيمية».
قال الاِمام الصادق عليه السلام: «زوّج رسول الله صلى الله عليه وآله عليّاً عليه السلام على درع حطيمية».
ووصف الاِمام ابو جعفر عليه السلام فيما روي عنه فراش الصّدّيقة فاطمة الزهراء عليها السلام فقال: «كان فراش فاطمة اِهاب كبش يلقيانه ويفرشانه وينامان عليه».
قلت لاَبي:
ومشكلة عدم وجود مورد مادّي مضمون عند الشاب ليقوِّم اُسرة بعد زواجه. أو فلنقل خوف الحاجة بعد الزّواج؟ خوف الفقر؟ خوف أن لا يجد ما يقوِّم مصرف اُسرة؟
قال أبي: يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (وَأنْكحوا الاَيامى مِنكُم والصالحين من عبادِكُم واِمائِكم اِن يكونوا فقراءَ يُغْنِهم الله مِن فَضلِهِ والله واسعٌ عليم).
ويعقب الاِمام الصادق عليه السلام على هذه الاَية فيما روي عنه فيقول: «مَن ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء الظن بالله، يقول سبحانه (اِن يكونا فُقَراءَ يُغنِهم الله مِن فَضلِهِ).
قلتُ: هناك مشكلة يطرحها بعض الوجهاء والاَثرياء وذوي المكانة المرموقة في المجتمع.
ملخصها: أنّه لا يزوّج ابنته اِلاّ لرجل يراه هو بحساباته الخاصة لائقاً بها وحين لا يقدم من يعتبره هو مناسباً لها ـ رغم كثرة من يتقدّم لخطبتها ـ تبقى البنت بلا زواج.
ــ قال أبي: دعني انقل لك نظرة الاِسلام للزوج اللائق المناسب من خلال رسالة وردت للاِمام الباقر عليه السلام وجواب الاِمام عليها فقد روي انّه كتب علي بن اسباط الى الاِمام الباقر عليه السلام في أمر بناته وأنّه لا يجد أحداً مثله فكتب اليه الاِمام عليه السلام مجيباً:
«فهمت ما ذكرت في امر بناتك وانّك لا تجد أحداً مثلك فلا تنظر في ذلك رحمك الله.
فاِن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اذا جاءكم من ترضون خُلقه ودينه فزوّجوه اِلاّ تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير».
تركني أبي عند هذه النقطة غارقاً في تأمّلاتي، ومستعرضاً بنقد جارح عادات وتقاليد اجتماعية ضارّة نشأت خلال تراكمات زمنيّة سيّئة، فترسّخت ضاربة أطنابها في مجتمعاتنا.
فالاِسلام يدعو الى تخفيف تكاليف الزواج، والتقاليد تخالفه.
والاِسلام يدعو الى تقليل المهور، والتقاليد تخالفه.
والاِسلام يقول: تزوّجوا ولا تخشوا الفقر، ونحن نخالفه.
والاِسلام يضع في اعتباره الخُلق والدين مقياساً للزوج اللائق المناسب، والمجتمع يضع مقاييس اُخرى، ربّما في مقدمتها الثروة والوجاهة والطبقة الاجماعية.
وما أن قاربت الساعة الخامسة حتى توجّهنا أنا وأبي الى حيث بيت جارنا أبي علي وحفلة العقد.
وسأصف لكم حفلة عقد قران علي كما شاهدتها.
صالة الاستقبال مكتظة بالمدعوّين المهنّئين، الملابس الاَنيقة المترفة تملاَ عينيك أنى تلفَّت. فرح مكتوم يكحل أعين الجالسين، الاَضواء ترفرف في سماء الصالة المشعة بالبياض، المزدانة بالنور، بينما راحت باقات من ورد أبيض، واُخرى من ورد بنفسجي تتفتح توّاً أو تكاد، تتمايل مثقلة بحملها أو متثاقلة فتضفي على جو الصّالة نكهة براءة ذات سحر سرّي غامض.
العريس علي يجلس في صدر الصالة، قرب باب داخلي مغلق، ويجلس الى جواره سيد مهيب الطلعة، تبدو عليه سيماء الصلاح والوقار والطيبة، ويطغى على تقاطيع وجهه بهاء رزين.
الصالة الفخمة ضاجة بالصمت، بينما راح السيد المهيب الوقور يقرع جدار الصمت بصوته القوي الرصين، وهو يخاطب العروس من وراء الباب المغلق، بعد أن قرأ بعض الاَيات القراَنية الكريمة والاَحاديث الشريفة قائلاً: أترضين يا فاطمة، بأن أكون وكيلك، على أن ازوّجك من الشاب علي بن محمد بمهر قدره «500» درهم نقداً، فاِن رضيت بذلك فقولي أنت وكيلي.
فأجابت العروس بصوت خفيض، حيي لا يكاد يُسمع، قائلة: أنت وكيلي.
وما أن قالت جملة «أنت وكيلي» وقبل السيد وكالتها حتى علت «الهلاهل» ـ الزغاريد ـ وسط الدار، كأجراس متّصلة، تتقاطع أحياناً، وتنفرد احياناً اخرى.
وعلت الابتسامة الوجوه، وتوجّه ذلك السيد الرزين الوقور صوب الشاب علي قائلاً له: زوّجتك موكّلتي فاطمة بنت أحمد على مهر قدره «خمسمائة» درهم نقداً فأجاب العريس علي مباشرة من دون فصل: قلت التزويج.
ولماذا هذا المهر القليل يا أبتي؟
ــ انّه مهر السّنّة وقد سن النبي صلى الله عليه وآله مهور المؤمنات من اُمّته خمسمائة درهم من الفضة في ذلك الوقت وهو زهيد كما ترى.
قلت لاَبي: وهل يحق للعروس فاطمة أن تزوِّج نفسها من دون توسّط هذا «السيد العاقد».
قال: نعم يحق للزوجين اجراء العقد بنفسيهما دون توسّط أحد، ويحق لاَحدهما أو كليهما توكيل من ينوب عنهما في اجراء العقد ويرجّح أن يتطابق الايجاب والقبول.
كيف؟
ــ اذا قالت الزوجة مثلاً: «زوَّجتك نفسي»، يقول الزوج مباشرةً من دون فصل «قبلت التزويج» ولا يقول «قبلت النكاح».
هذا اذا كان الزواج زواجاً دائميّاً.
وهل هناك زواج غير دائم؟
ــ نعم هناك زواج مؤقّت تتعين فيه المدّة والمهر، وتتحدّد المدّة بيوم مثلاً أو شهر أو سنة أو ما شاكل ذلك مما لا يزيد على عمر احدهما عادة ويحقّ للزوجين فيه تماماً ـ كما في الزواج الدائم ـ مباشرة العقد بنفسيهما أو توكيل من ينوب عنهما فيه، فلو باشر الزوجان العقد غير الدائم بنفسيهما فقالت المرأة للرجل مثلاً: «زوّجتك نفسي مدّة سنة بمائة دينار» قال الرجل مباشرة من دون فصل «قبلت التزويج» صحّ العقد.
واذا تمّ ذلك؟
ــ اذا تم ذلك، فستصبح المرأة زوجة، تحل لزوجها مدّة العقد، من دون توارث بينهما، ولا يجب على الزوج الاِنفاق عليها، ولا المبيت عندها.
فاذا انتهت المدّة المتّفق عليها، حرمت عليه، بينما تحل المرأة في العقد الدائم لزوجها مدى الحياة ما لم يطلِّقها.
هذا ولعقد الزواج شروط:
وما هي؟
ــ انّها، قال أبي:
1ـ الايجاب والقبول اللفظيّان فلا يكفي تراضي الزوجين واتّفاقهما على الزواج، سواء في ذلك في الزواج الدائم وغير الدائم كما لا تكفي الكتابة من دون لفظ. وقد مرّت عليك صيغة العقد فيما مضى.
2ـ قصد الاِنشاء في اجراء الصيغة. بمعنى أن يقصد الزوجان أو وكيلاهما تحقق الزواج، فتقصد الزوجة بقولها: «زوجتك نفسي» صيرورتها زوجة له، كما أن الزوج يقصد بقوله: «قبلت التزويج»، قبول زوجيّتها له وهكذا الوكيلان عن الزّوجين.
3ـ رضا الزّوجين واقعاً. فالمهم هو الموافقة القلبية من الزوج ومن الزوجة على الزواج.
أحياناً ترضى الزوجة وتتظاهر بعدم الرضا حياءً وخجلاً؟
ــ اذا حصل رضاها واقعاً فهو كافٍ، ولا يضرّ التظاهر بعدم الرّضا حينئذٍ والعكس بالعكس تماماً.
4ـ تعيين الزوج والزوجة بحيث يمتاز كل منهما عن الاَخرين، بالاسم أو بالوصف أوبالاشارة فلا يصح العقد اذا قال رجل لاَخر مثلاً: زوّجتك اِحدى بناتي ولم يحددها.
5 ـ [اجراء العقد باللغة العربيّة مع التمكّن منها].
وان لم يتمكّن منها؟
ــ يكفي غيرها من اللغات المفهمة للتزويج أو يوكِّل من يتمكّن منها فيجري الوكيل العقد باللغة العربية.
6 ـ [البلوغ] والعقل فيمن يجري العقد.
أضاف أبي:
اذا تمّت هذه الشروط صحّ العقد وحلّت الزّوجة على الزوج بعد العقد مباشرة.
مباشرة، حتى قبل أن يتمَّ الزفاف؟
ــ نعم، فبالعقد تحل الزوجة لزوجها.
ولكن قبل ذلك يجب أن تعلم أن صحة زواج المرأة البالغة الرشيدة البكر تتوقّف على اذن ابيها أو جدِّها لاَبيها [وان كانت مستقلّة في شؤون حياتها].
وغير البكر؟
ــ يحق لها أن تستقل في اتخاذ قرار زواجها بنفسها.
واذا تزوّج رجل امرأة على أنّها باكر، ثمّ ظهر له بعد الزواج أنّها ليست كذلك.
ــ يحق له فسخ العقد.
وان لم يفسخ؟
ــ عندئذٍ سينقص من قيمة مهرها بقدر نسبة التفاوت الحاصل بين مهر امرأة باكر واُخرى غيرها.
أيحق للرجل أن يتزوَّج أي امرأة يشاء؟
ــ نعم يحق له ذلك فيما عدا نساء يحرم عليه الزواج بهنّ.
ومن هذه النساء:
1 ـ اُمّه وجدّته وابيه.
2 ـ ابنته وبنات ابنه.
3 ـ اُخته وبناتها وبناتهنّ.
4 ـ بنات أخيه وبناتهن .
5 ـ عمّاته وخالاته .
6 ـ اُمّ زوجته وجدّاتها لاُمّها وأبيها ، وان لم يدخل بها .
7 ـ بنت زوجته المدخول بها .
8 ـ زوجة أبيه وجدّه .
9 ـ زوجة ابنه وحفيده .
10 ـ اُخت زوجته مادام متزوِّجاً اُختها ، حيث لا يجوز الجمع بين الاُختين .
ولو توفّيت زوجته مثلاً ، فهل يحق له أن يتزوّج اُختها؟
ــ نعم يحق له ذلك .
11 ـ اُمّه من الرضاعة وبنات مرضعته ولادة وغيرهنّ مما يحرمن عليه بالنسب حيث يحرم بالرضاع ما يحرم بالنّسب .
هذا ولا يجوز لاَبي الرضيع أن يتزوّج من بنات المرضعة النسبية [ ولا من بنات الرجل الذي شرب طفله من لبنه، السببيات منهنّ والرضاعيات ] علماً بأنّه ليس كل ارضاع يؤدّي الى تحريم بل لابدّ من توفّر شروط عدّة حتى يؤثر الرضاع اثره . من هذه الشروط :
أ ـ أن يكون الارتضاع من الثدي مباشرةً ، لا بالواسطة ، فلا أثر لحليب امرأة اِذا شربه الطفل بالرضّاعات الصناعية مثلاً .
ب ـ عدم تجاوز عمر الرضيع سنتين، فلو رضع أو اكمل الرضاع بعد ذلك فلا أثر له .
ج ـ بلوغ الرضاع حدّاً « ينبت لحم الرّضيع ويشدّ عظمه » ، ومع الشك في حصول هذا الاَثر يُكتفى (برضاع يوم وليلة ) أو (بخمس عشرة رضعة ) واما مع القطع بعدم حصول الاَثر ( انبات اللحم وشدّ العظم) عند هذين التقديرين الزماني والكمي فيراعى الاحتياط حينئذٍ .
ويلاحظ في التقدير الزماني ـ اي اليوم والليلة ـ ان يكون ما يرتضعه الطفل من المرضعة ، هو غذاؤه الوحيد طيلة تلك الفترة بحيث يرتضع منها متى احتاج . فلو مُنع في بعض المدّة أو تناول طعاماً اَخر أو لبناً من مرضعة اُخرى لم يؤثر [ ويُعتبر ان يكون المرتضع في اول المدّة جائعاً ليرتضع كاملاً ويكون في اَخرها مرتوياً].
ويعتبر في التقدير الكمي ـ خمس عشرة رضعة ـ توالي الرضعات ، بان لا يفصل بينها رضاع من امرأة اُخرى وان تكون كل واحد منها رضعة كاملة بان يكون الرضيع جائعاً فيرتضع حتى يرتوي.
وهناك احكام خاصّة بالرضاع فصّلتها كتب الفقه، فراجعها اِن شئت .
لو تزوّج رجل وفق الضوابط المقرّرة في الشريعة الغرّاء؟
ــ حلت له زوجته كما قلت لك ، ووجب عليها تبعاً لذلك أن تمكّن زوجها من نفسها متى شاء فلا يحقّ لها منعه من الاتّصال الجنسي بها اِلاّ لعذر شرعي، كما يحرم على الزّوجة الدائمة أن تخرج من بيتها اِلاّ باِذن زوجها .
ومن الناحية الاُخرى يجب على الزّوج أن ينفق على زوجته الدائمة من الغذاء والمسكن والملبس ما يؤمّن لها المعيشة المناسبة لها بالقياس اليه.
كما لا يحقّ له ترك الاِتّصال الجنسي بها اكثر من أربعة أشهر اِن كانت شابّة اِلاّ برضاها، أو وجود عذر مسوغ له كالضرر والحرج.
واذا لم يبذل الزوج لزوجته نفقتها المستحقّة لها؟
ثبتت لنفقة ديناً في ذمّته، فاذا امتنع عن بذلها مع مطالبتها جاز لها أخذها من ماله دون اِذنه.
هذا وساُضيف فاُعدد لك بعض الاَحكام الهامّة على شكل نقاط محدّدة.
1 ـ يحرم النظر واللمس بتلذّذ جنسي من الرجل للمرأة، بل حتى للطفلة الصغيرة، ومن المرأة للرجل، بل حتى الطفل الصغير، باِستثناء الزوجة والزوج طبعاً، ومن الرجل للرجل حتى للصبي الصغير، ومن المرأة للمرأة حتى للصبيّة الصغيرة.
2 ـ يحرم النظر الى عورة شخص اَخر ذكراً كان أم اُنثى [وان كان صبيّاً مميّزا] عدا الزوج والزوجة طبعاً.
3 ـ يحرم على الرجل النظر الى بدن المرأة الاجنبية وشعرها ما عدا الوجه والكفّين من بدنها فانّه يجوز له النظر اليهما من غير تلذّذ جنسي، كما يحرم على المرأة النظر الى بدن الرجل الاجنبي في غير ما جرت السيرة على عدم الاِلتزام بستره كالرأس واليدين والقدمين فانّه يجوز نظرها الى هذه المواضع من بدنه بلا تلذّذ جنسي.
4 ـ يجوز للرجل النظر الى بدن مماثله من الرجال من دون تلذّذ جنسي، ويجوز للمرأة النظر الى بدن مماثلتها من النساء من دون تلذّذ جنسي، كما يجوز للرجل النظر الى بدن محارمه من النساء من دون تلذّذ جنسي، ويجوز للمرأة النظر الى بدن محارمها من الرجال من دون تلذّذ جنسي باِستثناء العورة من جميع ما ذكر طبعاً.
وعلى ذلك يجوز للرجل ان ينظر من دون تلذّذ جنسي الى بدن اُمّه واُخته وعمّته وخالته وبنت اخيه وبنت اُخته وجدّته.
وزوجة اخيه وبنت عمّه وبنت عمّته وبنت خاله وبنت خالته؟
ــ كلا.. كلا لا يجوز له النظر اليهنّ فانّهن اجنبيات عنه.
قال ذلك أبي وأضاف:
5 ـ يجب على المرأة ان تستر وتغطّي شعرها وجسدها عن كل من لا يجوز له النظر اليها من الرجال الاجانب [بل حتى عن الصبي المميّز اذا امكن ان يثير ذلك شهوته الجنسيّة] ويستثنى من ذلك الوجه والكفّان فانّه يجوز للمرأة ابدائها امام الرجال الاجانب اذا كانت لا تخاف الوقوع في الحرام ولم يكن الاِبداء بداعي ايقاع الرجل في النظر المحرّم واِلاّ حرم الاِبداء في الصورتين.
6 ـ يحق للرجل النظر من دون تلذّذ جنسي الى نساء الكفار والى النساء المتبرّجات المبتذلات اللاتي لا ينتهين عن كشف اجسادهن وشعورهن اذا نهين عن ذلك حيث لا ينفع معهن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
7 ـ اذا اراد الرجل الزّواج من امرأة معيّنة واختيارها شريكة لحياته جاز له النظر الى محاسنها كوجهها وشعرها ورقبتها وكفّيها ومعاصمها وساقيها من دون تلذّذ جنسي طبعاً.
قبل اجراء العقد! يجوز له أن ينظر اليها حتى قبل اجراء العقد؟!
ــ نعم يحق له النظر اليها والتحدُّث معها قبل اجراء العقد بل قبل ان يتقدّم بطلب يدها حتى يرى بنفسه جمالها ثم يقرِّر بعد ذلك التقدّم لخطبتها.
8 ـ يحق للطبيب النظر الى جسد المرأة، ولمسه اذا توقّفت معالجتها على اللّمس والنظر. هذا اذا اضطرّت المرأة الى العلاج من مرضها وكان الطبيب الرجل ارفق بعلاجها من الطبيبة، واِلاّ فلتراجع الطبيبة ولا يحقّ لها مراجعة الطبيب.
9 ـ يحق للرجل المسلم أن يتزوّج المرأة الكتابية أقصد المسيحيّة واليهوديّة زواجاً مؤقّتاً.
ولكنها ليست مسلمة ولا مؤمنة فهي لا تعتقد بجواز وحليّة الزواج المؤقّت؟
ــ مع ذلك يجوز الزواج بها زواجاً مؤقّتاً، حتى لو كان دافعها الى الزواج المؤقّت المال وحده.
10 ـ لا يجوز للرجل أن يتزوّج باَكثر من أربع نساء زواجاً دائميّاً. وله الحق في تطليق نسائه متى شاء.
بالمناسبة لم تحدِّثني عن الطلاق.
ــ ساُحدِّثك عنه في حواريّتنا القادمة اِن شاء الله فقد ضاق بنا الوقت الاَن.
حسناً فاِلى الحواريّة القادمة اِن شاء الله، الى حواريّة الطلاق.

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 19:05
«حواريّة الطلاق»




كنت اظنّ اول الاَمر أني وحدي أكره الطلاق.
غير أني ما اِن سمعت من أبي حديثه، حتى عرفت أنّي لست وحدي اكره الطلاق.
فهذا أبي مثلي يكرهه، وهؤلاء الناس مثلنا يكرهونه، أكثر من ذلك فقد قال لي أبي:
ان الله عزّ وجل يبغض الطلاق. وزاد، فنقل لي نصوصاً من الحديث الشريف تذكر ذلك.
فقد روى لي أبي عن الاِمام أبي عبدالله عليه السلام انّه قال:« ما من شيء أبغض الى الله عزّ وجل من الطلاق».
وروى لي عنه عليه السلام: «ما من شيء أبغض الى الله عزّ وجلّ من بيت يخرب في الاِسلام بالفرقة، يعني الطلاق».
وروى لي عن الحسن بن الفضل عنه عليه السلام الحديث الشريف التالي: «تزوّجوا ولا تطلقوا، فاِن الطلاق يهتزّ منه العرش».
وقد تعدّى بغض الطلاق في حديث شريف الى بغض الرجل الذي يكثر منه أي الرجل المطلاق، فقد قال الاِمام ابو عبدالله عليه السلام: «سمعت أبي يقول: اِن الله عزّ وجلّ يبغض كل مطلاق».
قلت: أنا لاَبي أكره الطلاق ولكن رغم ذلك يحسن بي أن اُحيط ببعض أحكامه.
قال : نعم هو كذلك، وأضاف مبتدئاً أحكام حواريّة الطلاق قائلاً :
يشترط في المطلِّق: البلوغ، والعقل، والاختيار، فلا يصحّ طلاق الصبي ولا طلاق المجنون ولا طلاق المجبر على الطلاق، نعم يحتمل صحة طلاق الصبي البالغ عشر سنين فلابد من رعاية الاحتياط فيه .
وأن يقصد المطلِّق الفراق حقيقة بصيغة الطلاق فلا يصح طلاق الهازل ، والساهي ، ومن لا يفهم معنى الطلاق .
وما هي صيغة الطلاق؟
ــ لا يقع الطلاق اِلاّ اذا اُنشئ بصيغة خاصّة، وبلغة عربيّة لمن يقدر عليها ، وبمحضر رجلين عادلين يسمعان اِنشاء الطلاق .
يقول الزوج مثلاً : «زوجتي ـ ويذكر اسمها ـ طالق» أو يخاطب زوجته مثلاً قائلاً لها : « أنتِ طالق » أو يقول وكيل الزوج : « زوجة موكلي ـ ويذكر اسمها ـ طالق » عندئذٍ يقع الطلاق بين الزّوجين .
وهل يجب ذكر اسم الزّوجة في صيغة الطلاق؟
ــ كلا ، لا يجب ذكر اسمها اذا كانت معيّنة مشخّصة معروفة كما اذا لم يكن له غيرها .
قال أبي :
ولا يجوز الطلاق ما لم تكن المرأة المطلّقة طاهرة من الحيض والنفاس اِلاّ أن تكون الزوجة غير مدخول بها . او تكون مستبينة الحمل، وفي بعض حالات غياب الزوج، كما لا يجوز للزوج طلاق زوجته في طهر جامعها فيه، بل على الرجل الاِنتظار حتى تحيض زوجته ثم تطهر من حيضها ثم يطلق بعد طهرها من الحيض.
هذا ولا تطلق الزوجة في «الزواج المؤقّت» بل يتحقّق الفراق بانقضاء المدّة المتّفق عليها معها، أو يبذل المدّة المتبقّية لها كأن يقول الرجل لزوجته مثلاً: «وهبتك المدّة الباقية» فتنتهي بذلك العلاقة بينهما.
ولا يعتبر في صحّة بذل المدّة في الزواج المؤقّت وجود شهود، ولا يشترط فيه طهارة المرأة من حيض ولا نفاس.
أضاف أبي قائلاً:
اذا طلق الرجل امرأته التي دخل بها بعد اِكمالها التِّسع وقبل بلوغها سن اليأس وجب عليها أن تعتدّ ابتداء من تاريخ وقوع الطلاق لا تاريخ علمها به.
وعدّة الطلاق لغير الحامل ثلاثة أطهار، ويحسب الطهر الفاصل بين الطلاق وحيضها طهراً واحداً مهما كان قليلاً.
معنى هذا، اِن عدّتها تنتهي بعد رؤيتها الدّم الثالث؟
ــ نعم، بعد رؤيتها دم الحيض الثالث.
وعدّة المطلّقة الحامل؟
ــ عدّة المطلّقة الحامل مدّة حملها، وهي تنقضي بوضع الحمل، تامّاً كان ذلك الحمل أو سقطاً.
ولو وضعت بعد الطلاق بيوم، فهل تنتهي بالولادة عدّتها؟
ــ نعم، حتى لو كانت ولادتها بعد الطلاق بساعة لا بيوم، شريطة ان يكون الولد ملحقاً بذي العدّة فلا يكون ولد زناً مثلاً.
وهل على المتزوّجة زواجاً مؤقتاً عدّة بعد افتراقها عن زوجها؟
ــ اذا كانت بالغة، مدخولاً بها، غير يائس، ولا حامل، فعدّتها [حيضتان] كاملتان لمن كانت تحيض، وخمسة واربعون يوماً لمن لا تحيض لمرضٍ ونحوه.
قال ذلك أبي وأضاف:
أمر الطلاق بيد الزّوج وهو قسمان بائن ورجعي.
الطلاق البائن: ما ليس للزّوج بعده الرّجوع الى الزّوجة اِلاّ بعقد جديد، كطلاق الزّوجة قبل الدخول بها.
الطلاق الرّجعي: ما كان للزوج الحق في اِرجاع زوجته المطلّقة اليه مادامت في العدّة، من دون عقدٍ جديد، ولا مهر جديد.
ومن اقسام الطلاق البائن ما يسمّي بــ«الطلاق الخلعي» ويقصد به الطلاق بفدية من الزّوجة الكارهة لزوجها الى حدّ يحملها على تهديد زوجها بعدم رعاية حقوق الزّوجية، وعدم اقامة حدود الله فيه، ولكن من دون أن يكرهها هو. فاذا قالت الزّوجة لزوجها:
« بذلت لك مهري على أن تخلعني » وقال الزّوج بعد ذلك بلغة عربيّة صحيحة وبحضور شاهدين عدلين « زوجتي ـ ويذكر اسمها ـ خالعتها على ما بذلت » او يقول « فلانة طالق على كذا » فاذا قال ذلك فقد طلّقها طلاقاً خلعياً .
وهل يجب ذكر اسم الزوجة هنا؟
ــ اذا كانت معيّنة لا يجب ذكر اسمها .
وهل يجوز أن يكون المال المبذول للزوج غير المهر حتى يخلع زوجته؟
ــ نعم يجوز ذلك .
وهل يحق للزوجة والزوج أن يوكلا من يقوم مقامهما في بذل المهر ( أو غيره ) في الطلاق الخلعي .
ــ نعم يحقّ لهما ذلك .
أحياناً يغيب الزّوج ولا يظهر له أثر، ولم يعلم موته ولا حياته؟
ــ يحق للزوجة في حالة كهذه أن ترفع أمرها الى الحاكم الشرعي فيأمر بالفحص عنه اربع سنوات، فاذا لم يظهر له أثر ولم يكن للزّوج المفقود مال ينفق منه على زوجته، ولم ينفق عليها وليّه من مال نفسه، أمره الحاكم الشرعي بطلاقها فان امتنع ولم يمكن اجباره او لم يكن له ولي طلقها الحاكم بعد طلبها الطلاق منه.
اذا حكم على الزوج بالسجن مؤبّداً وهو لا يقدر على الانفاق على زوجته، ويمتنع عن الطلاق؟
ــ يجوز للزوجة في مثل هذه الحالة ان ترفع امرها الى الحاكم الشرعي، فيتّصل بالزّوج يأمره بطلاقها، فاذا امتنع عنه وتعذر اجباره عليه طلّقها الحاكم الشرعي بطلبها ذلك منه .

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 19:06
حواريّة
النّذر والعهد واليمين



في طريق عودتي الى البيت سمعت الحوار التالي بين والدة وولدها:
الوالدة: لقد نذرت لله عزّ وجلّ أن أذبح خروفاً اِن شُفي أخوك الصغير من مرضه، وهاهو ذا شفي والحمد لله، فوجب عليّ أن أفي بالنّذر.
الولد: ألم أقل لك دائماً يا اُمّي: اِنّك تفضّلين أخي الصغير عليَّ.
الوالدة: ولِمَ ذاك.. ألم يكن مرض اخيك خطيراً.. ألم يفقد وعيه، فلم يعد يسمع ويرى.. ألم يقل الطبيب عنه لولا عناية الله به لما شفي.. ألم .. ألم.. أنسيت حالته، أليس من الواجب أن اشكر الله على شفائه، فأذبح خروفاً لله عزّ وجلّ حمداً له على نعمته؟!
أوَ يعني أني حين أنذر لله عزّ وجلّ راجية وطالبة شفاء أخيك من مرض خطير ألمَّ به، أني افضلّه عليك.. ألم نعقَّ عنك عقيقة.. خروفاً سميناً في اليوم السابع بعد ولادتك.. ألم نُضح عنك أضحية؟
عقيقة.. أضحية؟!
ما العقيقة؟.. وما الاَضحية؟
ــ العقيقة يا بني ـ قال أبي ـ أن يُذبح عن المولود ذكراً كان أو اُنثى في اليوم السابع من ولادته خروف أو بقرة مثلاً.. روي عن الاِمام الصادق عليه السلام: «يسمّى الصبي في اليوم السابع، ويُعَقَّ عنه، ويحلق رأسه، ويتصدّق بزنة الشعر فضة، وترسل الرجل والفخذ للقابلة التي عاونت الاُم في وضع الحمل، ويطعم الناس بالباقي منها، ويتصدّق به». ويكره للاَب أو أحد عياله ولاسيّما الاُم أن يأكل من عقيقة صبيّه.
والعقيقة سنّة مؤكّدة لمن يقدر عليها، روى عن الاِمام الباقر عليه السلام انّه قال: «ان رسول الله صلى الله عليه وآله أذَّن في اُذن الحسنين (صلوات الله عليهما) يوم ولادتهما وعقّ عنهما، في اليوم السابع».
ومن لم يعقّ عنه أبوه جاز له ان يعقَّ هو عن نفسه بعد ذلك عندما يكبر، فقد سأل عمر بن يزيد الاِمام الصادق عليه السلام قائلاً: «انّي والله ما أدري كان أبي عقَّ عني أم لا. فأمره عليه السلام بالعقيقة، فعقَّ عن نفسه وهو شيخ».
هذه العقيقة. ولكن ما هي الاَضحية؟
ــ الاَضحية ـ قال أبي ـ أن يذبح الاِنسان ـ اِن تمكن ـ خروفاً مثلاً، ويا حبَّذا لو كان سميناً يوم العيد ـ عيد الاَضحى ـ وهي سُنَّة مؤكّدة كذلك، ويجوز التبرّع بالاَضحية عن الحيّ والميّت على السّواء بما في ذلك عن الصبي الصغير. فقد ضحّي رسول الله صلى الله عليه وآله عن نسائه، وضحّى عمّن لم يضح من أهل بيته، وضحّى عمّن لم يضح من اُمّته، كما كان يضحّى أمير المؤمنين عليه السلام كل سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله.
وهل وفاء تلك الاُم بنذرها واجب عليها أو هو كالعقيقة والاَضحية غير واجب بل مستحبّ مؤكّد؟
ــ دعني أقل لك أوّلاً ما هو النّذر.
النّذر: أن تلتزم بفعل شيء معيّن، أو ترك شيء معيّن لله تعالى.. أيّ شيء كان.
ولكن ليس دائماً يجب الوفاء بالنّذر، واِنّما بشروط لو تحقّقت وجب الوفاء به.
وما هي الشروط التّي لو تحقّقت يجب الوفاء بالنّذر؟
ــ الشروط هي:
1 ـ أن ينشأ النّذر بصيغة تشتمل على قوله «لله» أو ما يشابهها من أسمائه المختصّة به جلّ وعلا، فلو قال الناذر الصيغة المعيّنة التالية: «لله عليَّ.. كذا» انعقد نذره كأن يقول مثلاً: «لله عليَّ أن أذبح خروفاً وأتصدَّق بلحمه على الفقراء اِن شُفي ولدي».
أو يقول: «لله عليَّ أن أدع وأترك التعرَّض لجاري بسوء»، أو غير ذلك، سواء أدّاها باللغة العربيّة أم بغيرها من اللغات.
ولو لم يقل الناذر «لله عليَّ» ولا قال «للرّحمن عليَّ» ولا أشباهها، كما تنذر اليوم غالبية الناس؟
ــ لا يجب عليه الوفاء بالنّذر حينئذٍ.
2 ـ أن يكون الشيء المنذور حسناً راجحاً شرعاً حين العمل.
واذا كان الشيء المنذور غير راجح وغير حسن، بل كان مكروهاً أو مضرّاً أو مباحاً.
ــ لا يصحّ النّذر في الاَوّلين، أمّا المباح فاِن قصد به معنىً راجحاً كما لو نذر شرب الماء قاصداً به أن يتقوّى به على العبادة انعقد نذره، واِلاّ لم ينعقد.
3 ـ يشترط في الشخص الناذر البلوغ، والعقل، والاِختيار، والقصد، وعدم الحجر عمّا تعلق به نذره.
4 ـ أن يكون الشيء المنذور مقدوراً أو مستطاعاً للنّاذر.
ولو نذر انسان شيئاً لا يقدر عليه ولا يستطيع؟
ــ لا يصحّ النّذر.
واذا نذر الاِنسان وفق الشروط مارّة الذكر؟
ــ وجب عليه الوفاء بنذره والاِلتزام بما نذر، سواء أكان فعل شيء لله عزّ وجلّ، أم تركه، في زمن محدّد، أم طيلة حياته، صلاة كان ذلك الشيء، أم صوماً، أم صدقة، أم زيارة، أم حجّاً، أم تبرّعاً بشيء، أم ترك شيء، أم غير ذلك.
واذا خالف الاِنسان نذره عامداً.
ــ وجبت عليه الكفارة وهي: عتق رقبة، أو اِطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم.
واذا عجز عن ذلك لفقره مثلاً؟
يجب عليه صيام ثلاثة أيّام متواليات.
لو نذر الاِنسان مالاً لمشهدٍ من المشاهد المقدّسة؟
ــ ينفق ذلك المال على عمارته، أو اِنارته، أو فرشه، أو تدفئته، أو تبريده، أو ما شاكل ذلك من شؤون المشهد، اذا لم يقصد الناذر مصرفاً معيّناً من المذكورات أو غيرها.
ولو نذر لشخص صاحب المشهد كالنّبي صلى الله عليه وآله أو الاِمام عليه السلام أو لبعض أولادهما؟
ــ ينفق على زواره الفقراء مثلاً، أو على حرمه الشريف، ونحو ذلك.
اذا ظنّ الاِنسان ظنّاً قويّاً أنّه قد نذر نذراً معيّناً، فهل يجب عليه الوفاء به؟
ــ اذا اطمأن بأنّه نذر وجب عليه الوفاء بالنّذر واِلاّ فلا يجب عليه الوفاء به.
قال ذلك أبي وأضاف:
وقد يعاهد الاِنسان الله سبحانه وتعالى فيقول: «عاهدت الله أن أفعل..» أو يقول: «عليَّ عهد الله أنّه متى كان... فعليَّ...» فاذا قال ذلك وجب عليه الاِلتزام بما عاهد عليه.
معنى هذا أن العهد كالنذر، لا يصحّ بدون صيغة محدّدة؟
ــ نعم، كما أنّه لا يصحّ اِلاّ اذا كان ما عاهد الله عليه راجحاً ولو رجحاناً دنيويّاً شخصيّاً شريطة ان لا يكون مرجوحاً شرعاً. ويشترط في العهد ما يشترط في النذر وقد شرحت لك ذلك.
واذا خالف الاِنسان ما عاهد الله عليه؟
ــ وجبت عليه كفارة وهي عتق رقبة أو اِطعام ستّين مسكيناً أو صوم شهرين متتابعين.
قال ذلك أبي وأردف مضيفاً:
ويجب الوفاء باليمين كذلك، ولو خالفها عامداً وجبت عليه كفّارة وهي: عتق رقبة أو اِطعام عشرة مساكين أو كسوتهم. ومع العجز عن ذلك يصوم ثلاثة ايّام متواليات.
ويشترط في اليمين أو القسم اللفظ. وأن يكون القسم بالله تعالى، وأن يكون ما أقسم عليه مقدوراً ومستطاعاً حين الوفاء به، وراجحاً شرعاً ويكفي لو كان مباحاً اذا حلف أو أقسم على فعله لمصلحة دنيويّة ولو كانت شخصيّة ويشترط في الحالف التكليف والقصد والاختيار والعقل.
مثّل لي لليمين أو القسم التي يجب الوفاء بها؟
ــ اذا قال الاِنسان مثلاً: «والله لاَفعلنَّ»، أو قال: «بالله لاَفعلنَّ»، أو قال: «أقسم بالله»، أو قال: «اقسم بربِّ المصحف»، أو غير ذلك.
واذا قال الاِنسان مخاطباً شخصاً اَخر قائلاً له: «والله لتفعلنَّ»؟
ــ لا يتعلّق اليمين أو القسم بفعل الاِنسان الاَخر، ولا بالزمن الماضي، ولذلك فلا يترتب أي اثر على يمين كهذا.
كما لا ينعقد يمين أو قسم الولد اذا منعه أبوه، ويمين الزّوجة اذا منعها زوجها.
واذا أقسم الولد من دون اِذن أبيه والزّوجة من دون اِذن زوجها كان للاَب والزوج حلّ اليمين أو القسم.
قد يحلف أو يقسم الاِنسان على صدق كلامه وهو صادق بالفعل، أو يحلف على شيء معيّن وهو صادق في حلفه؟
ــ الاَيمان الصادقة ليست محرّمة ولكنّها مكروهة.
أما الاَيمان الكاذبة فهي محرّمة، بل قد تعتبر من المعاصي الكبيرة اِلاّ عند الضرورة.
وكيف ذلك؟
ــ اذا قصد الاِنسان أن يدفع بقسمه أو حلفه الظالم عن نفسه أو عن المؤمنين فهذا القسم جائز، بل ربّما يكون القسم الكاذب واجباً كما اذا هدَّد الظالم نفس المؤمن أو عرضه أو نفس مؤمنٍ اَخر أو عرضه، ولكن اذا اِلتفت الى امكان التورية، وكان عارفاً بها وهي متيسّرة له [فعليه أن يوري في كلامه].
ما تقصد بــ(يوري في كلامه).
التورية، ان يُقصَد بالكلام معنىً غير معناه الظاهر، من دون نصب قرينة موضّحة لقصده، فلو سألك ظالم عن مكان احد المؤمنين وكنت تخشاه عليه تجيبه (ما رأيته) وقد رأيته قبل ساعة وتقصد بذلك انّك لم تره منذ دقائق.
وبها انهى حوارية اليوم والحمد لله رب العالمين

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 19:06
«حواريّة الوصيّة»



استهلَّ أبي جلسة حواريّة الوصيّة بالحديث الشريف التالي:
قال الاِمام ابو جعفر عليه السلام: «الوصيّة حقّ وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله فينبغي للمسلم أن يوصي».
ولكن بعض النّاس يا أبي لا يوصون متصوّرين أن الوصيّة تعني قرب حلول الموت فيتشاءمون منها.
ــ الوصيّة مستحبّة، ويقال انّها على العكس من ذلك تطيل العمر، ثمَّ أن ترك الوصيّة مكروه وغير حسن.
وبعد ذلك كلّه «الموت حقٌّ» أليس كذلك؟
نعم، الموت حقّ، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (كُلُّ نَفْسٍ ذائقَةُ الموت) اَية أسمعها كثيراً تتردّد على شفاه الناس وأقرؤها على المقابر في الطريق.
ـ نعم الموت حقّ قلتها برهبة وخشوع وخوف.
ــ اذا كان كذلك فلماذا التهرّب من حقيقة واقعة لا محال؟
أليس من الاَجدار بنا أن نكون واقعيين، أو قل عمليين فنستعدّ لما هو اَت لا مناص منه، ولا مهرب عنه، أطال بنا العمر أو قصر، فيكون مصدر العظة والاعتبار؟
ولكني لا أعرف كيف يوصي الاِنسان؟
ــ يستحب لك أن تبدأ بالوصيّة التي علَّمها رسول الله صلى الله عليه وآله للاِمام على عليه السلام وللمسلمين.
وما هي؟
ــ نهض أبي لمكتبته وعاد ومعه كتاب عزيز عليه يسمّيه «الوسائل» فقرأ عليَّ منه نص الوصيّة التي علّمها رسول الله صلى الله عليه وآله للاِمام على عليه السلام والمسلمين.
وهأنذا أنقل اليكم ما قرأه وكتبته بالحرف الواحد:
«اللّهمَّ فاطر السموات والاَرض عالم الغيب والشهادة الرّحمن الرّحيم اللّهمَّ اِنّي أعهد اليك في دار الدّنيا أني أشهد ألاّ اِله اِلاّ أنت وحدك لا شريك لك وان محمداً عبدك ورسولك وان الجنّة حقّ والنار حقّ وأن البعث حقّ والحساب حقّ والقدر والميزان حقّ وان الدين كما وصفت والاِسلام كما شرعت وأن القول كما حدثت وأن القراَن كما وصفت وانّك انت الله الحقُّ المبين جزى الله محمداً خير الجزاء وحيّا محمداً واَل محمداً بالسلام.
اللّهم يا عدّتي عند كربتي وصاحبي عند شدّتي ويا وليّ نعمتي. اِلهي واِله اَبائي لا تَكِلْني الى نفسي طرفة عينٍ أبداً فانّك اِن تَكِلْني الى نفسي أقرب من الشر وابعد من الخير، فاَنس في القبر وحشتي واجعل لي عهداً يوم ألقاك منشوراً».
ثم يوصي الاِنسان بحاجته، أيّ حاجةٍ يشاء.
وبماذا يوصي؟
ــ يوصي بالمحافظة على أولاده الصغار وعائلته مثلاً، يُوصي بصلة الرحم يوصي بتسديد ديونه واداء اماناته، يوصي بقضاء ما فاته من صلاة وصيام وحج، يوصي بدفع خمس اموال لم يخمّسها سابقاً أو زكاة استحقّت عليه ولم يخرجها، يوصي باطعام الفقراء بثوابه، يوصي بالقيام بأعمال خاصة له بعده، يوصي بالتصدّق عنه، يوصي... يوصي، يوصي بما يشاء.
قال أبي ذلك واردف:
ويشترط فيمن يوصي البلوغ، والعقل، والاختيار، والرشد فلا تصحّ وصيّه السفيه في امواله ولا الاِنسان المكره، ولا الصبي اِلاّ اذا بلغ عشراً وكانت وصيته في وجوه الخير والمعروف ولاَرحامه وأقربائه.
وأن لا يكون الموصي مقدماً على موته عامداً بتناول سمٍّ، أو احداث جرح عميق، أو ما شابه ذلك، مما يجعله عرضة للموت.
ففي هذه الحالة لا تصح وصيته في ماله وتصح في غيره من تجهيزه وما يتعلّق بشؤون القاصرين من اولاده مثلاً ونحو ذلك.
وأضاف أبي:
يسمّى الشخص الذي يختاره صاحب الوصيّة لتنفيذ وصيّته بــ «الوصي» وليس للوصي أن يفوِّض أمر الوصية الى غيره اعني ان يعزل نفسه عن الوصاية ويجعلها له.
وله أن يوكِّل من يثق به للقيام بشأن ما من شؤون الوصيّة، اذا لم يكن غرض صاحب الوصية مباشرة الوصي ذلك الاَمر بنفسه.
وهل يشترط في الوصيّة أن تكون مكتوبة؟
ــ كلاّ، يمكن للاِنسان أن يوصي باللفظ أو حتى بالاشارة المفهمة لما يريد.
كما يكفي وجود كتابة بخطِّه أو امضائه، يظهر منها ارادة العمل بها بعد موته. (أي بعنوان انّها وصيّته).
وهل يكتب الاِنسان وصيّته حال المرض فقط؟
ــ كلاّ، في الحالين معاً: حال المرض وحال تمتعه بالصحة والعافية والسلامة.
ويوصي بما يريد؟
ــ نعم، شرط أن لا يكون في معصية، كمعونة الظالم وغيرها.
وبالمبالغ أو المخلّفات التي يريد؟
يحق للاِنسان أن يوصي بما لا يزيد على ثلث ما تركه فقط من اموال أو غيرها.
واذا أوصى بما زاد على ثلثه؟
ــ بطلت وصيّته فيما زاد على الثلث اِلاّ اذا أجاز ذلك الورثة.
واذا اُريد تنفيذ الوصيّة؟
ــ تستثنى أوّلاً من مجموع ما خلَّفه الموصي الحقوق المالية التي بذمَّته كالمال الذي استدانه، وثمن الحاجات التي اشتراها ولم يسدّد ثمنها وغيرها. بما في ذلك الخمس، أو الزكاة، والمظالم التي بذمّته، والحج الواجب بالاصل، سواء أوصى بذلك أم لا يوصي.
هذا اذا لم يوصي باِخراجها من الثلث واِلاّ اخرجت منه.
ثم يقسّم ما خلَّفه ـ الباقي طبعاً ـ ثلاثاً أقسام:
ثلث منها لما أوصى به، وثلثان للورثة.
أحياناً يوصي الميت بدفع مبلغ معيّن الى شخص معيّن، أو بتمليك دار، أو عقار، أو قطعة أرض، الى شخص معيّن. أو قد يأمر بدفنه في مكان معيّن أو بتجهيزه وفق ضوابط خاصة، أو غير ذلك؟
يحق له كلّ ذلك ما لم يتجاوز الثلث بالنسبة الى الاموال.
قد يتلف شيء من مال الموصي بيد الوصي.
الوصي غير مسؤول عن تلف ما في يده اِلاّ مع التّعدي أو التفريط.
قال أبي ذلك وأضاف:ــ
اذا لم تظهر علامات الموت للاِنسان فالوصيّة مستحبّة، أمّا اذا ظهرت علامات الموت فتجب عليه حينئذٍ أشياء منها:
1 ـ وفاء ديونه التي حان وقت وفائها مع قدرته على الوفاء.
أما الديون التي لم يحن وقت وفائها، أو حلّ ولم يطالبه الديّان بها، أو لم يكن قادراً على وفائها، فتجب عليه الوصيّة بها والاِستشهاد عليها اذا لم تكن معلومة عند الناس.
2 ـ ارجاع الاَمانات الى أهلها، أو اِعلام أصحابها باَمانتهم عنده، أو الاِيصاء باِرجاعها.
3 ـ اداء الخمس والزكاة والمظالم فوراً، ان كان في رقبته شيء منها، وكان قادراً على الاَداء.
4 ـ الوصية باتخاذ أجير من ماله ليصلّي ويصوم نيابة عنه، ان كان في ذمّته شيء منها. بل لو لم يكن له مال واحتمل ان يقضيها عنه شخص متبرِّعاً وجبت الوصيّة حينذاك، وفي بعض الحالات قد يكفي الاِخبار عمّا فاته عن الوصيّة كما لو كان له من يطمئن بقضائه لما فات عنه كالولد الاَكبر.
5 ـ اِخبار الورثة بما له من مال عند غيره، أو مال في مكان خاص لا يعلمه غيره، لئلاّ يضيع حقّهم بعد وفاته.
قلت لي في بداية الحواريّة: اِن الوصيّة مستحبّة. فلو لم يوصّ الاِنسان؟
ــ سقط حقّه في التصرّف بثلث ما تركه كما يحبّ ويشاء، حيث تقسّم تركته وفق ضوابط خاصّة على ورثته.
وكيف تقسّم؟
ــ هذا ما سأتناوله في حواريّة الاِرث القادمة انشاء الله.

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 19:07
«حواريّة الاِرث»



قال أبي مبتدئأً حواريّة الاِرث:
يمكننا أن نقسّم طبقات الاَقرباء من زاوية الاِرث الى ثلاث طبقات.
الطبقة الاُولى: الاَبوان والاَولاد وأولاد الاَولاد وهكذا...
غير أن الولد للصلب اِن وجد منع الحفيد والسّبط من الاِرث.
وما الحفيد وما السبط يا أبتي؟
ــ الحفيد هو ابن الابن، والسبط هو ابن البنت.
الطبقة الثانية: الاخوة والاخوات، واِن لم يوجدوا فأولادهم، والاَجداد والجدات مهما تصاعدوا من قبل الاب والام واذا كان للاخ اولاد واولاد اولاد منع الولد الاقرب منهم الولد الابعد من الارث.
اضرب لي مثلاً على ما تقول:
ــ ابن الاَخ مثلاً اِن وجد، منع حفيد الاَخ من الميراث.
الطبقة الثالثة: الاَعمام والاَخوال والعمّات والخالات، واِن لم يوجد احد منهم فأبناؤهم.
ويرث الاَقرب منهم فالاَقرب، حيث لا يرث الاَبناء ـ ابناء العم أو الخال أو العمّة أو الخالة ـ مع وجود العم أو الخال أو العمّة أو الخالة اِلاّ في حالة واحدة نصّت عليها كتب الفقه.
ولماذا قسَّمت الاَقرباء الى طبقات هذه المرّة، ولم تقسّمهم، كما اعتدت في التقسيمات السابقة الى أقسام.
أقصد لماذا قلت نقسّم الاَقرباء الى طبقات، ولم تقل الى أقسام؟
ــ سؤالك وجيه، فهنا في الاِرث لا يرث القريب من الطبقة اللاحقة مادام هناك قريب من الطبقة السابقة، فهم متدرّجون طبقة بعد طبقة.
اذا لم يوجد للمتوفّى أقرباء من كل هذه الطبقات التي عدّدتها؟
ــ حينئذٍ سيرثه عمومة أبيه واُمّه وعماتهما وأخوالهما وخلاتهما وأبناؤهم.
ومع عدم وجودهم؟
ــ سيرث المتوفّى عمومة جدّه وجدَّته، وأخوالهما وعمّاتهما وخالاتهما وبعدهم أولادهم مهما تسلسلوا شرط صدق القرابة للميّت عرفاً، علماً بأن الاَقرب منهم مقدّم على الاَبعد.
ولم تذكر لي الزوج والزوجة في ايّ من الطبقات الثلاث مارّة الذكر؟
ــ اِنّهما يرثان وفق ضوابط خاصّة، ليسا بمعزل عن هذه الطبقات، بل مع جميعها يرثان.
سأسالك اِذن أوّلاً عن اِرث الطبقة الاُولى ، ثم انتقل الى الثانية ، فالثالثة .
ــ سل كما تشاء .
اذا لم يكن للمتوفّى قريب من الطبقة الاُولى اِلاّ أولاده فقط؟
ــ ورثوا ماله كلّه .
فاِن كان ابناً واحداً أو بنتاً واحدة؟
ــ ورث المال كلّه.
وان كانوا كلّهم ذكوراً فقط أو اناثاً فقط.
ــ تقاسموا المال بينهم بالسويّة.
أما اذا كانوا ذكوراً واِناثاً معاً.
ــ فـ (للذّكر مثل حظّ الاُنثيين) .
هل يطلق لفظ الولد على الذّكر والاُنثى معاً، أو على الذّكر وحده كما الشائع عندنا.
ــ يطلق عليهما، قال تعالى في كتابه الكريم (يوصيكُم الله في أولادِكُم للذَّكرِ مثلُ حَظّ الاُنثَيين).
لو فرضنا أن رجلاً مات وله ابن وبنت، فكيف يقسّم بينهم الاِرث؟
ــ يقسّم مال الميّت ثلاثة أسهم، للابن منه سهمان، وللبنت سهم واحد.
اذا لم يكن للميّت قريب من الطبقة الاُولى غير أبويه، وكان أحدهم حيّاً والاَخر ميّتاً؟
ــ ورث الحيّ الاِرث كلّه .
لو كان الاَب والاُمّ حيّين معاً ولم يكن للميّت اِخوة؟
ــ اخذ الاب ثلثي المال ، واخذت الاُمّ الثلث الباقي .
لو كان الاَب والاُمّ معاً حيّين وكانت للميت بنت واحدة ولم يكن له اخوة؟
ــ كان خمس المال للاَب وخمس اَخر للاُمّ وثلاثة اخماس للبنت .
واذا اجتمع للميّت أحد الاَبوين مع اولاد وبنات؟
ــ كان سدس المال للاَب أو للاُمّ ، ويُقسَّم الباقي بين الاولاد وفق قاعدة (للذّكر مثل حظّ الاُنثيين) .
دعنا ننتقل الى ارث الطبقة الثانية... أذكر أنَّك قلت لي أن الاخوة من الطبقة الثانية .
ــ هذا صحيح .
اذا كان للميّت اُخت واحدة أو أخ واحد؟
ــ للاَخ الواحد او الاُخت الواحدة المال كلّه .
واذا كان له اِخوة متعدّدون من أبيه واُمّه؟
ــ قُسِّـم المال بينهـم بالسويّـة اِن كانـوا ذكوراً فقط أو اناثـاً فقط أمّا اذا كان بعضهم ذكوراً والبعض الاَخر اِناثاً فـ (للذّكر مثـل حـظّ الاُنثييـن ) اِن كـانوا كلـهم اِخوة لاَبيه واُمّـه، أو كانـوا كلهـم لاَبيـه فقـط دون اُمّـه. أمّـا لـو كـانوا كلـهم اخـوة للاُمّ فقط فيقتسمون بالسويّة مهما كانوا.
طيّب، العم والعمّة من الطبقة الثالثة ـ أليس كذلك؟
ــ نعم، وكذلك الخال والخالة.
لو فرضنا أن شخصاً مات وليس له اِلاّ عمٌّ واحد أو عمّة واحدة.
ــ المال كلّه للعمّ أو العمّة.
اذا كان له أعمام متعدّدون، أو كان له عمّات متعدّدات؟
ــ قسّم المال بينهم جميعاً بالسويّة.
اذا اجتمع للميّت عمّ أو عمّة أو أكثر مع خالٍ أو خالة أو أكثر؟
ــ قسّم المال ثلاثة أسهم، سهمان للعمومة وسهم واحد للخؤولة.
واِرث الزوج والزوجة؟
ــ للزوجة حكم خاص في الاِرث، فبعض مخلَّفات الزوج لا ترث منها زوجته مطلقاً. لا في عين ما ترك الزوج وخلَّف ولا في ثمنه، كالاَراضي بصورة عامّة كأرض الدار وأرض المزرعة مثلاً وغيرهما، فكل أرض للزوج لا نصيب للزوجة فيها ولا في قيمتها وثمنها.
وبعض الاَموال، لا حقّ لها في نفس اعيانها، وانّما لها نصيبها من قيمتها، وذلك في الاشجار والزرع والاَبنية التي في الدور فان للزوجة سهمها في قيمة تلك الاَموال ـ يوم الدفع ـ بعد تقويمها بطريقة معروفة عند المقوّمين ولا يجوز لسائر الورثة التصرّف فيما ترث منه الزوجة حتى فيما لها نصيب من قيمته اِلاّ بعد اَستئذانها.
وغير الاَراضي والاَبنية والاَشجار والزروع ممّا ترك الزوج وخلَّف؟
ــ ترث منها الزوجة كما يرث سائر الورثة الاَخرون.
وهل يرث الزوج زوجته؟
ــ نعم، يرث الزوج من كلّ ما تركته الزوجة وخلّفته منقولاً وغير منقول أرضاً وأموالاً وأشجاراً وبناءً وغيرها.
اذا ماتت الزوجة، وزوجها حيّ، وليس لها ولد لا منه ولا من غيره؟
ــ للزوج نصف ما خلّفت الزوجة، والنِّصف الاَخر لباقي الورثة.
وان كان لها ولد؟
ــ للزوج الربع والباقي لسائر الورثة.
لو عكسنا السؤال... وقلنا: اذا مات الزوج وليس له ولد وزوجته حيّة. فكم نسبة ما ترثه من زوجها؟
ــ للزوجة الربع والباقي للورثة.
واِن كان له ولد منها أو من غيرها؟
ــ للزوجة الثمن والباقي للورثة.
ــ قال أبي: هناك مسائل اُخرى وفروض اُخرى في الاِرث أشبعتها بحثاً كتب الفقه فاذا رغبت المزيد فراجعها.
غير أني ساُشير لك في ختام لقائنا الى امور:
1 ـ يُعطي من تركة المتوفّى مجاناً للولد الاَكبر: قراَن المتوفّى، وخاتمه، وسيفه، وملابسه، سواء لبسها المتوفّى، أم أعدّها للبسه. ولو تعدّد القراَن أوالخاتم أو السيف [فعلى الولد الاَكبر أن يتصالح مع باقي الورثة. وهكذا بالنسبة الى الرحل ومثل البندقيّة والخنجر وما يشبهها من الاسلحة].
2 ـ القاتل لا يرث المقتول، اذا كان القتل عمداً ظلماً، امّا اذا كان القتل خطأً فيرثه ممّا خلفه.
3 ـ المسلم يرث الكافر، ولا يرث الكافر المسلم.

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 19:07
«حواريّة الوقف»




قلت لاَبي بعد ان جلس ـ مبتدئاً أنا هذه المرة حواريّة اليوم ـ قلت له:‏ وأنا اؤدي مراسم الزيارة لمراقد أئمّتي الاطهارعليهم السلام في النجف الاشرف وكربلاء المقدّسة وغيرها، اُشاهد أحياناً عبارة «وقف» مكتوبة على بعض المصاحف الكريمة الموضوعة داخل المرقد الطاهر أو على الثّريات، وأجهزة التبريد والمصابيح وغيرها.‏
كما اُشاهد عبارة الوقف هذه أحياناً اُخرى على بعض العمارات والبنايات والمحلاّت وعلى المراوح والمصابيح في المساجد والحسينيّات وربّما على بعض برّادات الماء في الشوارع العامة وغيرها.‏
ــ نعم، يحقّ للاِنسان ان يوقف الاَشياء التي ذكرتها وأمثالها وفق ضوابط خاصّة، فاذا تمَّ الوقف بشروطه الشرعيّة خرج الشيء الموقوف عن ملك من وقفه وأصبح مالاً لا يوهب ولا يورث ولا يباع اِلاّ في حالاتٍ خاصّة نصّت عليها كتب الفقه.‏
قال ذلك أبي وأضاف:‏
يكون الوقف تارة للموقوف عليه، كما اذا وقف شخص ملكاً له على اولاده او جيرانه أو أصدقائه أو غيرهم.‏
وتارة لا يكون كذلك، كما اذا وقف شخص ملكاً له ليكون مسجداً .‏
وقد يُعيّن الواقف شخصاً على الوقف يدبر شؤونه ويعمل بما قرّره الواقف من شروط، ويسمّى «بالمتولّي».‏
وهل للوقف صيغة محدّدة؟
ــ كلاّ ولا لغة معيّنة، فلو بنى شخص ما بناءً على طراز ما تبنى به المساجد بقصد كونه مسجداً كفى ذلك في صيرورته مسجداً .‏
قال أبي وسأذكر لك بعض ما يعتبر في الوقف : ـ
1 ـ الاستمرار والدوام، فلا يصح الوقف اذا حدَّده الواقف بوقتٍ معيَّن .‏
اضرب لي مثلاً على ما تقول .‏
ــ اذا وقف انسان داره على الفقراء مدّة سنة . فلا يصح وقفاً لاَنّه غير دائم ولا مستمر .‏
2 ـ أن لا يكون الموقوف عليه نفس الواقف ولو في ضمن اخرين .‏
مثلاً؟
ــ اذا وقف انسان أرضاً على نفسه مثلاً كي يدفن فيها حين حلول أجله وموته، لم يصح الوقف .‏
واذا وقف الاِنسان داره على شخص معيّن أو أشخاص معيّنين كأولاده أو أقربائه مثلاً؟
ــ صح الوقف بعد قبضهم . ذلك ان الاَوقاف الخاصّة لا تصح من دون قبض الموقوف عليه أو وكيله أو وليّه.‏
وكيف يتمّ قبضهم للدار مثلاً؟
ــ يكفي في القبض استيلاء الموقوف عليه او وكيله او وليه عليها.‏
أحياناً يكون المال الموقوف بيد الموقوف عليه.‏
ــ يكفي ذلك في قبضه، ولا حاجة الى قبض جديد.‏
والاَوقاف العامة من يقبضها؟
ــ لا يشترط في صحّة وقفها القبض.‏
قلت لي يشترط في الوقف الدوام والاِستمرار، فلا يحق للواقف أن يُحدِّد مدّة معيّنة يرجع باِنقضائها ملكه اليه.‏
ــ نعم، ويحق له اذا أراد عدم الدوام، أن «يحبِّس» ملكه ولا «يوقفه»... أن يحبس ملكه على جهة معيّنة أو شخص معيّن، مدّة يحدّدها وحينئذٍ لم يجز له الرجوع قبل انقضائها، حتّى اذا انتهت المدّة عاد كل شيء الى حالته الاولى.‏
قال ذلك أبي، ثم أطرق قليلاً وتنهّد كمن تذكّر شيئاً محزناً حين ذكر الحبس، قلت له لاَقطع عليه سلسلة افكار كئيبة تناهبته.‏
اِضرب لي مثلاً على ذلك.‏
اذا قال مالك سيارة نقل مثلاً: سيارتي حبيسة على نقل الحجاج الى بيت الله الحرام عشر سنين. حبسث سيارته على نقل الحجاج عشر سنين. فاذا انتهت المدّة المحدّدة، عادت سيارته الى وضعها السابق.‏
لو فرضنا أن هذا الشخص مات قبل اِنقضاء المدّة المحدّدة، فهل تعود سيارته الى ورثته يتقاسمونها كاِرث؟
ــ اذا مات الحابس بقي الشيء المحبوس على حبسه حتّى تنتهي المدّة، فاذا انتهت عاد الى ورثته ويحق لهم التصرّف فيه.‏
وهل يحق للاِنسان أن يحبس ملكه مدّة حياته على شخصٍ معين؟
ــ نعم ـ يحق له ذلك، ولا يجوز له الرجوع مادام حيّاً، فاذا مات رجع ذلك الشيء الى ورثته.‏
اذا قال المالك لشخص: أسكنتك هذه الدار لك ولاَولادك؟
ــ لم يجز له الرجوع في هذه «السكنى» مادام الساكن موجوداً هو وأولاده فاذا ماتوا رجعت الدار الى مالكها أو ورثته.‏
واذا قال له: اسكنتك داري مدّة حياتك، فمات الشخص المالك قبل الساكن؟
ــ لم يجز للورثة اِخراج الساكن حتّى يموت، فاذا مات عادت الدار للورثة.‏
أيجوز لزوج أن يوصي «بتحبيس» ثلث بستانه على زوجته لتنتفع من وارده مدة حياتها، على ان يعود الثلث بعد وفاتها الي ورثة الزوج؟
ــ نعم يجوز له ذلك.‏
فراش المسجد الموقوف عليه هل يجوز للولي اِعارته مثلاً لعرس أو مناسبة.‏
ــ مع كونه وقفاً مخصوصاً لا يجوز الانتفاع به في غير ذلك الوقف.‏
وهل يجوز تأجيره؟
ــ كذلك لا يجوز.‏
مسجد غير محتاج لمال وقِّف عليه بخصوصه، هل يجوز ترميم مسجد اَخر به؟
ــ اذا كان المسجد في غنىً عن ماله الاَن، وفي المستقبل المنظور، ولم يتيسّر حفظ هذا المال وادّخاره الى حين الاِحتياج اليه، صرف فيما هو الاَقرب الى مقصود الواقف من تاِّمين سائر احتياجات المسجد الموقوف عليه ذلك المال، أو ترميم مسجد اَخر.‏

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 19:08
حواريّة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر




الاَن ـ قال أبي ـ وقد أحطتّ بالكثير مّما تحتاجه من أحكامك الشرعيّة وتعلَّمت الكثير.
الاَن وقد عرفت من أحكام الله ما عرفت، واستوضحت من واجباتها ما استوضحت، وحفظت من محرّماتها ما حفظت.
الاَن، وقد بصرت بما لم تبصر به من قبل..
الاَن، وليس بعد الاَن.. يجب أن تتذكّر الماضي بكلّ قساوته، يوم رفعت رأسك الى السماء وقلبك يقطر أسىً وألماً وحيرة ولوعة، وأنت تقول:
اِلهي أعلم أنّك كلَّفتني. ولكنّي لا أَعْلم بماذا كلَّفتني.
اِلهي أنّى لي أن اعرف حلالك فافعله، أو حرامك فاجتنبه.
الاَن، وليس بعد الاَن.. آن لك أن تدرك أنَّ اعداداً كثيرة ممَّن هم في مثل سنِّك ومرحلتك الدراسية، أو أكبر منك، يعيشون مأساتك السالفة، ويعانون معاناتك، ويكابدون مكابدتك، تكتوي أجفانهم كما أكتوت اجفانك بنثيث دمعك المشتعل وانت تقول:
اللّهم أعن كتب الفقه الاِسلامي على الاِفصاح عمّا تريد قوله لاَفهم ما تريد قوله.
الاَن، وقد تعلّمت ما تعلّمت، والممت من أحكام الفقه بما ألممت.. آن لك أن تعمل بقوله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (ولتكن منكم اُمةٌ يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون) فتدعو الى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.
آمر بماذا يا أبتي؟ وأنهي عن ماذا؟
ـ اُؤمر بما علمت من معروف، واِنه عمّا علمت من منكر.
ولكن ما لي وللناس يا أبتي، وما علاقتي بمن يفعل المنكر مثلاً حتّى آمره بتركه، ثمّ لماذا أتدخل في شؤون الاَخرين فاَمرهم وأنهاهم ما دمتُ أنا أفعل المعروف وأجتنب المنكر، وهذا يكفيني؟
ـ حاذر ان تقول ذلك يا بني، وحاذر أن تكرّره ثانيةً، فالاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ببعض مراتبهما واجبان كفائيان.. فاذا لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر أحد.. لا أنا، ولا أنت، ولا أحد آخر غيرنا، أثمنا جميعاً، وتعرّضنا لغضب الله عزّ وجلّ وعقابه وسخطه.. أمّا اذا قام بالاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر احدنا، فقد سقط عن الجميع.
ألم تتدّبر قوله تعالى: (ولتكن منكم أمةٌ يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون). تلك الاَية الكريمة التي قرأتها لك قبل قليل؟!
ألم تسمع قول النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله: «لا تزال اُمتي بخير ما أمروا بالمعروف، ونهو عن المنكر، وتعانوا على البرِّ، فاذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات، وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الاَرض ولا في السماء»؟!
ألم تقرأ قول الاِمام علي عليه السلام: «لا تتركوا الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فيولّي عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم»؟!
ألم تقرأ قول الاِمام أبي جعفر الباقر عليه السلام: «اِن الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الانبياء، ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب وترد المظالم، وتعمَّر الاَرض، وينتصف من الاَعداء، ويستقيم الاَمر»؟!
وقوله عليه السلام: «الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ـ خلقان من خَلق الله، فمن نصرهما أعزه الله ومن خذلهما خذله الله»؟.
ثمَّ ألم تقرأ قول النّبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيّته»؟.
نعم قرأته؟
ـ فانت اِذن راع، ومسؤول كذلك عن رعيّتك. وللرّاعي واجبات، وعليه حقوق وتبعات، والمسؤولية ثقيلة.
أوَ بعد كلّ هذا تقول: لماذا أكون فضولياً، فأتدخل في شأن لا يعنيني، ليس أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر فضولاً. وليسا هما تدخّلاً منك يا بني في شأنٍ لا يعنيك.. هذان شأنك.. نعم شأنك.. فالذي أوجب عليك الصلاة والصوم والحج والخمس هو الذي أوجب عليك الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
ولكنّي لست رجل دين حتّى آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر؟
ـ ومن قال لك ان الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر مسؤولية رجل الدّين وحده.. الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجبان عليك وعليَّ وعلى رجل الدّين والطالب والمدرِّس والتّاجر والعامل والموظّف والصناعي والعسكري والرئيس والمرؤوس والعادل والفاسق والغني والفقير والمرأة والرجل.. الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجبان على الجميع.
سمعتك تقول اِن الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ببعض مراتبها واجبان كفائيان، فهل هما ببعض مراتبها الاُخرى واجبان عينيان كوجوب الصلاة اليوميّة؟
ـ اجل يا بُنَي.. اِنّهما واجبان عينيان ببعض مراتبهما، وهي مرتبة اظهار الكراهة فعلاً أو قولاً من ترك المعروف وفعل المنكر. ألم يبلغك أن امير المؤمنين عليه السلام قال: «امرنا رسول الله صلى الله عليه وآله ان نلقى اهل المعاصي بوجوه مكفهرّة» هذا يعني أن واجبنا ان نظهر لمرتكب المعصية كرهاً لما يرتكبه وانزعاجنا منه.
ولكن هل اِن الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجبان في مطلق الاَحوال.
ـ لا، انّما يجبان مع توفّر الشروط التالية: ـ
1 ـ أن يكون الشخص الاَمر بالمعروف الناهي عن المنكر عارفاً بالمعروف والمنكر حتى ولو كانت معرفته غير شاملة ولا مفصّلة، يكفي ان يعرف أن هذا العمل معروف ليأمر به أو أن هذا منكر محرم لينهى عنه.
2 ـ أن يحتمل ائتمار المأمور بالمعروف بأمره، وانتهاء المنهي عنه المنكر بنهيه، بأن لا يعلم منه انّه لا يبالي ولا يهتم ولا يكترث بأمره ونهيه.
واذا علم بانّ الفاعل سوف يفعل المنكر، أو يترك المعروف، ولا يهتمّ بأمره ولا نهيه؟
ـ حينئذٍ يسقط عنه الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ببعض مراحلهما [ويجب ببعض مراحلهما الاُخرى وهي مرحلة اظهار الكراهة فعلاً أو قولاً من تركه للمعروف وارتكابه للمنكر].
3 ـ أن يكون تارك المعروف، أو فاعل المنكر، مصراً على ترك المعروف أو فعل المنكر، بمعنى انه بصدد الاستمرار على فعل المنكر، أما اِذا احتمل انه منصرف عن الاِستمرار على المنكر لم يجب امره ونهيه.
احب أن أتأكّد فأسأل: واِذا لم يكن مُصرّاً على فعله للمنكر أو تركه للمعروف؟
ـ لا يجب أمره بالمعروف، ولا نهيه عن المنكر.
وكيف أعرف أن هذا الشخص مصرٌّ على فعله للمنكر أو غير مصرِّ عليه؟
ـ اِذا ظهرت لك علامة أو امارة على اقلاعه عنه فهو غير مصرٍّ..
اِذا انصرف عن الفعل فهو غير مُصر.. اِذا ندم عليه فهو غير مُصِر.. وبالتالي فلا يجب عليك أمره أو نهيه.
أحياناً أعرف أن شخصاً ما ينوي أو يريد ارتكاب منكر وترك معروف فهل يجب عليّ أمره أو نهيه قبل أن يفعل فعلته؟
ـ نعم يجب عليك أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر حتّى ولو قصد المخالفة مرّةً واحدة فقط.
4 ـ أن لا يكون فاعل المنكر أو تارك المعروف معذوراً في فعله للمنكر أو تركه للمعروف لاعتقاده مثلاً أن ما فعله ليس حراماً أو أن ما تركه ليس واجباً وكان معذوراً في ذلك الاشتباه. واِلاّ لم يجب عليك شيء.
5 ـ أن لا يخاف الاَمر بالمعروف والنّاهي عن المنكر من ترتّب ضرر عليه في نفسه او عرضه او ماله بالمقدار المعتد به أو بأحد من المسلمين كذلك من جراء أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر.
واِذا خاف الضّرر على نفسه أو على غيره من المسلمين من جراء الاَمر بالمعروف أو النّهي عن المنكر؟
ـ لم يجب عليه الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر في هذه الحالة اِلاّ اِذا كان المعروف أو المنكر من المهمّات في نظر المشرِّع الاِسلامي فيجب حينئذٍ الموازنة بين الطرفين بلحاظ قوّة الاِحتمال وأهميّة المحتمل فقد لا يجب الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وقد يجبان.
واِذا أردت أن آمر بالمعروف أو أنهى عن المنكر؟
ـ للاَمر بالمعروف أو النّهي عن المنكر مراتب:
المرتبة الاُولى: أن تأتي بعمل تظهر به انزجارك القلبي وكراهتك لفعل المنكر وترك المعروف.
وكيف اُظهر ذلك.
ـ بطرقٍ عديدة.. بالاِعراض والصدِّ عن الفاعل.. أو باِظهار واِبراز الاِنزعاج والتأثّر منه.. أو بترك الكلام معه.. أو بغير ذلك.
المرتبة الثانية: أن تأمر وتنهى بقولك ولسانك.
وكيف آمر وأنهى بالقول واللسان؟
ـ بطرقٍ عدّة.. بنصح الفاعل ووعظه..يتذكيره بما أعدّ الله سبحانه وتعالى للعاصين من العقاب الاَليم.. باِرشاده، بتذكيره بما أعدَّه الله سبحانه وتعالى للمطيعين من الثواب العظيم، بتهديده بالاِنكار عليه.. بغير ذلك من الطرق المناسبة.
المرتبة الثالثة: أن تتّخذ اجراءات عمليّة للاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
وكيف؟
ـ أن تفرك اذن الفاعل، أو تضربه، أو تحبسه ليكون رادعاً له عن فعل المعصية.
قال ذلك أبي وأضاف: اِنّ لكلّ مرتبة من هذه المراتب درجاتٍ متفاوتة شدّةً وضعفاً حسب مقتضيات الحال والظروف.
وهل ابدأ أوّلاً بالمرتبة الاُولى، فاِن لم تكف انتقل الى المرتبة الثانية فالثالثة؟
ـ اِبدأ أوّلاً بالاُولى أو الثانية، أيّهما تحتمل تأثيرها أكثر أو امزج بينهما اذا تطلّب الاَمر ذلك مع مراعاة ما هو اخف ايذاءً وهتكاً والتدرج الى ما هو اشد منه.
واذا لم ينفعا؟
ـ اِنتقل عند ذاك بعد ان تحصل على اِذن الحاكم الشرعي الى المرتبة الثالثة الى... اتّخاذ الاِجراءات العملية متدرّجاً من الاِجراء الاَخف ايذاءً الى الاِجراء الاَشدِّ والاَقوى من دون أن يصل الى الجرح أو الكسر أو الشَّلل أو غيرها فضلاً عن القتل.
قال ذلك أبي واردف مؤكدا :
الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجبان، ولكنّهما يتأكّدان اكثر في حقّك اذا كان تارك المعروف أو فاعل المنكر واحداً من أهلك، فقد تجد بين اهلك من يتسامح في بعض الواجبات أو يتهاون.
قد تجد فيهم من لا يتوضّأ بالشكل الصحيح، أو لا يتيمّم بالشكل الصحيح أو لا يغتسل غسل الجنابة بالشكل الصحيح، أو لا يطهِّر جسده وملابسه بالشكل الصحيح، أو لا يقرا السورتين والاَذكار الواجبة بالشكل الصحيح، أو لا يخمّس ماله ولا يزكّيه وماله متعلق للخمس أو للزكاة.
قد تجد في أهلك مثلاً من يرتكب بعض المحرّمات، يمارس العادة السريّة مثلاً، أو يلعب القمار، أو يستمع الى الغناء، أو يشرب الخمر، أو يأكل الميتة.. أو يأكل أموال الناس بالباطل، أو يغش أو يسرق.
قد تجد في النساء من أهلك مَنْ لا تتحجّب، ولا تغطّي شعرها وقد تجد فيهّنّ من لا تزيل أثر طلاء الاَظافر عن أظافرها عندما تتوضّأ أو تغتسل..
قد تجد فيهّنَّ من تتعطّر لغير زوجها من الرجال، أو لا تستر شعرها وجسدها عن أنظار ابن عمّها أو ابن عمّتها، أو ابن خالها، أو ابن خالتها، أو أخي زوجها أو صديقه بحجّة أنّه يعيش معها في بيت واحد فهو كأخيها. أو غير ذلك من الاَعذار الواهية الاُخرى.
قد تجد في اهل بيتك من يكذب، ويغتاب، ويعتدي على الاَخرين، ويبذِّر أمواله، ويعين الظالمين على ظلمهم.. قد تجد.. وتجد وتجد..
واِذا وجدتُ؟
ـ اذا وجدتَ شيئاً من ذلك فاَمر بالمعروف وانهَ عن المنكر، مبتدئاً بالمرتبتين الاُولى والثانية.. اظهار الكراهة والاِنكار باللسان ومنتقلاً ـ اذا لم ينفع ذلك ـ الى المرتبة الثالثة بعد استحصال الاِذن من الحاكم الشرعي الى اتخاذ الاِجراءات العملية متدرّجاً فيها من الاَخفّ الى الاَشدّ.
احياناً يكون المعروف مستحباً؟
ـ ويستحب الاَمر به حينئذٍ، ولا يجب، فاذا أمرت به كنت مستحقاً للثّواب واذا لم تأمر به لم تكن مستحقّاً للعقاب. ذلك أن الدّال على الخير كفاعله.
قلت لي أن الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجبان، وقد عرفت من خلال امثلتك بعض ما يجب عليَّ أن آمر به، وبعض ما يجب عليَّ أن انهى عنه، غير أنّي اُحبّ أن تضع النقاط على الحروف فتذكر لي بالتحديد اُموراً يجب عليَّ أن آمر بها أو يستحب، واُموراً يجب عليَّ أن أنهى عنها غير تلك التي ذكرتها قبل قليل وغير تلك التي مرّت في حوارياتنا السابقة..
ـ ساحدّد لك على شكل نقاط اُموراً هي من المعروف أوّلاً، وأموراً هي من المنكر ثانياً، غير أنّي أشترط عليك شرطاً واحداً قبل أن اُجيبك.
وما هو؟
ـ أن تعمل بها مستحبّةً كانت أو واجبة.. وتدعو اِليها وتأمر بها اِن كانت معروفاً.. وتبتعد عنها وتنهى اِن كانت منكراً.
أعدك بذلك.
ـ سأبدأ أوّلاً بذكر اُمور هي من المعروف على شكل نقاط محدّدة.
قال ذلك، وبدأ أبي يعدّد مستعيناً بذاكرته تارّةً، وبمصادر وضعها أمامه تارة اُخرى فعدَّ من المعروف ما يأتي:
1 ـ التوكّل على الله تعالى: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (ومن يتوكَّل على الله فهو حسْبُه) وروي انّه قد سأل سائل الاِمام عليه السلام عن هذه الاَية فقال عليه السلام «التوكّل على الله درجات، منها أن تتوكّل على الله في اُمورك كلّها فما فعل بك كنت عنه راضياً، تعلم أنّه لا يألوك خيراً وفضلاً وتعلم أنّ الحكم في ذلك له، فتوكّل على الله بتفويض ذلك اليه، وثق به فيها وفي غيرها»
2 ـ الاِعتصام بالله تعالى قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المحيد: (ومن يعتصم بالله فقد هديَ الى صراطٍ مستقيم).
وعن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنّه قال: «أوحى الله عزّ وجلّ الى داود: ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي، عرفت ذلك من نيّته، ثمَّ تكيده السموات والاَرض ومن فيهنَّ، اِلاّ جعلت له المخرج من بينهنّ. وما اِعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي، عرفت ذلك من نيّته، اِلاّ قطعت أسباب السموات من يديه وأسخت الاَرض من تحته ولم اُبال بأيِّ واد يهلك».
3 ـ شكر الله تعالى على نعمه المتواترة: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (وما بكم من نعمةٍ فمن الله) وقال عزّ وجلّ: (ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي انعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه).
وعن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنّه قال: «ما أنعم الله على عبد بنعمة بالغة ما بلغت، فحمد الله عليها، اِلاّ كان حمده لله افضل من تلك النعمة واعظم وأوزن».
4 ـ حسن الظنّ بالله تعالى: فعن الاِمام أبي جعفر الباقر عليه السلام أنّه قال: «وجدنا في كتاب علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال على منبره: والذي لا اِله اِلاّ هو ما اُعطي مؤمن قط خير الدنيا والاَخرة اِلاّ بحسن ظنّه بالله ورجائه وحُسن خلقه».
5 ـ اليقين بالله تعالى في الرّزق والعمر والنّفع والضرّ: فعن الاِمام علي عليه السلام أنّه قال: «لا يجد عبد طعم الاِيمان حتّى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الضارَّ النّافع هو الله عزّ وجلّ»
6 ـ الخوف من الله عزّ وجلّ مع رجائه تعالى: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم يصف المؤمنين: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً وممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرّة أعينٍ جزاءاً بما كانوا يعملون).
وعن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «مَنْ خلا بذنبٍ فراقب الله تعالى فيه واستحيا من الحفظة غفر الله عزّ وجلّ له جميع ذنوبه واِن كانت مثل ذنوب الثقلين».
وقال عليه السلام: «اُرج الله رجاءً لا يجرئك على معصيته، وخف الله خوفاً لا يؤسيك من رحمته».
7 ـ الصبر وكظم الغيظ: قال الله تعالى في كتابه المجيد: (اِنّما يُوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب) وقال تعالى: (اِنَّ الله مع الصابرين).
وقال تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يجب المحسنين).
وعن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: «ما جرع عبد جرعةً أعظم أجراً من جرعة غيظ كظمها اِبتغاء وجه الله».
وعنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: «من أحبِّ السبل الى الله جرعتان، جرعة غيظ يردها بحلم، وجرعة مصيبة يردّها بصبر».
وعن الاِمام الباقر عليه السلام أنّه قال لبعض ولده: «يا بُنيّ ما من شيءٍ أقرُّ لعين أبيك من جرعة غيظ عاقبتها صبر».
8 ـ الصبر عن محارم الله تعالى: فعن الاِمام علي عليه السلام أنّه قال: «الصبر صبران صبر عند المصيبة حسن جميل، وأحسن من ذلك الصبر عند ما حرَّم الله تعالى عليك».
وعنه عليه السلام أنّه قال: «اِتّقوا معاصي الله في الخلوات فانَّ الشاهد هو الحاكم».
9 ـ العدل قال الله تعالى في كتابه الكريم: (اِنَّ الله يامر بالعدل والاِحسان واِيتاء ذي القربى) وعن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنّه قال: «ثلاث هم أقرب الخلق الى الله عزّ وجلّ يوم القيامة حتّى يفرغ من الحساب: رجل لم تدعه قدرته في حال غضبه الى أن يحيف على من تحت يديه، ورجل مشى بين اثنين فلم يمل مع أحدهما على الاَخر ولو بشعيرة، ورجل قال الحق فيما عليه».
10 ـ تغليب العقل على الشهوة: قال الله تعالى في كتابه المجيد: (زُيِّنَ للنّاس حبُّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب الفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن الماَب * قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربِّهم جناتٍ تجري من تحتها الاَنهار خالدين فيها وازواج مطهَّرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد) وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد لم يره» وعن الاِمام علي عليه السلام أنّه قال: «كم من شهوةٍ ساعة أورثت حزناً طويلاً».
11 ـ التواضع: فعن النّبي صلى الله عليه وآله: «اِنَّ أحبَّكم اِليَّ وأقربكم منّي يوم القيامة مجلساً، أحسنكم خُلقاً وأشدَّكم تواضعاً» وعن الاِمام زين العابدين عليه السلام أنّه دعا ربّه قائلاً: «الّلهم صلِّ على محمّد وآل محمّد ولا ترفعني في النّاس درجةً اِلاّ حططتني عند نفسي مثلها ولا تحدث لي عزّاً ظاهراً اِلاّ أحدثت لي ذلّةً باطنة عند نفسي بقدرها».
12 ـ الاقتصاد في المأكل والمشرب ونحوهما: قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وكلوا واشربوا ولا تُسرفوا اِنه لا يُحبُّ المُسرفين). وعن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنّه قال: «افطر رسول الله صلى الله عليه وآله عشيّة خميس في مسجد قبا فقال: هل من شراب؟ فأتاه أوس بن خولي الانصاري بعسِّ مخيض بعسل، فلما وضعه على فيه نحاه ثم قال: «شرابان يُكتفي بأحدهما عن صاحبه، لا أشربه ولا احرمه، ولكن أتواضع لله، فاَنّه مَنْ تواضع لله رفعه الله، ومن تكبَّر خفظه الله، ومن اقتصد في معيشته رزقه الله، ومن بذَّر حرمه الله، ومن أكثر ذكر الموت أحبَّه الله».
13 ـ اِنصاف النّاس ولو من النّفس: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «من واسى الفقير من ماله وأنصف الناس من نفسه فذلك المؤمن حقّاً».
وعنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: «سيّد الاَعمال اِنصاف النّاس من نفسك، ومواساة الاَخ في الله تعالى، وذكر الله تعالى على كلِّ حاله».
وعن الاِمام على عليه السلام أنّه قال: «ألا أنّه من ينصف النّاس من نفسه لم يَزِده الله اِلاّ عزّاً».
14 ـ العفّة: فعن الاِمام ابي جعفر عليه السلام أنّه قال: «أفضل العبادة عفّة البطن والفرج».
15 ـ اِشتغال الاِنسان بعيبه عن عيوب النّاس: فعن النّبي صلى الله عليه وآله: «طوبى لمن شغله خوف الله عزّ وجلّ عن خوف النّاس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب المؤمنين».
16 ـ التخلّق بمكارم الاَخلاق: قال الله تعالى يصف نبيّه الكريم: (واِنّك لعلى خلقٍ عظيم) وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «حسن الخلق خلق الله الاَعظم».
وعنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: «ألا أخبركم بأشبهكم لي؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: احسنكم خلقاً، وألينكم كنفاً، وابرَّكم بقرابته، وأشدَّكم حبّاً لاِخوانه في دينه، وأصبركم على الحقّ، واكظمكم للغيظ، وأحسنكم عفواً، وأشدّكم من نفسه اِنصافاً في الرّضا والغضب».
وروي أنّه قيل له صلى الله عليه وآله: أيُّ المؤمنين أفضلهم اِيماناً؟ قال: «أحسنهم خلقاً».
وعنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: «أكثر ما يلج الجنة: تقوى الله وحسن الخلق».
17 ـ الحلم: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «ما أعزّ الله بجهلٍ قط ولا أذلَّ بحلم قط».
وعن الاِمام الرضا عليه السلام أنّه قال: «لا يكون الرجل عابداً حتّى يكون حليماً».
18 ـ حفظ القرآن الكريم والعمل به وقراءته: قال الله تعالى في كتابه الكريم: (اِن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصّلاة وأنفقوا ممّا رزقناهم سرّاً وعلانيةً يرجون تجارةً لن تبور) وعن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله أنّه قال: «اِن اهل القرآن في أعلى درجةٍ من الاَدميّين ما خلا النبيّين والمرسلين» وعن الاِمام ابي عبدالله الصادق عليه السلام أنّه قال: «الحافظ للقرآن والعامل به مع السَّفرة الكرام البَررَة» وعنه عليه السلام أيضاً: «من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بدمه ولحمه، وجعله الله مع السَّفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيجاً عنه يوم القيامة».
وهناك فضل خاص لقراءة سورٍ معيّنة من القرآن الكريم مذكور في كتب الحديث اِن شئت راجعتها.
19ـ زيارة النبيّ صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والزهراء والحسن والحسين والاَئمّة عليهم السلام، فعن الاِمام أبي جعفر الباقر عليه السلام أنّه قال: «قال الحسين بن علي عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبَتِ ما جزاء من زارك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من زارني، أو زار أباك، أو زارك، أو زار أخاك، كان حقّاً عليَّ أن ازوره يوم القيامة حتّى اُخلّصه من ذنوبه» وعن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام: «من زار قبر الحسين بن علي عليهما السلام عارفاً بحقّه كتب في عليِّين» وعنه عليه السلام: «من زار واحداً منّا كان كمن زار الحسين عليه السلام».
20 ـ الزهد في الدّنيا فعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «ازهد في الدّنيا يحبّك الله» وعنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: «استحيوا من الله حقّ الحياء، قالوا: انّا لنستحي منه تعالى قال: فليس كذلك، تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون» وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال: «اِذا أراد الله بعبد خيراً زهّده في الدّنيا، ورغَّبه في الاَخرة، وبصَّرهُ بعيوب نفسه» وعن الاِمام على عليه السلام أنّه قال: «اِنَّ من أعون الاخلاق على الدّين الزهد في الدّنيا» وعنه عليه السلام أنّه قال: «اِنّ علامة الرّاغب في ثواب الاَخرة زهده في عاجل زهرة الدّنيا».
وعن الاِمام زين العابدين عليه السلام أنّه قال: «ما من عمل بعد معرفة الله عزّ وجلّ ومعرفة رسوله أفضل من بغض الدّنيا».
وروي أنّه قال رجل لاَبي عبدالله الصادق عليه السلام انّي لا ألقاك اِلاّ في السنين، فأوصِني بشيءٍ حتّى آخذ به. قال: «اُوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، واِيّاك أن تطمع الى من فوقك وكفى بما قال الله عزّ وجلّ لرسول الله صلى الله عليه وآله (ولا تمدَّن عينيك الى ما متعنا به ازواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا) وقال: (ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) فاِن خفت ذلك فاذكر عيش رسول الله صلى الله عليه وآله فانّما كان قوته من الشّعير، وحلواه من التّمر، ووقوده من السعف. واذا اُصبت بمصيبةٍ في نفسك أو مالك أو ولدك فاذكر مصابك برسول الله صلى الله عليه وآله فاِنَّ الخلائق لم يصابوا بمثله قط». وروي أنّه وقف الاِمام الكاظم عليه السلام على قبرٍ فقال: «اِن شيئاً هذا آخره لحقيقٌ أن يُزهد في أوّله واِنَّ شيئاً هذا أوّله لحقيقٌ أن يخاف من آخره».
21 ـ اِعانة المؤمن وتنفيس كربته واِدخال السرور عليه واِطعامه وقضاء حاجته: فعن الاِمام ابي عبدالله عليه السلام أنّه قال: «ما من مؤمنٍ يعين مؤمناً مظلوماً اِلاّ كان أفضل من صيام شهر رمضان واعتكافه في المسجد الحرام، وما من مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر على نصرته اِلاّ ونصره الله في الدّنيا والاَخرة، وما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته اِلاّ خذله الله في الدنيا والاَخرة».
وعنه عليه السلام أنه قال: «أيّما مؤمن نفّس عن مؤمنٍ كربة نفَّس الله عنه سبعين كربةً من كرب الدّنيا وكرب يوم القيامة».
وعنه عليه السلام أنّه قال: «من يسَّر على مؤمنٍ وهو معسر يسَّر له حوائجه في الدّنيا والاَخرة».
وعنه عليه السلام أنه قال: «واِنَّ الله عزّ وجل في عون المؤمن ما كان المؤمن في عون أخيه المؤمن».
وعنه عليه السلام: «من سرَّ امرأً مؤمناً سرَّه الله يوم القيامة وقيل له تمنّ على الله ما أحببت فقد كنت تحبّ أن تسرَّ أولياؤه في دار الدّنيا».
وعنه عليه السلام: «مَنْ أدخل السرور على مؤمن فقد أدخله على رسول الله ومَنْ أدخله على رسول الله فقد وصل ذلك الى الله وكذلك مَنْ أدخل عليه كرباً».
وعنه عليه السلام: « من أطعم مؤمناً من جوع أطعمه الله من ثمار الجنّة، ومن سقى مؤمناً من ظمأ سقاه الله من الرّحيق المختوم، ومن كسا مؤمناً كساه الله من الثياب الخضر».
وعنه عليه السلام: « ما قضى مسلم لمسلم حاجة اِلاّ ناداه الله عليَّ ثوابك ولا أرضي لك بدون الجنّة».
22 ـ محاسبة النفس كل يوم: فقد روي أنّه أوصى النّبي صلى الله عليه وآله أبا ذر رضي الله عنه فقال: «يا أبا ذر حاسب نفسك قبل أن تحاسب فاِنّه أهَوَن لحسابك غداً، وَزِنْ نفسك قبل أن توزن، وتجهّز للعرض الاَكبر يوم تعرض لا تخفى على الله خافية».
وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال: «يا أبا ذر لا يكون الرجل من المتّقين حتّى يحاسب نفسه أشدُّ من محاسبة الشريك شريكه فيعلم من أين مطعمه ومن أين مشربه ومن أين ملبسه أمِن حلالٍ أو من حرامٍ، يا أبا ذر مَن لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله مِن اين أدخله النّار».
وعن الاِمام زين العابدين عليه السلام أنّه قال: «ابن آدم اِنّك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك وما كانت المحاسبة من همِّك، ابن آدم اِنّك ميِّت ومبعوث وموقوف بين يديّ الله فأعِدَّ جواباً».
23 ـ الاهتمام باُمور المسلمين: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: «مَنْ أصبح لا يهتمّ باُمور المسلمين فليس بمسلم». وعنه صلى الله عليه وآله: «من أصبح لا يهتّم بأمور المسلمين فليس منهم ومن سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يُجبهُ فليس بمسلم».
وعن الاِمام أبي جعفر الباقر عليه السلام: «اِنَّ المؤمن لترد عليه الحاجة لاَخيه فلا تكون عنده يهتمُّ بها قلبُهُ فيدخله الله تبارك وتعالى بهمِّه الجنّة».
24 ـ السخاء والكرم والاِيثار: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «ما جعل الله أولياءه اِلاّ على السّخاء وحسن الخلق» وقال صلى الله عليه وآله: «اِن من موجبات المغفرة بذل الطعام واِفشاء السلام وحسن الكلام» وعنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: «تجافوا عن ذنب السخي فاِنّ الله آخذ بيده كلما عثر».
وعنه صلى الله عليه وآله: «الجنّة دار الاَسخياء». وعنه صلى الله عليه وآله: «اِن افضل الناس ايماناً أبسطهم كفّاً».
25 ـ الاِنفاق على الاَهل والعيال: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «الكادُّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله» وقال صلى الله عليه وآله: «خيركم، خيركم لاَهله» وعنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: «ما أنفق الرجل على اهله فهو صدقة» وعنه صلى الله عليه وآله: «دينار أنفقته على أهلك ودينار أنفقته في سبيل الله ودينار انفقته في رقبة ودينار تصدّقت به على مسكين وأعظمُها أجراً الدينار الّذي أنفقته على أهلك».
26 ـ التّوبة من الذّنوب صغيرها وكبيرها والندم عليها: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (يا أيها الذين امنوا توبوا الى الله توبةً نصوحاً عسى ربكم أن يكفِّر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جناتٍ تجري من تحتها الانهار) وقال تعالى: (وتُوبوا الى الله جميعاً أيُّها المؤمنون لعلكم تفلحون) وقال تعالى: (اِن الله يحبُّ التوابين ويحبُّ المتطهِّرين) وقال تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون) وقال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله اِنَّ الله يغفر الذّنوب جميعاً اِنّه هو الغفور الرّحيم).
وعن الاِمام الباقر عليه السلام انّه قال لمحمد بن مسلم: «يا محمد بن مسلم ذُنوب المؤمن اِذا تاب منها مغفورة له فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التّوبة والمغفرة أما والله اِنّها ليست اِلاّ لاَهل الايمان. قلت فانّه يفعل ذلك مراراً يُذنب ثمَّ يتوب ويستغفر الله فقال: كلّما عاد المؤمن بالاِستغفار والتّوبة عاد الله عليه بالمغفرة» وعنه عليه السلام انّه قال: «التّائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمقيم على الذّنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ».
وعن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «ما من عبدٍ أذنب ذنباً فندم عليه اِلاّ غفر الله له قبل أن يستغفر» وعنه عليه السلام أنه قال: «اِن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن اِذا تاب كما يفرح أحدكم بضالّته اذا وجدها».
وهناك من المعروف غير هذه نصّت عليها كتب الفقه والحديث فراجعها اِن شئت المزيد.
قلت لاَبي: الاَرقام الّتي مرّت أشارت لما هو من المعروف، أما المنكرات، أو ما يُعَدُّ من المنكر؟
قال: ما يعدُّ من المنكر كثير، ساُعدد لك بعضاً منها، ولكن بنفس الشرط السابق.
قلت: تقصد أن اعدك باِجتنابها والنّهي عنها؟
قال: نعم.
قلت: أعِدُك بذلك.
قال: اِذن اِليك بعضاً ممّا هو من المنكر.
وبدأ أبي يعدد مستعيناً بذاكرته وبمصادره ـ كما فعل سابقاً ـ فعدَّ من المنكر ما يأتي:
1 ـ الظلم: قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وَسيعلمُ الّذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون).
عن الاِمام علي عليه السلام: «أعظم الخطايا اِقتطاع مال اِمرئٍ مسلم بغير حق».
وعن الاِمام أبي جعفر الباقر عليه السلام أنّه قال: «لما حضرت علي بن الحسين الوفاة ضمَّني الى صدره ثمَّ قال: يا بُني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، مما ذكر انَّ أباه أوصاه به، قال: يا بُني اِيّاك وظلم من لا يجد عليك ناصراً اِلاّ الله».
وعن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام: «من ظلم مظلمةً أُخِذَ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده».
وعنه عليه السلام انّه قال: « من اكل من مالِ أخيه ظلماً ولم يرده اِليه أكل جذوةً من النّار يوم القيامة».
2 ـ الاِعانة على الظلم والرّضا به: فعن النبي محمد صلى الله عليه وآله: «من مشى الى ظالم ليعينه، وهو يعلم أنّه ظالم، فقد خرج من الاِسلام» وعنه صلى الله عليه وآله: «شرُّ النّاس من باع آخرته بدنياه، وشر منه من باع آخرته بدنيا غيره».
وعن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنّه قال: «العامل بالظلم والمعين له والرّاضي به شركاء ثلاثتهم» وعنه عليه السلام قال: «من عذر ظالماً بظلمه سلّط الله عليه من يظلمه، فاِن دعا لم يُستجب له» وعنه عليه السلام في وصيّته لاَصحابه: «واِيّاكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعو عليكم فيستجاب له فيكم، فاِنّ أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: اِن دعوة المسلم المظلوم مستجابة» وعنه عليه السلام أنه قال: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة بين عينيه مكتوب: آيسٌ من رحمة الله».
وعنه عليه السلام: يجيء يوم القيامة رجلٌ الى رجل حتّى يلطَّخه بدمه فيقول: يا عبدالله مالك ولي؟ فيقول أعنْتَ عليَّ يوم كذا وبكذا بكلمةٍ فقُتلت».
3 ـ كون الاِنسان ممّن ُيتّقى شره: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: «شرُّ النّاس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتّقاء شرَّهم».
وعن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام: «مِن أبغض خلق الله عبدٌ اِتّقى النّاس لسانه»
4 ـ قطيعة الرّحم: قال الله تعالى في كتابه الكريم: (فَهل عَسيتم اِنْ تولَّيتُم أن تُفسدوا في الاَرض وتُقَطِّعوا أرْحامكم) وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا تقطع رحمك واِن قطعك».
وعن الاِمام أبي جعفر الباقر عليه السلام أنّه قال: «في كتاب علي عليه السلام ثلاث خصال لا يموت صاحبهنّ أبداً حتى يرى وبالهُنَّ: البغي وقطعية الرّحم واليمين الكاذبة يبارز الله بها».
وعن الاِمام أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال: «اِن رجلاً من خَثعَم جاء الى رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: يا رسول الله اخبرني ما أفضل الاِسلام؟ قال: الاِيمان بالله. قال: ثمّ ماذا؟ قال: صلة الرحم. قال: ثمّ ماذا؟ قال: الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: فقال الرجل: فاخبرني أيُّ الاَعمال أبغض الى الله؟ قال: الشرك بالله. قال: ثمّ ماذا؟ قال: قطيعة الرّحم. قال: ثمّ ماذا؟ قال: الاَمر بالمنكر والنهي عن المعروف».
5 ـ الغضب: فعن الاِمام أبي جعفر الباقر عليه السلام أنّه قال: «اِن الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتّى يدخل النار، فأيما رجلٌ غضب على قومه وهو قائم فليجلس من فوره ذلك فاِنّه سيذهب عنه رجس الشيطان. وأيما رجل غضب على ذي رحم فليَدْنُ منه فليمسه فاِن الرّحم اذا مست سكنت».
وعن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام: «الغضب مفتاح كلِّ شرّ».
6 ـ الاختيال والتكبّر: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (اُدخلوا أبواب جهنَّم خالدين فيها فبئس مثوى المُتكبِّرين).
وقال تعالى: (ولا تُصَعِّر َخدَّكَ للنّاسِ ولا تَمشِ في الاَرضِ مَرَحاً اِنَّ الله لا يُحِبُّ كلَّ مُخْتالٍ فَخور).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «أكثر أهل جهنّم المتكبّرون».
وعنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: «من مشى على الاَرض أختيالاً لعنته الاَرض ومن تحتها ومن فوقها».
وعنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: «من تعظّم في نفسه واِختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان».
وعن الاِمامين الباقر والصادق عليهما السلام أنّهما قال: «لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقال ذرة من كبر».
وعن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنّه قال: «الجبّارون أبعد النّاس من الله يوم القيامة».
7ـ أكل مال اليتم ظلماً: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (اِنَّ الّذين يأكُلون أموال اليتامى ظُلماً اِنّما يأكُلونَ في بُطونهم ناراً وسيصلون سعيراً).
8 ـ اليمين الكاذبة: فعن الاِمام أبي جعفر الباقر عليه السلام أنّه قال عن كتاب علي عليه السلام: «اِنَّ اليمين الكاذبة وقطعية الرّحم تذران الديار بلاقع من أهلها».
وعن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «من حلف على يمين وهو يعلم أنّه كاذب فقد بارز الله عزّ وجلّ».
9 ـ شهادة الزّور: قال الله تعالى في كتابه الكريم يصف المتّقين: (والذينَ لا يشهدون الزّور واذا مرّوا باللغوا مرّوا كراماً).
وعن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: «ما من رجل شهد شهادة زور على مال رجل ليقطعه اِلاّ كتب الله عزّ وجل له مكاناً ضنكاً الى النار».
10 ـ المكر والخديعة: قال الله تعالى في كتابه المجيد: (سيصيب الّذين أجرموا صغارٌ عند الله وعذابٌ شديدٌ بما كانوا يمكرون) وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «ليس منّا من ماكَرَ مسلماً».
وعن الاِمام على عليه السلام أنّه قال: «لولا أنّ المكر والخديعة في النار لكنت أَمكَرَ العرب».
11 ـ تحقير المؤمن وخاصةً الفقير والاِستخفاف به: فعن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام: «لاتحقِّروا مؤمناً فقيراً، فاِن من حقّر مؤمناً واستخفّ به حقَّره الله تعالى، ولم يزل ماقتاً له حتّى يرجع عن تحقيره أو يتوب».
وعنه عليه السلام: «من استذلّ مؤمناً وحقَّره لقلة ذات يده ولفقره شهَرهُ الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق».
12 ـ الحسد: قال الله تعالى في كتابه المجيد: (ومن شرِّ حاسدٍ اِذا حسد).
وعن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام: « اِنَّ الحسد ليأكل الاِيمان كما تأكل النّار الحطب » وعنه عليه السلام: « اِنَّ المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط ».
وعنه عليه السلام: «اُصول الكفر ثلاثة: الحرص والاستكبار والحسد».
13 ـ الغيبة والاستماع اليها: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (ولا تجسَّسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه).
وعن الاِمام الصادق عليه السلام: « الغيبة حرام على كلِّ مسلم واِنّها لتأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب».
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله انّه قال: « ما عمّر مجلس بالغيبة اِلا خرب من الدين فنزهوا اسماعكم عن استماع الغيبة فان القائل والمستمع لها شريكان في الاثم ».
وعن الاِمام أبي جعفر عليه السلام: « من اغتيب عنده أخوه المؤمن فلم ينصره، ولم يُعِنه، ولم يدفع عنه، وهو يقدر على نصرته وعَوْنِه، حقَّره الله في الدّنيا والاَخرة ».
14ـ حُبُّ المال والحرص على الدّنيا: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاُولئك هم الخاسرون) وقال تعالى: (واعلموا انّما أموالكم وأولادُكم فتنة).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: «من أصبح والدّنيا أكبر همّه فليس من الله في شيء» وعنه صلى الله عليه وآله: «لتأتينّكم بعدي دنياً تأكل ايمانكم كما تأكل النّار الحطب» وعنه صلى الله عليه وآله: «دعوا الدّنيا لاَهلها، من أخذ من الدّنيا فوق ما يكفيه فقد اخذ حتفه وهو لا يشعر».
وعنه صلى الله عليه وآله: «اِن الدينار والدّرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم».
وقال صلى الله عليه وآله: «من أحب دنياه أضرَّ باَخرته».
وعن الاِمام زين العابدين عليه السلام: «رأيت الخير كلّه قد اجتمع في قطع الطمع عمّا في أيدي النّاس».
وعن الاِمام أبي جعفر الباقر عليه السلام: «بئس العبد عبد يكون له طمع يقوده، وبئس العبد عبد له رغبة تذلّه».
وعن الاِمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام: «حبّ الدّنيا راس كلِّ خطيئة».
15ـ الفحش والقذف وبذاءة اللسان والسَّب: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال لعائشة:
«يا عائشة... اِن الفحش لو كان مثالاً لكان مثال سوء» وعنه صلى الله عليه وآله: «اِن الله يبغض الفاحش البذيء والسائل الملحف» وعنه صلى الله عليه وآله: «اِن من أشرِّ عباد الله من تكره مجالسته لفحشه» وعنه صلى الله عليه وآله: «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر وأكل لحمه معصية وحرمة ماله كحرمة دمه».
وروي عن عمرو بن نعمان الجعفي: أنّه قال: «كان لاَبي عبدالله عليه السلام صديق لا يكاد يفارقه فقال يوماً لغلامه: يا بن الفاعلة أين كنت؟ قال: فرفع أبو عبدالله عليه السلام يده فصكّ بها جبهة نفسه ثمّ قال: سبحان الله تقذف اُمّه! قد كنت ارى لك ورعاً، فاذا ليس لك ورع، فقال: جعلت فداك اِن اُمّه سنديّة مشركة.. فقال عليه السلام: أما علمت أن لكلِّ اُمَّة نكاحاً، تنحَّ عني. فما رأيته يمشي معه حتّى فرّق بينهما الموت».
16 ـ عقوق الوالدين: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (وقضى ربُّك ألاّ تعبُدوا اِلاّ اِيّاه وبالوالدين اِحساناً اِمّا يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما اُفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: «اِيّاكم وعقوق الوالدين».
وعنه صلى الله عليه وآله: «مَنْ أصبح مسخطاً لاَبويه أصبح له بابان مفتوحان الى النّار».
وعن الاِمام أبي جعفر الباقر عليه السلام: اِن أبي عليه السلام نظر الى رجل ومعه ابنه يمشي والابن متّكىء على ذراع الاَب، قال فما كلّمه أبي مقتاً له حتّى فارق الدّنيا».
وعن الاِمام الصادق عليه السلام: «من نظر الى أبَوَيْه نظر ماقت وهما ظالمان له لم يقبل الله له صلاة» وعنه عليه السلام: «لو علم الله شيئاً هو أدنى من اُفٍّ لنهى عنه، وهو من أدنى العقوق... ومن العقوق ان ينظر الرجل الى والديه فيحدّ النظر اليهما».
17ـ الكذب: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (اِنّما يفتري الكذب الّذين لا يُؤمنون) وقال تعالى: (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم الى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك به مصدِّق، وأنت له به كاذب».
وعنه صلى الله عليه وآله: «الكذب ينقص الرّزق».
وعن الاِمام علي عليه السلام: «لا يجد العبد طعم الاِيمان حتّى يترك الكذب هزلة وجدّه».
وعن الاِمام السجاد عليه السلام: «اتّقوا الكذب الصغير منه والكبير، في كلّ جدٍّ وهزل، فاِنّ الرّجل اذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير».
وعن الاِمام العسكري عليه السلام: «جعلت الخبائث كلّها في بيت وجعل مفتاحها الكذب».
18 ـ خلف الوعد: قال الله تعالى في كتابه الكريم: (فأعقبهُم نفاقاً في قلوبهم الى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه) وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله أنّه قال: «من كان يؤمن بالله وباليوم الاَخر فليف اذا وعد» وعنه صلى الله عليه وآله: «أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً ومن كانت فيه خلّة منهّن كانت فيه خلّة من النفاق حتّى يدعها: اذا حدث كذب، واذا وعد أخلف، واذا عاهد غدر، واذا خاصم فجر».
19 ـ الاِصرار على الذّنب بتكرار ارتكابه وعدم تركه وعدم النّدم على فعله: قال الله سبحانه وتعالى: (والذين اذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفرُ الذنوب اِلاّ الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * اولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجناتٌ تجري من تحتها الاَنهار خالدين فيها ونعم اجر العاملين).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: «اِن من جملة علامات الشقاء الاِصرار على الذنب».
وعن الاِمام علي عليه السلام: «أعظم الذنوب ذنب أصرَّ عليه صاحبه».
وعن أبي عبدالله الصادق عليه السلام: «لا والله، لا يقبل الله شيئاً من طاعته مع الاِصرار على شيء من معاصيه».
20ـ احتكار الطعام بقصد زيادة سعره: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: «أيما رجل اشترى طعاماً فحبسه أربعين صباحاً، يريد به غلاء المسلمين، ثمّ باعه فتصدّق بثمنه لم يكن كفارة لما صنع».
وعنه صلى الله عليه وآله: «من احتكر فوق اربعين يوماً حرَّم الله عليه ريح الجنّة».
وعنه صلى الله عليه وآله: «من حبس طعاماً يتربّص به الغلاء أربعين يوماً، فقد برئ من الله وبرئ منه».
21ـ الغش: فعن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال: «مَنْ غشَّ مسلماً في شراء أو بيع فليس منّا» وقال صلى الله عليه وآله: «ألا ومن غشّنا فليس منّا». قالها ثلاث مرّات. «ومن غشّ أخاه المسلم، نزع الله بركة رزقه، وأفسد عليه معيشته، ووكّله الى نفسه».
وعن الاِمام الباقر عليه السلام أنه قال: «مَرَّ النبي صلى الله عليه وآله في سوق المدينة بطعام فقال لصاحبه: ما أرى طعامك اِلاّ طيّباً، وسأله عن سعره. فأوحى الله عزّ وجلّ اليه أن يدسَّ يده في الطعام، ففعل، فأخرج طعاماً رديّاً فقال لصاحبه: ما أراك اِلاّ وقد جمعت خيانة وغشاً للمسلمين».
22 ـ الاَسراف وعدم الاِقتصاد والتبذير واتلاف المال ولو كان قليلاً: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (وَكُلوا وأشربوا ولا تُسرفوا اِنّه لا يُحبُّ المسرفين) وقال تعالى: (واِنّ المسرفين هم أصحاب النار) وقال تعالى: (اِنَّ المبذِّرين كانوا اِخوان الشياطين وكان الشيطان لربِّه كفورا).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: «اِن الله اذا اراد بعبد خيراً، ألْهمه الاِقتصاد، وحسن التدبير وجنّبه سوء التّدبير، والاِسراف».
وعن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «أترى الله تعالى أعطى من أعطى من كرامة عليه، ومنع من منع من هوان به عليه؟ ولكن المال مال الله يضعه عند الرجل ودائع، وجوَّز لهم أن يأكلوا قصداً، ويشربوا قصداً، وينكحوا قصداً، ويركبوا قصداً ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين، ويلمّوا به شعثهم، فمن فعل ذلك، كان ما يأكل حلالاً، ويركب حلالاً، وينكح حلالاً، ومن عدا ذلك كان عليه حراماً، ثمّ قال عليه السلام: (ولا تسرفوا اِن الله لا يحبّ المسرفين)».
وعنه عليه السلام: «اِن القصد امرٌ يحبّه الله عزّ وجلّ واِن السرف يبغضه حتّى طرحك النواة فاِنّها تصلح لشيءٍ، وحتّى صبّك فضل شرابك».
23 ـ ترك أحد الواجبات: كترك الصلاة أو الصوم أو غيرهما من الواجبات: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «من ترك الصلاة متعمداً فقد برئ من ذمّة الله وذمّة رسوله».
وعن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «ولا ينظر الله الى عبده ولا يزكّيه لو ترك فريضة من فرائض الله، أو ارتكب كبيرة من الكبائر».
وعنه عليه السلام: أنّ الله أمَرَه بأمرٍ وأمَرَه اِبليس بأمرٍ، فترك ما أمَرَ الله عزّ وجلّ به وصار الى ما أمر به اِبليس، فهذا مع اِبليس في الدرك السابع من النار».
وهناك غير هذه وتلك لا يسع المجال لذكرها هنا، فراجعها اِن اِن شئت في كتب الحديث والفقه.
قال ذلك أبي، ثمَّ أضاف مؤكداً بحزم بينما راحت وتائر صوته تكتسي طابع صراحةٍ رزينة مؤثّرة.
قال: سأختتم حواريّة الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكلام لاَحد أكابر المجتهدين قدس سره جاء فيه: «اِن من أعظم افراد الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعلاها وأتقنها وأشدّها، خصوصاً بالنسبة الى رؤساء الدين: أن يلبس رداء المعروف واجبه ومندوبة وينزع رداء المنكر محرّمه ومكروهه، ويستكمل نفسه بالاَخلاق الكريمة، وينزّهها عن الاَخلاق الذميمة فاِن ذلك منه سببٌ تام لفعل النّاس المعروف ونزعهم المنكر، خصوصاً اذا أكمل ذلك بالمواعظ الحسنة المرِّغبة والمرِّهبة فاِن لكل مقام مقالاً، ولكل داء دواء. وطبّ النفوس والعقول أشدٌّ من طبّ الاَبدان بمراتب كثيرة. وحينئذٍ يكون قد جاء بأعلى افراد الاَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر».
وبحواريّة الاَمّر بالمعروف والنّهي عن المنكر سننهي حواريّاتنا ـ قال أبي ـ راجياً من الله عزّ وجلّ أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، نافعة لك ولاِخوانك المؤمنين، وسأخصِّص حواريّة غدٍ للاِجابة عن اسئلة عامّة تختارها أنت قد تكون اغفلت الاِجابة عنها حواريّاتنا السابقة أو أوجزتها أو قد تكون هذه الاَسئلة خارج نطاق بحث الحواريّات مارّة الذّكر.
قلت: فكرة جيّدة، وأتوقّع أن تكون مفيدة.
قال: فاِلى جلسة يوم غد اِن شاء الله.. الى جلسة الغد والحوارية العامّة.

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 19:09
الحواريّة العامّة الاُولى




بمجرد أن فارقني أبي مودّعاً، لملمت اوراق مذكرات «الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، لاَختتم بذلك آخر حوارية فقهيّة لموضوع مستقل، ولاَستعدّ بعد ذلك لفتح ملف خاص بالحواريّة القادمة، تلك التي ساُحدّد أنا اسئلتها وحواراتها واتجاهاتها كما وعدني أبي.‏
وما أن انقضت ساعة، حتى كنت قد دونت مجموعة اسئلة شكّلت النواة الاُولى لاَسئلة الحواريّة العامّة القادمة، اعقبتها بعد ذلك ساعات عمل وأعدادٌ من الاَسئلة.‏
وحين حلّ موعد الحوار، وجاء أبي وسلّم وحمد الله وأثنى عليه مبتدئاً الحواريّة العامّة، انهالت اسئلتي عليه، واطَّردت اِجاباته عنها.‏
وكان أول أسئلتي عن الجلود الطبيعية المصنَّعة والمستوردة من دول غير اسلامية، كاُوربا مثلاً وغيرها.‏
قلت لاَبي: رجل يلبس ساعة سوارها مصنوع من جلد طبيعي مستورد من بلد غير اسلامي، ولا يدري لابسه ما اذا كان هذا الجلد جلد حيوان مذبوح بطريقة اسلامية أم لا، أو يكون حزام بنطلونه من جلد كذلك فهل عليه أن ينزعهما عند ارادة الصلاة؟
قال: تصح صلاته به ما دام يحتمل احتمالاً معتدّاً به ان هذا السوار أو ذاك الحزام من جلد حيوان مأكول اللحم ومذبوح بطريقة شرعية.‏
ـ ومحفظة النقود الموضوعة داخل الجيب اثناء الصلاة اذا كان جلدها كجلد ذلك السِّوار مارّ الذكر؟
ـ تجوز الصلاة معها.‏
لنفترض أنّه اِطمأن بأن ذاك السوار أو الحزام من جلد حيوان غير مذبوح على الطريقة الاِسلامية ولكنّه صلّى به نسياناً ثمّ تذكّر وهو يصلّي فخلع ساعته أو حزامه فوراً؟
ـ تصح صلاته، اِلاّ اذا كان نسيانه ناشئاً من قلّة مبالاته واهتمامه بالاَمر [فيلزمه اِعادة صلاته].‏
غسّالة كهربائية تجفّف الملابس بعد قطع الماء عنها، تجفّفها بواسطة قوّة الدوران لا العصر، فهل يكفي ذلك في تطهيرها؟
ـ نعم يكفي ذلك في تطهيرها.‏
اصافح مرات بعض الاشخاص ويدي مبتلّة ولا ادري أمسلم هذا الذي صافحته أم كافر غير محكوم بالطهارة، فهل يجب عليّ أن اسأله لاَتأكّد؟
ـ كلا، لا يجب عليك سؤاله، يمكنك ان تقول اِن يدي التي لامست يده طاهرة.‏
طالب جامعي، أو تاجر، أو سائح، أو ما شابههم يسافر الى دول غير اسلامية كاُوربا مثلاً، حيث لا تكاد تخلو حياته اليومية من تماس مباشر مع سكانها من المسيحيين واليهود برطوبة مسرية.. في مقهى أو عند حلاّق أو طبيب أو صاحب مكوى أو غيرهم، ممّا يصعب عليه احصاؤه، فما العمل؟
ـ يبني على طهارة اجسامهم مالم يحرز تنجّسها بنجاسة خارجية.‏
لو دخلت منزلاً كان يقطنه قبلي اناس غير محكومين بالطهارة فهل يحقّ لي ان أحكم بطهارة كلّ شيء؟
ـ نعم، احكم بطهارة كلّ شيء، لم تعلم أو تطمئن بنجاسته.‏
دعني انتقل الى الصلاة فأسأل عن حكم شخص يصلي ويصوم ولكنّه كان كثيراً ما يخطيَ في الغسل.. فهو الاَن متأكّد تماماً من أن بعضاً من أغساله السابقة باطلة، ولكنّه لا يدري كم هي، وتبعاً لذلك فهو لا يدري كم صلاة باطلة صلاّها بها، وكم صيام؟
ـ صيامه صحيح وان كان غسله باطلاً، ولكن يجب عليه أن يقضي كلّ صلاة صلاّها بغسل باطل، واذا تردّدت بين الاَقل والاَكثر جاز له الاِقتصار على الاَقل.‏
احياناً اريد الصلاّة وفي جيبي بعض الاَوراق البيضاء، فهل يجوز لي السجود عليها؟
ـ نعم، يجوز لك السجود عليها اِن كانت طاهرة ومصنوعة من الخشب أو ما شاكله ممّا يصح السجود عليه، وهكذا اذا كانت مصنوعة من القطن أو الكتان.‏
والسجود على الاسمنت؟
ـ كذلك يجوز لك السجود عليه.‏
أسمع من جهاز تسجيل أو مذياع أو جهاز تلفزيون شريطاً مسجّلاً لمقرئ للقرآن يتلو آية يجب السجود لها، فهل أسجد؟
ـ كلا، لا يجب عليك السجود، اِلاّ اذا سمعتها من المقرئ نفسه لا من تسجيله.‏
اِمرأة تصلّي ولا تعلم أن بعضاً من شعرها خارج من تحت ساتر الرأس، فهل يجب عليَّ اِخبارها بذلك اثناء صلاتها أو بعدها؟
ـ كلا، لا يجب عليك اخبارها، ولو لم تعلم هي به حتى اتمّت صلاتها فصلاتها صحيحة، واذا علمت به في الاَثناء فبادرت الى ستره صحّت صلاتها ايضاً.‏
شخص يستيقظ قبل دخول وقت صلاة الفجر بدقائق فهل يحقّ له معاودة النوم ثانية اذا كان يعلم أو يحتمل احتمالاً قويّاً أنّه لا يستيقظ اِلاّ والشمس طالعة؟
ـ اذا كان ذلك تهاوناً واستخفافاً منه بالصلاة لم يجز.‏
طالب، أو عامل، أو موظف يدرس أو يعمل بمنطقة تبعد عن مدينته اكثر من 22 كليو متر، هو يذهب يوميّاً لمقرّ عمله ويعود الى مدينته، وربّما استمر كذلك لسنة أو اكثر، فما حكم صلاته هناك وصيامه؟
ـ يصلّي صلاة تامّة ويصوم.‏
ولو كان يسافر ثلاث مرات أو اربع مرات اسبوعياً طوال السنة لا من جهة كون مهنته في السفر، بل لاَغراض اُخرى كأن يكون للتنزّه والسياحة أو لعلاج مريض، أو لزيارة مراقد الائمّة عليهم السلام وامثال ذلك فما هو حكم صلاته؟
ـ يصلّي صلاة تامّة ويصوم، لاَنّه يعد بذلك كثير السفر عند العرف، ولو كان يسافر مرتين في الاسبوع ويقيم خمسة أيّام في وطنه [فعليه أن يجمع بين القصر والتمام وفي شهر رمضان يجمع بين الصيام فيه وقضائه بعده].‏
ما دمنا نتحدث عن السفر، فاسمح لي أن أسألك عن حكم شخص سافر بعد الزوال في شهر رمضان وكان صائماً.‏
ـ [يتمّ صومه] ولا قضاء عليه.‏
واذا سافر قبل الزوال، وكان ناوياً ومصمّماً على السفر من الليل؟
ـ [ليس له صيام هذا اليوم] فيفطر بعد وصوله الى حد الترخّص، وعليه قضاؤه بعد ذلك.‏
ولو سافر قبل الزوال ولم يكن ناوياً للسفر ولا مصمّماً عليه من الليل؟
ــ حكمه حكم الفرض السابق .‏
مسافر في شهر رمضان عاد الى وطنه أو محل اقامته بعد الزوال فهل عليه أن يمسك بقية ذلك النهار؟
ـ لا يجب عليه ذلك وان كان ينبغي له الاِمساك بقية يومه .‏
ولو عاد قبل الزوال وقد افطر في سفره؟
ـ حكمه كما تقدم .‏
ولو رجع الى وطنه أو محل اقامته، فوصل قبل الزوال ولم يفطر في سفره؟
ـ يجب عليه أن ينوي الصوم، ويجتنب المفطرات بقيّة ذلك النهار، ولا قضاء عليه حينئذ .‏
شخص يصوم في شهر رمضان سنين وهو لا يعلم بوجوب غسل الجنابة عليه جهلاً منه فلا يغتسل؟
ـ صومه صحيح، ولا تجب عليه الكفارة .‏
يستعمل بعض مرضى الحساسية « حساسية الصدر » جهازاً يساعدهم على التنفس المريح نسمّيه نحن « البخاخ » يرسل هذا الجهاز بعد ضغطه في الفم ما يشبه الغاز المضغوط، فهل يجتمع استعمال هذا الجهاز مع الصوم؟
ـ نعم، يبقى مستعمل هذا الجهاز على صومه ويصح منه .‏
هل يجوز تقديم وجبات الطعام للمفطرين في شهر رمضان، سواء في المطاعم أم البيوت، للمعذورين في افطارهم وغير المعذورين، اذا لم يستلزم ذلك التقديم هتكاً لحرمة الشهر الشريف؟
ـ يجوز للمعذورين [دون غيرهم].‏
لو حصل لديَّ اطمئنان شخصي بصحة الحسابات الفلكية لتولد الهلال بعد صدورها من مختصّين، فهل يمكنني ان اعتمد على اطمئناني هذا في اثبات اول الشهر فأصوم، أو العيد فأفطر؟
ـ لا أثر للاِطمئنان بتولد الهلال، ولا أثر كذلك للاَطمئنان بكون الهلال قابلاً للرؤية، بل لا بدّ من ثبوت الرؤية الفعلية منك أو من غيرك عندك، نعم يكفي ثبوت الرؤية الفعلية في بلد آخر اذا كان متّحداً مع بلدك في الافق بأن تكون الرؤية في ذلك البلد ملازمة للرؤية في بلدك لولا المانع من سحاب أو غبار أو جبل او نحوها.‏
المغذي او المصل وهو كيس من البلاستيك يحتوي على ماء وسكر وبعض الادوية، يعطى للمريض بواسطة الابرة في الدم مباشرة لمرض أو بدون مرض كأن يعطى للتغذية فهل يجب على الصائم اجتنابه؟
ـ لا يجب، واِن كان ينبغي له ذلك؟
سأنتقل الى الحج، فأسأل عن رجل استطاع مادياً في سنة من السنين ومنع من السفر، ولم يستطع الحصول على (الفيزة) ليحج تلك السنة، فاضطر لحاجته الحياتية الى صرف المال المخصّص للحج بعد الموسم، ثمّ لم يستطع بعد ذلك تحصيل المال الذي يكفيه لحجه؟
ـ اذا استطاع في السنين الاَتية وجب عليه الحج، واِن لم يستطع لم يجب عليه.‏
قلت لي في حواريّة الحج: أنك رميت «جمرة العقبة»، ولم تقل لي من أيّة جهة رميتها؟
ـ رميتها من قبل وجهها [فاِنّه لا يجوز رميها من جهة خلفها].‏
وقلت: اِنّك احرمت للحج من الميقات المسمى بـ (الجحفة) بعد وصولك الى جدّة بالطائرة، فلو احرم شخص ما جهلاً منه من جدّة نفسها لا من الجحفة.‏
ـ اذا كان قد نذر الاحرام من جدّة صح احرامه.‏
وقلت: اِنك بعد الطواف والسعي، قصّرت لنفسك، فلو قصّرت لاَحد من اخوانك طلب منك ذلك قبل أن تقصّر لنفسك؟
ـ لا يحق لي ان اُقصّر لغيري قبل أن اقصر لنفسي أولاً.‏
لو استطعت للحج هذا العام، وأنا طالب في الجامعة أو الثانوية وصادف موعد سفري للحج موعد امتحاني النهائي ممّا يؤدي سفري للحج الى رسوبي وضياع سنة دراسية عليَّ وفي ذلك حرج مادي ومعنوي شديد؟
ـ ما دام سفرك للحج يسبب لك حرجاً شديداً كما قلت، جاز لك ترك الحج في هذه السنة.‏
اسمح لي أن اتجاوز بعض الموضوعات لاَسأل عن فروض خاصة بالتجارة ابدؤها بالتعامل مع البنوك غير الاَهلية، فقد يودع بعض الاَشخاص اموالهم فيها للتوفير.‏
ـ قال أبي دعني اسألك اولاً: هل هذه البنوك تموّلها الحكومات في الدول الاِسلامية أو في الدول غير الاِسلامية؟ وهل يتم ايداع المال لديها بشرط أن تدفع الفائدة عليه أو لا؟
وما الفرق في كل ذلك؟
ـ الايداع في بنوك الدول غير الاِسلامية جائز في مطلق الاحوال واِن كان بشرط الحصول على الفائدة، وامّا الايداع في البنوك الحكومية في الدول الاِسلامية فاِن كان مع اشتراط الحصول على الربح فهو رباً محرم، واِن كان بدون هذا الشرط فالمسألة سالمة من الربا حينئذٍ ولكن لا يجوز التصرّف في المال المأخوذ منها اِلاّ بمراجعة الحاكم الشرعي أو وكيله.‏
وهل فرق في ذلك بين اصل المال والربح الذي يمنحه البنك للمودع؟
ـ لا، لا فرق بينهما.. لا يجوز التصرّف في شيء ممّا يؤخذ من البنوك الحكومية في الدول الاِسلامية اِلاّ بمراجعة الحاكم الشرعي أو وكيله.‏
ـ قلت لي انّه لا يجوز الايداع في بنوك الدول الاِسلامية مع اشتراط الحصول على الفائدة، فماذا تقصد بالشرط؟ كانّك تقصد ان يعزم المودع ويقرر في نفسه أن لا يطالب البنك بالفائدة لو لم يدفعها اليه؟
ـ لا، ليس هذا معنى الشرط، بل معناه أن لا ينيط الايداع بالتزام البنك بدفع الزيادة، وامّا البناء على المطالبة بالفائدة فيجتمع مع عدم الاشتراط كما يجتمع البناء على عدم المطالبة مع الاشتراط فاحدهما اجنبي عن الاَخر.‏
ولو كنت اعلم أن البنك سوف يدفع لي الزيادة وان لم اشترطها عليه فهل يجوز لي الايداع فيه في قسم الودائع الثابتة في حساب التوفير؟
ـ نعم يجوز لك ذلك ما دمت لا تشترط الفائدة عليه.‏
بعض الاشخاص يقترضون من البنوك، فيشترط عليهم البنك فائدة معينة كي يقرضهم، واحياناً يكون القرض مع الرهن؟
ـ لا يجوز الاقتراض من البنك اذا اشترط فائدة على اقراضهم لاِنّه رباً سواء أكان القرض مع الرهن أم بدونه، ولكن يجوز لهم قبض المال منه لا بقصد القرض ثم التصرّف فيه باذن من الحاكم الشرعي او وكيله، ولا يضر حينئذٍ علمهم بان البنك سيستوفي الفائدة منهم قهراً، فلو طالبهم البنك جاز لهم دفع الزيادة حيث لايسعهم التخلف عن دفعها الى البنك.‏
شخص لا يملك مسكناً يسكنه، فهل يحق له الاقتراض من البنك الحكومي بفوائد لغرض بناء مسكن لنفسه؟
ـ لا يجوز الاقتراض بشرط الفائدة لاَيّ غرض كان، ولكن يجوز أخذ المال منه لا بقصد الاقتراض وتصحيح التصرّف فيه بمراجعة الحاكم الشرعي أو وكيله كما سبق ان قلته لك.‏
وهنا أحبّ أن أكرّر ما ذكرته لك آنفاً من أن التصرّف في اموال البنوك الحكومية في الدول الاسلامية لا يجوز اِلاّ باذن من الحاكم الشرعي أو وكيله.‏
فلو سحبت مالاً من حسابك الجاري تقبضه وتتصرّف فيه باذن الحاكم الشرعي أو وكيله، ولو صرفت شيكاً عند البنك تقبض وتتصرّف في ماله باِذن الحاكم الشرعي أو وكيله؟ وهكذا غيرها.‏
ـ حدّثني عن فتح اعتمادات الاستيراد والتصدير في البنوك هل هو جائز؟
ـ نعم فتح الاعتماد لدى البنوك بكلا هذين القسمين امر جائز، وكذا يجوز للبنك اهلياً كان أو حكومياً تقاضي الفائدة من فاتح الاعتماد سواء أكانت الفوائد بازاء خدماته ـ التعهد باداء دينه والاتصال بالمصدّر وتسلم مستندات البضاعة وتسلميها اليه وامثال ذلك ـ أم كانت فوائد على المبلغ الذي يدفعه البنك من ماله الخاص للجهة المصدّرة لا من رصيد فاتح الاعتماد.‏
والكفالة أو التعهد المالي عند البنوك كأن يكفل البنك احد زبائنه امام جهة ما، رسمية مثلاً أو غيرها؟
ـ جائزة، حتى لو أخذ البنك عمولة عليها من الزبون لقاء كفالته تلك وتعهده.‏
وبيع الاسهم وشراؤها لشركة مساهمة مثلاً أو غيرها؟
ـ يجوز بيع وشراء الاسهم لشركة ما، شرط ان لا تكون معاملات تلك الشركة محرمة كما لو كانت تتاجر بالخمور أو تتعامل بالربا.‏
قد تطالب الشركات المساهمة وساطة البنك في بيع الاسهم التي تمتلكها، فيقوم البنك بدور الوسيط لقاء عمولة معينة؟
ـ يحق لها ذلك، وهي معاملة جائزة.‏
وبيع السندات؟
ـ لا يجوز بيع السندات، ولا يجوز للبنوك التوسّط في بيعها وشرائها، ومن الطبيعي ان لا يجوز أخذ العمولة على ذلك حينئذٍ.‏
وعمليات التحويل الداخلي والخارجي؟
ـ حدّد لي سؤالك بالضبط أو مثّل له كي اجيبك عن شيء محدّد.‏
يصدر البنك صكاً لعميله بتسّلم مبلغ ما على حسابه من وكيله في الداخل أو الخارج اذا كان للعميل رصيد مالي في البنك، ثم يأخذ البنك عمولة معينة جراء قيامه بهذا الدور؟
ـ يحق له ذلك.‏
يدفع شخص ما مبلغاً من النقود الى بنك في مدينة ما ويأخذ تحويلاً بالمبلغ أو بما يعادله على البنك في الداخل أو في الخارج، ثم يأخذ البنك عمولة معينة جراء قيامه بهذا العمل؟
ــ يحق له ذلك.‏
يقوم البنك ببيع العملات الاجنبية وشرائها نقداً مع زيادة مالية؟
ــ يحق له ذلك.‏
شخص له دين بذمة شخص آخر فيأخذ منه «كمبيالة» بذلك الدين ثم يرغب ان يبيع دينه المؤجل هذا باقل منه حالاً؟
ــ يحق له ذلك
الحوالات المصرفية، أقصد أن يحوّل المدين دائنه على البنك أو يحوّل البنك دائنه على فرع من فروعه في الخارج، أو ربّما على بنك آخر؟
ــ كلتا الحوالتين صحيحة شرعاً، ويحق للبنك اخذ عمولة جرّاء قيامه بعملية التحويل هذه.‏
عقود التأمين على الاَشخاص من خطر الوفاة أو بعض الطوارئ الاخرى أو على الاَموال كالطائرات والسيارات والسفن من خطر السقوط أو الحريق أو الغرق...؟
ــ كلها صحيحة، وملزمة للطرفين.‏
سأدع البنوك ومعاملاتها جانباً لاَسأل عن:‏ بيع مثقال مصوغ من الذهب بمثقال غير مصوغ منه، مع أخذ اُجرة الصياغة؟
ــ يحرم ذلك ولا يجوز، رغم انّه شائع عند الصاغة هذه الاَيّام، وقد اجبتك عن هذا السؤال سابقاً واؤكّده الاَن: يحرم ولا يجوز.‏
بعض حلي الزواج مصوغة من الذهب الاَبيض، فهل يجوز لبسها للرجال؟
ــ تقصد البلاتين؟
نعم.‏
ــ البلاتين فلز آخر غير الذهب، فيجوز لبسه للرجال؛ لاَن الممنوع عليهم انّما هو لبس الذهب بجميع عياراته دون غيره من الفلزات.‏
صنع الدمى على هيئة انسان أو حيوان جائز؟
ــ [لا، لا يجوز].‏
رسم صورة اِنسان أو حيوان من غير أن تكون مجسمة؟
ــ جائز.‏
بيع وشراء التماثيل المجسّمة للانسان والحيوان وعرضها للزينة؟
ــ جائز أيضاً.‏
بعض الملابس الرقيقة الناعمة يسمّيها الباعة حريراً خالصاً طبيعياً، ولا اعلم انّها حرير طبيعي أم لا، فهل يجب عليَّ أن اتحرى لاَتأكد؟
ــ كلا، لا يحب عليك أن تبحث لتتأكد، ويحق لك لبسها.‏
شراء وبيع المزمار والاسطوانات الغنائية ونحوها من آلات اللهو المحرم حرام، ولكن هناك آلات لهو مصنوعة للاَطفال لغرض تسليتهم، فهل يجوز بيعها وشراؤها؟
ــ تجوز اذا لم تعدّ من آلات اللهو المحرّم.‏
يتفق مالك قطعة ارض ومقاول على أن يقوم المقاول ببناء مسكن لصاحب الارض مقابل مبلغ محدد، فيشترط على المقاول ان يقوم باِنجاز البناء خلال سنة مثلاً فاذا تأخر المقاول عن هذه المدّة دفع غرامة شهرية محددة لصاحب المسكن.‏
وقد يشترط المقاول على صاحب المسكن أن يقوم هو باِنجاز بناء المسكن خلال سنة، شرط أن لا يتأخر صاحب المسكن عن تزويد المقاول بالمواد الانشائية خلال مدة العمل، فاِذا تأخر عن شرطه وضع عليه المقاول غرامة مالية محددة.‏
فاذا انتهت السنة ولم ينجز بناء المسكن، وكان سبب التأخير من صاحب المسكن، فرض عليه المقاول غرامة مالية قد تكون شهرية، وقد تكون دفعة واحدة، طالت فترة التأخير أم قصرت.‏
فهل يجوز اخذ الزيادة هذه في كلتا الصورتين علماً بانهما اشترطا ذلك ضمن عقد لازم؟
ــ يجوز اخذ الزيادة في كلتا الصورتين.‏
اجازات ورخص تأسيس الشركات ودور النشر والمعامل والمصانع وامثالها، لها في القانون وعند الناس (مالية) ما لم تلغ اعتبارها الدولة التي رخصتها واجازتها، فهي تورّث وتباع وتشترى وتنتقل ملكيتها من شخص الى آخر فهل هي كذلك شرعاً؟
ــ نعم في خصوص الممضاة منها من قبل الحاكم الشرعي.‏
بعض دور النشر تقوم بطبع كميات تجارية من كتاب ما بدون اذن مؤلف الكتاب أو ناشره، رغم وجود عبارة «حقوق الطبع محفوظة للمؤلف أو الناشر»؟
ــ لا أثر للكتابة المذكورة اِلاّ في اطار قانون ينظم حقوق المؤلفين والناشرين ونظرائهم ويكون ممضى من قبل الحاكم الشرعي.‏
تحنيط الحيوانات وعرضها في غرف الاستقبال أو صالات الجلوس للزينة؟
ــ جائز.‏
بيع الدم وشراؤه للعلاج؟
ــ جائز.‏
بيع ما لا يؤكل لحمه كالارنب لمن يسمح له مذهبه بأكله؟
ــ جائز.‏
قلت لي فيما مضى [ان جلوسك على مائدة يشرب عليها شيء من الخمر حرام] فهل يحق لي التعاقد على عمل لقاء اجر مع صاحب محل يبيع في محله الخمر والبيرة والميتة مع اشياء اخرى يجوز بيعها، علماً بانّي لا ابيع اِلاّ الاشياء المحلّلة؟
ثم ما حكم المال المأخوذ اجرة اذا دفعه صاحب المحل من صندوقه الذي يجتمع فيه ثمن الخمر والميتة وثمن المبيعات المحلّلة؟
ــ اذا كنت تتعاقد معه للقيام ببيع الاشياء المحلّلة فقط فلا ضير في ذلك، وراتبك الذي تتسلمه منه حلال لك مادمت لا تعلم باشتماله بعينه على الحرام .‏
هل يحقّ لي ان أشتغل في مطعم وظيفتي فيه ان اطهو اللحم غير المذكّى تذكية شرعية، مع عدم قيامي بتقديم ذلك للزبائن لاَن عملي يقتصر على الطبخ فقط؟
ــ يجوز لك ذلك .‏
سأنتقل في اسئلتي الى الطعام والشراب فأسأل أولاً عن جواز أكل وبيع وشراء الدجاج المستورد من بلدان اسلامية مكتوب عليه جملة « مذبوح على الطريقة الاِسلامية »؟
ــ يجوز لك اكله وبيعه وشراؤه ما لم تعلم عدم تذكيته سواء اكتبت عليه الجملة المذكورة أم لا .‏
وذاك المستورد من بلدان غير اسلامية مكتوب عليه عبارة « مذبوح على الطريقة الاِسلامية »؟
ــ لا يجوز لك اكله، اذا لم تطمئن بانّه مذبوح على الطريقة الاِسلامية حقاً ، لا ادّعاءً .‏
الجبن المستورد من بلاد غير اسلامية اذا لم اعرف بالضبط طريقة صناعته ومحتوياته؟
ــ يجوز لك اكله .‏
بعض انواع السمك لا يغطي الفلس كل جسمها فهل يجوز اكلها؟
ــ نعم يجوز لك أكلها حتى لو كان عليه فلس واحد .‏
السمك المعلب المستورد من بعض البلاد الاوروبية والامريكية هل يحق لنا الاكل منه فاننا غير متيقنين بتذكيته من جهتين.‏
أولاً : انا لا نعلم بوجود فلس عليه ولكن اسم السمك المثبت على الغلاف مما له فلس علماً ان الدول المصدّرة لهذا النوع من المعلبات تطبّق قوانين صارمة في مطابقة المواصفات المسجّلة على الغلاف لما في داخله .‏
ثانياً : انا لا نعلم بتحقق الاستيلاء عليه خارج الماء حيّاً أو موته داخل شبكة الصيد او حظيرته ولكن من المعروف انه يصطاد بسفن الصيد الحديثة التي تعتمد اخراج السمك من الماء حيّاً وقلّما يختلط بها شيء من الميتة؟
ــ اذا حصل الاطمئنان بكونه مذكى ـ ولو بالنظر الى الملاحظتين المذكورتين ـ جاز الاكل منه واِلاّ لم يجز .‏
هناك مطاعم منتشرة في اسواق المسلمين تقدم لزبائنها اللحوم؟
ــ يجوز لك اكل لحومها .‏
حتى من دون سؤال صاحب المطعم عنها؟
ــ نعم يجوز لك اكلها من دون حاجة الى سؤال صاحب المطعم عنها، كما لا حاجة الى سؤاله عن ديانة العاملين في المطعم .‏
البيرة الخالية من الكحول، هل يجوز شربها وهل هي طاهرة؟
ــ لعلك تقصد الشراب الذي يتعارف صنعه من نقيع الشعير المخمر ويوجب النشوة عادة ويسمى بالفقّاع وهو حرام [ كما انه محكوم بالنجاسة ].‏
هل يجب الفحص والتأكّد قبل تناول الدواء من سلامة تركيبه لمعرفة ما اذا كان يحتوي على مواد محرمة؟
ــ كلا، لا يجب الفحص والتأكّد .‏
تحتوي كثير من الادوية والمطهرات على الكحول بنسب ضئيلة، فهل يحق لي تناولها، وهل هي نجسة؟
ــ هي غير نجسة ويجوز لك تناولها.‏
هناك كثير من الاَسئلة العامّة المتفرقة ضمن موضوعات مستجدة .‏
ــ سل ما شئت .‏
سأبدؤها أولاً بسؤال عن جواز التبرع بالعين أو الكلية من انسان حي الى انسان حي آخر؟
ــ لا يجوز التبرع بالعين، وامّا التبرع بالكلية لمن لديه كلية اُخرى سليمة فجائز .‏
يوصي بعض الاشخاص باستئصال بعض الاجزاء من جسمه بعد موته لزرعها في جسم انسان محتاج اليها فهل تصح مثل هذه الوصية ويجوز قطع تلك الاجزاء حينئذ؟
ــ [ كلا لا تصح ولا يجوز ]، اذا كان الموصي مسلماً اِلاّ اذا توقف انقاذ حياة مسلم على ذلك فيجوز حينئذ وان لم يوص بها صاحبها، ولكن [تثبت الدية على القاطع] اِلاّ مع الوصية بالقطع فلا تثبت الدية عليه.‏
احياناً تربط انابيب مرور البويضة داخل جسد المرأة وتغلق اذا كان الحمل يمثل خطراً على صحتها، مع امكانية فتحها بعد ذلك من خلال عملية جراحية؟
ــ يجوز ذلك، وان لم يمكن فتحها ثانية .‏
تقوم بعض الشركات بتجربة دواء على مريض دون علمه واخباره لملاحظة ان الدواء فعّال وناجح؟
ــ لا يجوز لها فعل ذلك .‏
التشريح، تشريح الجثة بعد الموت اذا كان لسبب معقول، كاكتشاف جريمة أو تعليم الطب أو ما شاكل ذلك؟
ــ لا يجوز تشريح الميت المسلم لمثل هذه الاسباب، وامّا تشريح الميت الكافر غير المحقون دمه في حال حياته فجائز وكذا المشكوك كونه محقون الدم في حال الحياة اذا لم تكن امارة شرعية على كونه كذلك .‏
كثيرة هي التقارير الطبية التي تصرح باضرار التدخين، من ذلك ان التدخين سبب رئيسي لاَمراض القلب والاَوعية الدموية والشرايين، وارتفاع ضغط الدم، وسرطان الرئة، والذبحة الصدرية، اضافة لاَضراره الاُخرى على العائلة والمجتمع .‏
فهل يجوز لغير المدخّن ان يبدأ من الاَن فيدخن؟
وهل يجوز للمعتاد على التدخين الاستمرار عليه؟
ثم هل يجوز للمرأة الحامل التدخين، والاطباء يقولون ان الجنين يتأثر بتدخين اُمّه؟
ــ اذا كان التدخين يلحق ضرراً بليغاً بالمدخّن أو المدخّنة، أو بجنينها، فهو حرام سواء في ذلك المبتدىء والمعتاد الذي لا يتضرر بتركه ضرراً بليغاً واما المتضرر بتركه كذلك فيلاحظ أيهما أقلّ ضرراً الاستمرار على التدخين ام تركه فيأخذ به .‏
قد تقدّم بعض الهدايا للعائلة بمناسبة مولود جديد وتتخذ الهدية عادة شكل مصوغات ذهبية، أو مأكولات، أو نقود، فهل هي للمولود الجديد أو لوالديه؟
ــ تختلف الهدايا في ذلك، فمنها : ما يحمل شاهداً على كونها للمولود الجديد كبعض المصوغات الذهبية المناسبة للمولود فهي له، ومنها : ما ينتفع منه غير المولود كالمأكولات ونحوها فهي لوالديه، والظاهر أن النقود التي توضع تحت وسادة المولود أو تدسّ في ثيابه تعدّ من القسم الاول فتكون للمولود نفسه .‏
هل يجوز تصرف الوالدين بمال ولدهما غير البالغ؟
ــ يجوز ذلك للاَب اذا لم يشتمل تصرّفه على مفسدة للولد، واما الام فليس لها ان تتصرف في ماله من دون اذن الاب او الجد للاَب فان أذن أحدهما لها ولم يشتمل على مفسدة للولد جاز، أمّا بما يعود لولدهما بالضرر فلا يجوز، بل يجب عليهما حفظ امواله حتى يكبر .‏
السحر الابيض الذي يستخدم للخيرات، عكس السحر الاسود الذي يستخدمه الشرّيرون هل يجوز استخدامه؟
ــ السحر بجميع اشكاله وانواعه حرام [حتى ذاك المستخدم في ابطال السحر]. اِلاّ اذا توقفت عليه مصلحة أهمّ كحفظ النفس المحترمة .‏
تحضير الارواح لسؤالها عن حال صاحبها وعن البرزخ وغير ذلك من الامور الاُخرى .‏
ــ يحرم تحضير روح من يضره تحضير روحه من النفوس المحترمة دون غيرهم .‏
بعضهم يدّعي تسخير الملائكة؟
ــ لا اساس لهذه الدعوى .‏
الصور المرسومة للنبي صلى الله عليه وآله والائمّة عليهم السلام هل يجوز تعليقها في المنزل؟ وهل يصح الاعتقاد بأنّها صورهم صلوات الله عليهم؟
ــ يجوز تعليقها، وامّا الاعتقاد بمطابقتها لهم عليهم السلام فهو اعتقاد خاطئ يقيناً‏.‏
يخرج بعض المخرجين فلماً تاريخياً عن النبي صلى الله عليه وآله أو الائمّة عليهم السلام:‏
أ ـ هل يجوز أن يتقمّص شخصيّة النبي الكريم صلى الله عليه وآله ممثّل يظهر امام الجمهور على أنّه النبي صلى الله عليه وآله وهكذا الحال بالنسبة الى الائمّة عليهم السلام؟
ب ـ واذا كانت الاِجابة بالجواز فهل يشترط ان يكون ذلك الممثّل مؤمناً؟
ــ يجوز تمثيل شخصيّاتهم عليهم الصلاة والسلام ولكن بشرط أن لا يسيء ذلك ولو في الزمان المستقبل الى مقاماتهم الشريفة وصورهم المقدّسة في النفوس ولعل لصفات الممثل الذي يؤدي دورهم عليهم السلام وخصوصياته بعض الدخل في ذلك .‏
يرمي الناس الجرائد والمجلات وبعض الكتب المحترمة في أماكن تجمع النفايات برغم احتوائها على بعض الاَيات القرآنية أو اسماء الله سبحانه وتعالى؟
ــ لا يجوز ذلك، ويجب رفعها من تلك الامكنة وتطهيرها اذا اصابها شيء من النجاسة .‏
عند وقوع مشاجرة كلامية يتلفّظ بعض الاشخاص ـ للاسف ـ بألفاظ معناها الكفر بالله سبحانه وتعالى، كما يتلفّظون بما لا يليق بالمعصومين عليهم السلام، وهم غير جادّين فيما يقولون، فهل يجب أن يقام عليهم الحدّ لذلك؟
ــ ما داموا غير جادّين ولا قاصدين لما يقولون، فلا يقام عليهم الحدّ الشرعي واِنّما يستحقون التعزير .‏
ولو كانوا جادّين قاصدين في سبهم لله عزّ وجلّ، أو للنبي صلى الله عليه وآله، أو للائمّة عليهم السلام، أو للدين، أو للمذهب، وقاصدين ذلك باِصرار منهم عليه؟
ــ حكمهم القتل .‏
بقيت بعض الاَسئلة المتفرّقة من هنا وهناك؟ واعذرني من الاِطالة .‏
أيجوز للمرأة أن تتعلم قيادة السيارة عند رجل غريب، مع ما يستلزم ذلك من انفرادها به، وذهابها معه الى أماكن صالحة للتدريب، وهي أماكن تخلو عادة من الازدحام؟
ــ يجوز لها ذلك، شرط الاَمن من وقوعها في الحرام .‏
وهل يحق لها ان تلتقط صورة لها من دون حجاب، لتضعها على جواز السفر مثلاً؟
ــ اذا اضطرت الى وضع صورة مكشوفة على جواز سفرها أو على أية وثيقة رسمية اُخرى جاز لها ذلك، ولكن ليكن الملتقط للصورة زوجها أو احد محارمها، ومع الضرورة يجوز لها التصوير لدى المصورين الاجانب ايضاً .‏
هل يجوز ذبح حيوان من قفاه؟
ــ يجوز .‏
هل يجوز نبش قبر الميت، اذا كان ذلك لا يلزم هتك حرمة الميت؟
ــ لا يجوز اِلاّ في موارد خاصة فصلتها الكتب الفقهية منها موارد الضرورة .‏
اعطاء فلم يحتوي على صور نساء محجّبات في حالة تكشّف لرجل غريب اجنبي عنهن، لغسله وتحميضه وطبعه؟
ــ يجوز ذلك اذا لم يعرف من يقوم بالغسل والتحميض والطبع النساء المصورات في الفلم ولم تكن الصورة مثيرة او موجبة للافتتان .‏
مال وجدته في مكان عام في شارع مثلاً، أو سوق، أو مطار، أو محطة قطار، أو ميناء، أو سيارة تاكسي، وأنا واثق بعدم اِمكانية عثوري على صاحبه؟
ــ تصدّق به نيابة عنه .‏
ولو وجد طفل مبلغاً ـ ولنقل كبيراً ـ من النقود المتداولة؟
ــ اذا لم يكن يحمل مواصفات معينة يمكن أن يصفه بها صاحبه فيتوصل بها اليه جاز لولي الطفل اخذه وتمليكه له، واِلاّ وجب التعريف به كما ذكرته لك في حواريّة سابقة .‏
سأنتقل الى سؤال عقائدي هذه المرّة فأسأل عن جواز طلب الرزق أو الولد أو الحفظ أو الشفاء من المعصومين مباشرة؟
ــ دعني أسألك أولاً :‏
تطلب منهم ذلك، لاَنّهم يخلقون، أو يرزقون، أو يحفظون؟
كلا، بل لاَنّهم الوسيلة الى الله سبحانه وتعالى والشفعاء اليه بقضاء الحاجات ولاَنّهم لا يفعلون شيئاً اِلاّ باِذنه جلّ وعلا .‏
ــ تقصد يسألون الله تعالى فيخلق، ويسألونه فيرزق، ويسألونه فيحفظ، ولاَنّهم شفعاء لا تردّ لهم مسألة أو دعاء، ولمنزلتهم منه جلّ شأنه، ولولايتهم علينا؟
نعم، نعم . . اقصد ذلك .‏
ــ هذا جائز. قال سبحانه وتعالى: (وابْتَغوا اِليهِ الوَسيلَة) وهم عليهم السلام وسيلتك الى الله سبحانه وتعالى، هذا جائز.‏

* * * * *

الطاهرة
28-10-2010, 19:10
الحواريّة العامّة الثانية




اسئلة كثيرة تراود أذهان الناس، وخاصّة الشباب منهم، الحّت عليَّ وانا اطرح اسئلتي في الحواريّة العامّة الماضية، تجاوزتها عن عمد لما بعدها على امل ان أحظى بتخصيص حواريّة مستقلة لها فيما بعد وها هو ذا املي يتحقق، فقد طال بنا الحوار الى الحدّ الذي اصبح معه طلب تخصيص جلسة قادمة لحواريّة اُخرى وارداً ومقبولاً بل وحتّى مستحسناً .
فها أنذا أطلب . . . وها هو ذا أبي يجيب طلبي .
قلت في نفسي : لاَبدأ حواري اليوم بأسئلة حول معاناة بعض الطلبة وهم على مقاعدهم الدراسية من ظواهر احبّ أن اعرف وجهة نظر المشرّع الاسلامي فيها.. قلت لاَبي :
بعض طلبة الطب الفيزيائي يتعلّمون مادة التدليك ممّا يستوجب لمس جسد المرأة المريضة والتعامل معه بما تستدعيه الحالة المرضية، ولو رفض الطالب ذلك لرسب في الامتحان، فهل يجوز دراسة هذا العلم والتخصص به؟
ــ يجوز للطالب ذلك اذا كان يعلم أو يطمئن بأن تخصّصه هذا مما سيتوقف عليه حفظ بعض النفوس المحترمة ولو في المستقبل، ولتكن ممارسته للتدليك حينئذٍ على نحو لا تؤدي الى اثارة جنسية .
في كليات الطب يتحتم على الطالب أن يقوم بفحص المرأة الغريبة عنه والرجل، وربّما وصل بهما الفحص الى جهازهما التناسلي الذكري، أو الانثوي، أو المخرج، فهل يجوز لطالب الطب ذلك الفحص؟ وهل يجوز للطبيب المتخرّج ذلك اذا توقف عليه حفظ بعض النفوس المحترمة ولو مستقبلاً .
ــ نعم يجوز لطالب الطب والطبيب كليهما ذلك اذا توقف حفظ بعض النفوس المحترمة عليه، ولو في المستقبل .
في المستشفيات تقوم الممرضات بجسّ النبض وقياس ضغط الدم وتضميد الجرح وغير ذلك :
1 ـ فهل على الرجل المريض رفض لمس الممرضة لجسده؟
ــ يمكنه ان يطلب قيام احد الممرضين بالاعمال المذكورة او يطلب من الممرضة أن تلبس قفازاً او تضع حاجزاً كالمنديل ليحول ذلك دون لمس جسده .
2 ـ احياناً تدعو الحاجة المرضية الى اللمس المباشر ولا يوجد الممرض او يكون طلبه محرجاً او تكون الممرضة ارفق بالمريض من الممرض؟
ــ اذا دعت الضرورة للفحص او العلاج وتوقف على اللمس المباشر جاز ذلك في مفروض السؤال مع الاقتصار فيه على مقدار الضرورة.
3 ـ قد يكون الجرح في منطقة العورة ويحتاج الى التضميد فما العمل؟
ــ على المريض أن يطلب من الممرض ـ رجلاً كان أو امرأة ـ ان تلبس قفازاً او يضع حائلاً ليحول دون لمس العورة وان لم يتيسر ذلك جاز اللمس بمقدار ما تدعو اليه ضرورة التضميد .
لو ابدلنا اللمس بالنظر في الحالات السابقة فما هو حكم النظر؟
ــ حكم النظر المحرم نفس حكم اللمس المحرم فيجري عليه ما تقدم من التفصيل .
في الحالات المتقدمة اذا كان المريض امرأة والممرض رجلاً فهل يكون الحكم نظير ما مرَّ؟
ــ نعم .
بعض الاَزواج غير الملتزمين دينيّاً يطلب من زوجته ترك الصلاة، أو رفع الحجاب الشرعي، أو تقديم الخمر أو البيرة للضيوف، أو مشاركته في لعب القمار، أو مصافحة القادمين . . ويجبرها على ذلك في حالة امتناعها عنه، فهل يحق للزوجة ترك مساكنته حفاظاً على واجباتها الشرعية؟
ــ نعم، يحق للزوجة ترك مساكنته حينئذٍ بمقدار ما تمليه الضرورة، ومع ذلك تستحق عليه النفقة كاملة .
اِمرأة ملتزمة بالحجاب الشرعي، ولكن زوجها يمنعها من ذلك ويخيّرها بين خلع الحجاب والطلاق؟
ــ ليس لها أن تخلع حجابها واِن انجر امرها الى الطلاق .
ولكن الطلاق يسبب لبعضهن حرجاً وضيقاً ومشقة شديدة؟
ــ لتتحمّل الحرج والمشقة.. ولتتذكّر قوله تعالى: (وَمَنْ يَتّقِ الله يَجْعَل لهُ مَخْرَجاً ويرْزقهُ مِنْ حيثُ لا يَحْتَسِب).
استعمال وسائل منع الحمل شائع هذه الاَيّام، فلو لزم الضرر أو الحرج من استعمال العقاقير وامثالها، وتوقف الاَمر على وسائل لابدّ معها من اجراء الكشف الموضعي لدى الطبيب أو الطبيبة، فهل يسوغ ذلك للمرأة، علماً أن الحمل يسبب لها ضرراً أو حرجاً؟
ــ يجوز، مادامت تواجه في كلّ من الحمل واستعمال الطرق الاُخرى للمنع عنه ضرراً أو حرجاً لا يتحمل عادة، ولكن اذا كان ذلك يستدعي بالاضافة الى كشف الجهاز التناسلي كشف بعض المواضع الاُخرى من بدنها كاطراف الجهاز التناسلي فعليها ان تراجع الطبيبة، فان لم تتمكن من ذلك تراجع الطبيب.
هل يجوز للمرأة أن تنظر الى المنطقة المحصورة بين السرة والركبة من جسد اِمرأة اُخرى باستثناء القبل والدبر؟
ــ نعم يجوز لها ذلك من غير اثارة جنسية.
بعض النساء يمتنعن من الاِنجاب وازواجهن يريدونه؟
ــ وكيف يمتنعن من الاِنجاب؟
ــ باستعمال العقاقير أو بزرق الابرة أو بغسل الرحم بعد الجماع؟
ــ هذا كلّه جائز اذا لم يلحق بهن ضرراً بليغاً.
واللولب؟
ــ اذا علمت المرأة انّه يؤدي الى تلف البويضة بعد تخصيبها بحويمن الزوج [لم يجز لها استعماله].
والعزل.. بان يمنعن ازواجهن من افراغ المني في المهبل اثناء الجماع؟
ــ لا يحق لهن ذلك.
وهل للزوج أن يجبر زوجته على عدم الانجاب وهي تريده؟
ــ وكيف يجبرها على ذلك.
يجبرها على اخذ الحبوب أو زرق الابرة أو استعمال اللولب؟
ــ لا يحق له ذلك.
يعزل عنها اثناء الجماع؟
ــ نعم يحق له ذلك.
وهل له ان يستعمل العازل الطبي عند الجماع؟
ــ نعم [ولكن لابدّ من اخذه موافقتها على ذلك].
بعض العقاقير الطبية تتناولها النساء لتمنع نزول العادة الشهرية عندها؟
ــ يجوز لها ذلك الاستعمال.
في الاَيّام الاولى من الحمل يكون من السهل اِسقاط الجنين، فهل يحق للاُم ان تسقطه؟
ــ كلا، لا يجوز لها ذلك اِلاّ اذا كانت تتضرر من بقائه في رحمها أو يكون بقاؤه حرجيا عليها بمقدار لا يتحمل عادة.
تعانق وتقبّل بعض النساء النساء في المطارات والشوارع العامّة والساحات والاسواق؟
ــ عناق النساء للنساء وتقبيل بعضهم للبعض جائز شرط ان يتم من دون حصول فعل محرّم.
تخرج النساء هذه الايّام في الشوارع العامّة وهنّ كاشفات لبعض ما يجب عليهن ستره، فهل يجوز النظر اليهن بدون شهوة وتلذذ جنسي؟
ــ نعم يجوز ذلك اذا كنَّ لا ينتهين اذا نهين عن التكشف.
من المألوف هذه الايّام ان تضع المرأة الكحل في العينين والمكياج على الوجه وتلبس الخاتم والقلادة والسوار للزينة ثم تخرج امام الناس في الاسواق والشوارع؟
ــ لا يجوز لها ذلك اِلاّ في الكحل والخاتم والسوار بشرط ان تأمن من الوقوع في الحرام ولا تقصد بها اثارة الرجال الاجانب.
ما دمنا نتحدث عن الحجاب، أود أن أسأل عن امرأة تخرج للناس وظاهر قدمها مكشوف لعين الناظر الاجنبي؟
ــ لا يجوز لها ذلك.
واُخرى تصلّي وظاهر قدمها مكشوف كذلك؟
ــ هذه يجوز لها ذلك، فكشف ظاهر القدمين وباطنهما في الصلاة جائز
تركب بعض النساء سيارات الاجرة، وتكون هي والسائق لا ثالث لهما؟
ــ وهل يؤدي ذلك الى اثارة الشهوة او الوقوع في فعل محرّم؟
كلا، اسأل عن حالة اعتيادية سائدة هذه الايّام.
ــ ما دامت تأمن على نفسها من الوقوع في الحرام اذا ركبت معه وحدها فهو جائز.
التفكير بالنساء عدا الزوجة عن قصد وعمد بما في ذلك تصوير الممارسة الجنسية في الذهن اذا صاحبه انتصاب عضو الذكورة من دون انزال السائل المنوي؟
ــ لا يحرم اذا لم ينته الى محرّم.
ذكرت لي في حواريّة سابقة ان ممارسة العادة السرية حرام. هل ان الرجل والمرأة في ذلك سواء؟
ــ نعم فكما لا يجوز للرجل ان يداعب عضوه التناسلي حتى يقذف فكذلك لا يجوز للمرأة ان تداعب عضوها التناسلي حتى تنزل.
حالة مرضية استدعت ان يطلب الطبيب من مريضه فحص السائل المنوي بعد تعذّر اخراجه بالطريق الشرعي، لاَن اخراجه لابدّ ان يكون عند الطبيب؟
ــ اذا اضطر المريض الى ذلك جاز له .
واذا اراد الشخص ان يختبر مدى قدرته على الانجاب، فطلب منه الطبيب ان يخرج السائل المنوي ليفحصه؟
ــ ما دام غير مضطر لذلك فلا يجوز له الاستمناء .
في الاَونة الاخيرة . . . وبفضل الوسائل العلمية الحديثة يمكن استعلام وضع الجنين وما اذا كان مصاباً بعاهة خلقية ام لا، فاذا ثبت علمياً كونه مشوهاً ومصاباً بعاهات أو عاهة واحدة فهل يجوز اسقاطه؟
ــ تشوه الجنين ليس بمجرده مسوغاً لاِسقاطه، نعم اذا كان بقاؤه في رحم الاُم ضرريّاً على صحتها او حرجياً عليها بحدّ لا يتحمل عادة جاز لها اسقاطه وذلك قبل ولوج الروح فيه وامّا بعده فلا يجوز الاِسقاط مطلقاً .
التلقيح الصناعي شائع في هذه الايّام ويقع على انحاء مختلفة احبّ ان اعرضها عليك لاَعرف وجهة نظر المشرّع الاِسلامي فيها .
ــ تفضل .
يؤخذ السائل المنوي من الزوج وتحقن به زوجته بطريق الابرة أو ما شاكل من الطرق؟
ــ يجوز في حدّ ذاته .
وهل يجوز ان تحقن به امرأة اخرى غير زوجته؟
ــ لا، لا يجوز.
يؤخذ حويمن الزوج وبويضة الزوجة ويتم التخصيب في انبوبة الاختبار ثم تعاد البويضة الى رحم الزوجة؟
ــ هذا ايضاً جائز في حدّ ذاته.
يؤخذ حويمن من الزوج وبويضة امرأة اخرى غير زوجته فتخصّب ثم تنقل الى رحم الزوجة؟
ــ هذا يجوز ايضاً في حدّ ذاته.
وبمن يلحق الولد في هذه الحالة؟ بصاحبة البويضة ام بصاحبة الرحم الذي تكامل فيه اقصد من تكون امه النسبية؟
ــ في المسألة احتمالات فلابدّ من رعاية الاحتياط بينهما.
تؤخذ البويضة من المرأة تخصّب بحويمن رجل غير زوجها ثم تعاد الى رحمها؟
ــ ينبغي الاجتناب عن ذلك.
أعود الى الطلبة وقضاياهم مرة اخرى، فأسأل عن ضرب التلاميذ في المدرسة، وهل يجب اخذ اذن ولي امر التلميذ المراد ضربه؟
ــ يجوز ضرب التلاميذ في حالة ايذائهم للاَخرين، أو ارتكابهم فعلاً محرّماً، وبأذن الولي ثلاثة اسواط [لا ازيد] ويلزم ان يكون الضرب برفق الى الحد الذي لا يوجب احمرار البدن واِلاّ اِستوجب الدية.
هل يجوز الغش في الامتحانات المدرسية اذا كان بعض المدرّسين هم الذين يساعدون الطلاب عليه؟
ــ لا يجوز ذلك.
بعض طلبة كلية الفنون الجميلة يتعلّمون صنع التماثيل ونحوها من الصور المجسمة لمخلوقات ذوات ارواح، وان امتناعهم عن المشاركة في صنعها سيحرمهم من النجاح والتخرج من الكلية فهل يجوز لهم ذلك؟
ــ حرمانهم من النجاح على تقدير تركها لا يصلح لوحده مسوغاً لارتكاب هذا العمل [المحظور شرعا].
والكرة... لعب الكرة بكافة اشكالها وانواعها، ضمن مباريات بدون رهان جائز هو؟
ــ نعم جائز.
والمصارعة والملاكمة بدون رهان؟
ــ جائزتان، اذا لم تؤديا الى وقوع ضرر بدني بليغ.
من المسائل التي تهم الرجال «حلق اللحية» فقد يحلق بعض الرجال لحاهم ويبقون شعر الذقن وحده، فهل يكفي ذلك شرعاً؟
ــ [لا يكفي] .
واذا حلق لحيته بالموسى هذا اليوم، فهل يجوز له امرار الموسى على مكانها في اليوم اللاحق قبل ان ينبت الشعر بمقدار يصدق عليه اللحية؟
ــ [لا يجوز له ذلك].
اسمح لي ان انتقل الى السؤال عن العلاقة بين الوالد وولده، لاَسأل ـ بعد الاعتذار منك ـ عن حدود ما يجب على الولد الالتزام به من أوامر والديه؟
ــ يوجب الاَسلام على الولد معاشرة والديه بالحسنى.
حسناً، فهل يحسن شرعاً اطاعة الوالدين في كل شيء حتى في الامور اليومية الحياتية كأن يقول الوالد لولده: كُلْ هذه الفاكهة أو نمْ في الساعة العاشرة أو ما شاكل ذلك؟
ــ نعم، يحسن له ذلك.
اذا نهى الوالد ولده عن فعل شيء معين محتملاً أن ضرراً ما سيعود على ولده ان هو فعله، علماً بأنّه في اعتقاد الولد غير مصيب في ذلك؟
ــ لا يجوز مخالفة الوالد في حالة كهذه، بان كان يتأذى من مخالفته شفقة على الولد.
اذا قال الوالد لولده انا اعلم انّه لا يترتب على سفرك ضرر عليك يا ولدي ولكن فراقك لي ونأيك عني وابتعادك يشق عليَّ ويؤذيني فلذا انهاك عن السفر؟
ــ قبل ان اجيبك عن السؤال دعني اسألك هذا السؤال.
لو اطاع الولد والده ولم يسافر، فهل سيتضرر جراء عدم سفره؟
كلا، لا يتضرر الولد، ولكن سوف يحرم من تحقيق رغبته.
ــ اذن، لا يجوز له ان يسافر مادام في سفره هذا اذى لاَبيه.
سأنتقل الى موضوع يشغل بال كثير من الشباب الاَن وهو اللعب بالشطرنج والطاولي ولكن بدون رهان؟
ــ لا يجوز اللعب بهما.
يلعب بعض الناس بغير الشطرنج والطاولي من الاَدوات أو الاَلات المعدّة للقمار ولكن للتسلية وبدون رهان؟
ــ [يحرم اللعب بكلّ ما عدّ آلة للقمار ولو بغير رهان].
بعض الالعاب الالكترونية تظهر على التلفاز بواسطة جهاز يسمى «الاتاري» ويلعب بها بواسطة ازرار وهي للتسلية وتلعب من دون رهان؟
ــ اذا كانت الصور التي تظهر على الشاشة صوراً لاَلات قمارية لم يجز اللعب بها بواسطة جهاز الاتاري واِلاّ فهو جائز.
ومن آلات القمار انتقل الى الرقص، فأسأل عن رقص الزوجة لزوجها من اجل اسعاده واِثارته؟
ــ يجوز لها ذلك.
ورقصها امام الاَخرين؟
ــ لا يجوز لها أن ترقص امام غير زوجها من الرجال [بل ولا يجوز لها ان ترقص امام النساء ايضا].
ورقص الرجل امام الرجال أو النساء غير زوجته؟
ــ [لا يجوز كذلك].
في الاعراس والمناسبات المفرحة الاخرى يصفّق الرجال أو تصفّق النساء؟
ــ يجوز لهم ذلك شرط أن لا يتضمن محرّماً آخر.
أنتقل فأسأل عن جواز الاِستماع للاَغاني الدينية؟
ــ تقصد الكلمات الدينية التي تؤدى بالاَلحان المتعارفة عند اهل اللهو والطرب؟
نعم.
ــ اذن يحرم الاِستماع اليها وكذا كل كلام غير لهوي يؤدى بهذه الاَلحان دعاءً كان أم ذكراً [أم غيرهما].
والكلام اللهوي الذي يؤدى بهذه الالحان؟
ــ ذاك الغناء المتعارف الذي لا ريب في حرمته.
وما يطلق عليه الموسيقى في عرفنا الحاضر؟
ــ هي على قسمين فمنها ما يناسب مجالس اللهو والطرب فيحرم استماعها ومنها غير ذلك فلا يحرم.
بعض انواع الموسيقى تذاع مقدمة لتلاوة القرآن الكريم أو مقدمة لرفع الاذان أو قد تسبق تقديم برنامج ديني أو تلحقه فهل يجوز الاِستماع اليها؟
ــ هي في الغالب من القسم الثاني المحلّل.
والفواصل الموسيقية، والموسيقى التي تسبق نشرات الاَخبار؟
ــ هي كذلك.
بعض انواع الساعات تحمل اضافة لتعيين الوقت مقاطع موسيقية لترويح حامليها متى شاؤوا، فهل يجوز بيعها وشراؤها والاستماع لموسيقاها؟
ــ يجوز.
الموسيقى الكلاسيكية تلك الموسيقى التي يقال عنها انّها تهدّئ الاَعصاب الثائرة والتي توصف احياناً كعلاج لبعض الامراض النفسية هل يحق لي استماعها؟
ــ نعم الموسيقى غير المناسبة لمجالس اللهو والطرب يجوز الاِستماع لها.
والموسيقى التصويرية تلك التي تصاحب الافلام التلفزيونية والمسلسلات عادة والتي يكون الغرض منها رفع درجة التأثير في المشاهدين بما يناسب جوّ الفلم فاذا كان المشهد المعروض مثلاً مرعباً ساعدت هذه الموسيقى على تحفيز المخاوف واثارتها لدى المشاهدين؟
ــ هي في الغالب من القسم المحلّل.
شعر عاطفي أو وطني يذاع احياناً مصحوباً بالموسيقى؟
ــ ينطبق عليها الضابط المتقدم.
اسمح لي أن اسألك سؤالين اخرين .
ــ تفضل .
أيجوز للمرأة أن تخرج من بيتها لبعض شؤونها وهي معطرة يشم عطرها الرجال الاجانب؟
ــ لا ينبغي لها ان تفعل ذلك بل لا يجوز اذا كان يوجب افتتان الرجل الاجنبي او يسبب عادة اثارته .
اثر وفاة عزيز تلبس النساء السواد حزناً عليه وقد تضرب الوجوه والصدور وغيرها فهل يجوز ذلك؟
ــ نعم يجوز .

كراميلا
28-10-2010, 20:36
جزاكِ الله خيرا
http://upload.7bna.com/uploads/3d5866a7df.gif (http://upload.7bna.com)

بسمة امل
04-12-2010, 23:59
سلمت تلك الانامل بما خطت

يعطيك العافيه

الطاهرة
16-12-2010, 00:52
عظم الله أجوركم ياموالين بمصاب سيد الشهداء وسيد شباب الجنه مولانا
الأمام الحسين عليه السلام .

شكراً جزيلاً أختي الموالية كرمولة
على مروركم العطر أجرك على الحسين ع
جعلها الله في ميزان حسناتكم ووفقك الله بحق مولانا الحسين عليه السلام
رحم الله والديكم
http://www.14nooor.net/uploads/images/14nooor.net60ba7331c2.gif

الطاهرة
16-12-2010, 00:53
عظم الله أجوركم ياموالين بمصاب سيد الشهداء وسيد شباب الجنه مولانا
الأمام الحسين عليه السلام .

شكراً جزيلاً أختي الموالية بسمة
على مروركم العطر أجرك على الحسين ع
جعلها الله في ميزان حسناتكم ووفقك الله بحق مولانا الحسين عليه السلام
رحم الله والديكم
http://www.14nooor.net/uploads/images/14nooor.net60ba7331c2.gif

محمد سليم
18-10-2012, 12:24
جزاكم الله خيراً على هذا الطرح القيم و المفيد و جعله الله في ميزان حسناتكم ..

الاخوة الاحباء لدي سؤال و هو في ما يتعلق بحساب الحيوانات بعضها لبعض .

ســــ / هل تحاسب الحيوانات يوم القيامة , اي بمعنى اذا ضرب حيوان حيوان أخر مما ادى الى فقد عينه او اي جزء من جسمة.. هل يأتي الحيوان المضروب و يقتص من الحيوان الضارب يوم القيامة.. وهل مذكور هذا الموضوع في الفتاوي الميسرة للسيد السستاني ( ادام الله ظلة )
و للعلم لم يتدخل الانسان بينهم .

مع الشكر و التقدير